إن أخطر ما قد يفعله الإنجاز الكبير بصاحبه أن يقنعه، أو يقنع من حوله، بأن الخطأ صار احتمالاً بعيداً عنه. فحين ينجح إنسان في عبور ما بدا مستحيلاً، تتشكل حوله هالةٌ قد تجعل مراجعة قراراته أقرب إلى سوء الأدب، والتساؤل عن تقديراته نوعاً من الجحود. وهنا يبدأ امتحانٌ جديد: كيف يحفظ المسؤول ثمار الإنجاز، ويحفظ في الوقت نفسه بشريته من الانبهار به؟

فالمسؤول بشر، مهما علا مقامه واتسعت قدراته وعظمت تضحياته. يصيب ويخطئ، ويعرف ويجهل، ويرى جانباً وقد يغيب عنه آخر. وهذه الحقيقة تصبح أشد ضرورةً للتذكّر كلما كبر الإنجاز السابق؛ لأن النجاح الاستثنائي يمنح صاحبه ثقةً يحتاج إليها، لكنه قد يمنحه أيضاً اطمئناناً يتجاوز ما تسمح به طبيعة التجربة وحدود المعرفة.

وقد يكون الإنجاز، بمقاييس الناس، قريباً من المعجزة. تنفتح أبوابٌ ظلت موصدة، وتسقط معادلاتٌ حسبها العالم ثابتة، ويتغير مسار وطن. ويستحق أصحاب ذلك الامتنان والاحترام. غير أن الفضل السابق لا يمنح القرارات اللاحقة ضماناً مسبقاً بالصواب. فلكل مرحلة أسئلتها وأدواتها، وقد تحتاج إدارة ما تحقق إلى قدرات تختلف عن تلك التي صنعت لحظة تحققه.

والإنجاز الكبير يرفع مستوى المسؤولية فيما يأتي بعده؛ لأنه يفتح للناس أفقاً، ويوقظ توقعاتٍ، ويمنح صاحبه قدرةً أوسع على الفعل. فمن أعاد إلى الناس الأمل يصبح مؤتمناً على حمايته من التبدد، ومن كسب ثقتهم يُطالب بأن يجدد أسبابها في حياتهم اليومية. ولهذا لا يستقيم أن يُستدعى فضل الأمس كلما سأل الناس عن وجع اليوم، أو أن تُطلب منهم ثقةٌ بلا نهاية، مهما طال انتظارهم وتفاقمت حاجاتهم.

فالامتنان يبقى، ومعه يبقى حقهم في السؤال والمحاسبة وطلب التصحيح. وقد يصبر الناس تقديراً لحجم التحديات، لكن صبرهم يحتاج إلى صدقٍ في شرحها، وعدالةٍ في توزيع أعبائها، وجهدٍ ظاهر في تجاوزها. وأوفى ما يفعله المسؤول لإنجازه السابق أن يجعله بدايةً لالتزام أكبر، وأن يصون الثقة التي منحه إياها الناس بتحسين أحوالهم.

وقد يمكن أن تنشأ، في مرحلة ما بعد المعجزة، عادةٌ خفية.. وهكذا، يصبح لكل خطأ تفسيرٌ يبرئ القرار، ولكل تعثر سببٌ خارجي، ولكل شكوى جوابٌ يعيد المشكلة إلى نقص معرفة أصحابها. وقد تكون بعض هذه التفسيرات صحيحةً تماماً. لكن الخطر يبدأ حين تصبح النتيجة محسومةً قبل الفحص، وهي تؤكد على الدوام: المسؤول بذل كل ما يستطيع، وما بقي يقع دائماً خارج مسؤوليته.

صحيحٌ أن التحديات الداخلية والخارجية حقيقية. فالموارد محدودة، والمؤسسات منهكة، والخصوم يعملون، والشركاء يساومون، والمطالب تتزاحم. ويقتضي الإنصاف فهم هذه الإكراهات قبل إصدار الأحكام. لكن معرفة الإكراهات ينبغي أن تزيد دقة المراجعة، وأن تدفع إلى اكتشاف ما يمكن فعله داخلها. فالظرف الصعب قد يفسر التعثر، وقد يكشف أيضاً ضعف الاستعداد له أو سوء إدارة المتاح.

