نشر موقع ReliefWeb تقريراً بعنوان تقييم سوق العمل في سوريا أعدّه المجلس الدنماركي للاجئين (DRC)، ويغطي محافظات #حلب، #حمص، #درعا، #دمشق، و #ريف_دمشق، مقدّماً قراءة ميدانية معمّقة لتحولات سوق العمل في سياق المرحلة الانتقالية التي أعقبت ديسمبر 2024، وما رافقها من إعادة انفتاح تدريجي على التجارة والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية
ويستند التقرير إلى عمل ميداني نوعي شمل مقابلات معمّقة ومجموعات نقاش مركّزة مع فاعلين اقتصاديين وعمال وأصحاب أعمال، مع التركيز على ثلاثة قطاعات رئيسية هي الزراعة، والبناء، والنسيج، بوصفها ركائز التشغيل والإنتاج في الاقتصاد السوري
خلاصة ما جاء فيه:

أولاً: يفترض التقرير أن التحول السياسي بعد ديسمبر 2024 وإعادة فتح قنوات التجارة والعلاقات الاقتصادية خلقا نافذة لإعادة تنشيط سوق العمل، لكنه يوضح بوضوح أن هذه النافذة لا تعني تعافياً تلقائياً، بل انتقالاً هشّاً ضمن اقتصاد ما يزال يعاني من اختلالات عميقة في البنية والإنتاجية والحوكمة. الدلالة هنا أن التغيير السياسي كان شرطاً ضرورياً لفتح السوق، لكنه غير كافٍ لإعادة بنائه

ثانياً: يبيّن التقرير أن سوق العمل السوري لا يعمل كوحدة وطنية متماسكة، بل كسلسلة من الأسواق المحلية المنفصلة نسبياً، تختلف في مستويات النشاط والفرص والبنية التحتية. هذا يعني أن أي مقاربة مركزية موحّدة لإعادة تشغيل الاقتصاد ستصطدم بواقع التفاوت الجغرافي، وأن التعافي – إن حصل – سيكون مجزأً وغير متزامن

ثالثاً: يؤكد التقرير أن الاقتصاد غير الرسمي يشكّل القاعدة الفعلية لسوق العمل، حيث تعمل غالبية المشاريع الصغيرة والمتناهية خارج الأطر القانونية والتنظيمية. هذه الحقيقة تفسّر ضعف قدرة الدولة على ضبط السوق أو توجيهه، وتكشف أن النشاط الاقتصادي الحقيقي يجري في فضاء موازٍ للمؤسسات الرسمية

رابعاً: يكشف التقييم عن اختلال بنيوي مركّب في سوق العمل يتمثل في وجود فائض كبير في اليد العاملة مقابل نقص حاد في المهارات التقنية والحرفية المتوسطة. هذا الاختلال ليس ظرفياً، بل نتيجة تراكمية لانهيار منظومة التعليم المهني وهجرة الكفاءات، ما يجعل المشكلة أعمق من مجرد نقص فرص العمل

خامساً: يوضح التقرير أن الأجور السائدة منخفضة وغير مستقرة إلى حد لا يسمح بتحقيق الحد الأدنى من الأمان المعيشي، حيث يعتمد جزء كبير من العمال على أعمال يومية أو مؤقتة دون ضمانات. هذا يعني أن التشغيل القائم لا يترجم إلى استقرار اجتماعي، بل يعيد إنتاج الهشاشة الاقتصادية

سادساً: يشير التقرير إلى أن عودة اللاجئين والنازحين بعد 2024 تمثل عاملاً مزدوج التأثير؛ فهي تنشّط الطلب المحلي على السكن والخدمات، لكنها في الوقت ذاته تزيد الضغط على سوق العمل عبر توسيع عرض العمالة، ما يؤدي إلى اشتداد المنافسة وتآكل الأجور

سابعاً: يبرز التقرير أن القطاعات الاقتصادية الثلاثة المدروسة تتحرك وفق منطق مختلف: فالزراعة تمتلك قدرة عالية على امتصاص العمالة بسرعة رغم محدودية الإنتاجية، بينما يشهد قطاع البناء نمواً مدفوعاً بإعادة الإعمار لكنه يظل هشاً أمام الصدمات، في حين يعاني القطاع الصناعي – وخاصة النسيج – من اختلالات هيكلية عميقة تعيق تعافيه

ثامناً: يحدد التقرير أزمة الطاقة، ولا سيما نقص الكهرباء والوقود، كأحد أبرز القيود الهيكلية التي تعطل الإنتاج عبر جميع القطاعات، وترفع التكاليف، وتحدّ من القدرة على التوسع، ما يجعلها عنق الزجاجة الرئيسي أمام أي تعافٍ اقتصادي

تاسعاً: يبيّن التقرير أن منظومة التمويل تكاد تكون معطّلة، حيث تعتمد الشركات والأفراد على التمويل الذاتي أو الشبكات غير الرسمية، في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية وصعوبة الوصول إليها. وهذا يقيد الاستثمار ويمنع توسع المشاريع، خاصة الصغيرة منها

عاشراً: يكشف التقييم أن المؤسسات الرسمية – بما فيها النقابات والهيئات التنظيمية – لا تؤدي دوراً فعّالاً في دعم السوق أو تنظيمه، بل تُنظر إليها غالباً كعبء إداري أو مالي، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والاقتصاد

حادي عشر: يشير التقرير إلى أن الشباب يشكلون الكتلة الرئيسية في سوق العمل، لكن ضمن وظائف منخفضة المهارة وبدون مسارات واضحة للتطور، ما يهدد بتحول هذه الفئة إلى كتلة هشّة اقتصادياً على المدى المتوسط

ثاني عشر: يوضح التقرير أن مشاركة النساء في سوق العمل تبقى محدودة للغاية، ومحصورة في مجالات ضيقة، نتيجة تداخل العوامل الثقافية والاقتصادية وضعف الفرص المتاحة، ما يعني أن نصف الطاقة البشرية في المجتمع شبه معطّل

الخلاصة التي يقود إليها التقرير هي أن سوريا بعد 2024 تواجه تحدياً مركّباً يتمثل ليس فقط في إعادة تشغيل الاقتصاد، بل في إعادة بناء سوق العمل ذاته من حيث هيكله، ومهاراته، وآليات تنظيمه، بما يتجاوز منطق التعافي التقليدي إلى إعادة التأسيس البنيوي.