لهذا يحتاج المسؤول، عند كل أزمة، إلى لحظة توقف يسأل فيها: هل استفرغنا الوسع حقاً؟ هل أخذنا بالأسباب التي نعرفها، وبحثنا عن الأسباب التي نجهلها؟ هل وصلتنا المعلومات كاملة؟ وهل أتحنا للكفاءة أن تعمل، وللرأي المختلف أن يظهر؟ هذه أسئلةٌ تختبر المسؤولية، وتمنع النية الحسنة من أن تصبح بديلاً عن جودة العمل.

المراجعة قابلة لأن تغيّر شيئاً: تقديراً، أو إجراءً، أو اختياراً، أو ترتيب أولويات، وهي تفقد أثرها العملي إذا ظلت القرارات محصنةً من الفحص. ويكتمل الأخذ بالأسباب حين يتحول احتمال التقصير إلى بحثٍ جاد، ثم إلى تصحيح يحمي الناس من تكرار نتائجه.

وهنا يصبح دور المستشار بالغ الخطورة. فقد ينبهر بالإنجاز السابق إلى درجة يعجز معها عن افتراض الخطأ فيمن يشير عليه. وهكذا، يقرأ الأحداث من خلال ثقةٍ سبقت الوقائع، وينصرف عقله إلى تفسير صحة القرار، مهما كانت نتائجه. وربما يفعل ذلك بمحبة صادقة ووفاء حقيقي، فيحجب عن المسؤول معرفةً يحتاج إليها أشد مما يحتاج إلى الثناء.

وقد تتكون حول المسؤول دائرةٌ ينتظر كل فرد فيها أن يبدأ الآخر بالاعتراض. يعرف أحدهم خللاً، ويلمس آخر تعثراً، ويملك ثالث بديلاً، لكنهم يصمتون خشية إساءة الفهم. ثم يصل الصمت إلى صاحب القرار على هيئة إجماع. وهكذا يُحرم المسؤول من فرصة التصحيح، ويُحرم المجتمع من ثماره، بينما يظن الجميع أنهم يحفظون مكانة من يخدمون.

والحقيقة أن على المستشار الأمين أن يحمل إلى المسؤول ما يحتاج إلى معرفته، ويستعد لأن يشرح ما قد يصعب عليه سماعه. يميز بين احترام الشخص وفحص قراره، ويقدم الدليل والبديل والكلفة. وحين يعترض، يتحمل مسؤولية اعتراضه بالبحث والدقة؛ وحين يوافق، يوضح أسباب موافقته وحدودها. بهذه الأمانة تكتسب المشورة قيمتها، ويصبح القرب من المسؤول تكليفاً معرفياً وأخلاقياً.

وعلى المسؤول أن ينشئ شروط هذه الأمانة بنفسه. فيكافئ من يكشف الخلل مبكراً، ويطلب تقديراً مخالفاً قبل القرارات الكبيرة، ويستمع إلى من ينفذ ومن يتأثر بالتنفيذ. والأهم أن تكون لديه سعةٌ للاعتراف: أخطأنا هنا، وسنصلح. فحين يلمس المحيطون به أن المصارحة تحظى بالاحترام، تتحسن نوعية المعلومات التي تصل إليه، وتزداد قدرته على الحكم.

وكثيراً ما تبدأ المشكلة من معلومة ناقصة، أو تكليف غير واضح، أو تأخير لم يُنبَّه إليه، أو مسؤول أصغر يحجب الفشل حمايةً لموقعه. ولهذا تظل التقارير المطمئنة بحاجة إلى اختبارٍ في الميدان، وتحتاج القرارات إلى مراجعة نتائجها بعد التنفيذ. فالواقع يجيب عن أسئلة لا تستطيع النيات وحدها الإجابة عنها، ويكشف ما غاب عن أكثر الاجتماعات ثقةً وحسن إعداد.

وقد يكون أعظم الوفاء للإنجاز السابق أن نمنع تحوله إلى حجابٍ عن أخطاء الحاضر. وأن نتذكر أن من أكرمه الله بعبور امتحانٍ عظيم يبقى محتاجاً إلى عونه في كل امتحان جديد، وإلى نصيحة الناس وعلمهم وخبرتهم. فمرحلة ما بعد المعجزة تحتاج إلى تواضعٍ يحفظ القدرة على التعلم؛ وإلى مسؤول يقول بصدق: «ربنا ظلمنا أنفسنا»، ثم يفتح الباب لمن يساعده على معرفة موضع التقصير وإصلاحه.

صحيفة الثورة السورية