بينما تتجه الأنظار إلى احتمال تجدد المواجهة العسكرية، تكشف التحركات الأمنية داخل إيران عن انشغال متزايد للسلطات بمنع اضطرابات داخلية جديدة، وسط استنفار أمني واعتقالات وتعبئة لقوات الباسيج.

في الوقت الذي تتصدر فيه احتمالات تجدد الحرب والعلاقة المتوترة بين طهران وواشنطن عناوين الأخبار، تتوالى داخل إيران تطورات من نوع آخر، قد تكشف جانباً لا يقل أهمية في حسابات النظام الحاكم، ألا وهو الخوف من اضطرابات شعبية جديدة، واحتمال تحول الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة أكثر اتساعاً وتنظيماً.

فخلال أيام قليلة، أعلنت أجهزة أمنية وقضائية عن عمليات اعتقال ومصادرة أسلحة، فيما شهدت مدن إيرانية تعبئة لقوات الباسيج ومناورات واسعة، بالتزامن مع تصريحات لمسؤولين تحذر من عودة الاحتجاجات وتطالب بتشديد المراقبة الأمنية.

في 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن قائد شرطة خوزستان، محمود ميرفيضي، ضبط 222 قطعة سلاح غير مرخصة و2148 طلقة نارية، واعتقال 149 شخصاً خلال عمليات أمنية متزامنة. وقالت السلطات إن الإجراءات تندرج ضمن مكافحة حيازة الأسلحة غير القانونية وتعزيز الأمن.

وقبل ذلك بيوم، أعلنت وزارة الاستخبارات اعتقال 11 شخصاً في شهرستان ملكشاهي بمحافظة إيلام، زاعمة أنهم كانوا موزعين على ثلاث مجموعات ومتورطين في أحداث احتجاجية سابقة. كما نسبت إليهم حيازة أسلحة والاعتداء على منشآت أمنية.

ولم تقدم المعلومات المنشورة أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من جميع الاتهامات الموجهة إلى المعتقلين، لكن توقيت هذه الإجراءات وطبيعة الخطاب المصاحب لها يطرحان تساؤلات بشأن حجم القلق الأمني من الأوضاع الداخلية.

وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير عن إطلاق آلية إلكترونية تتيح للمواطنين إرسال معلومات وبلاغات إلى النيابة العامة بشأن قضايا الأمن العام والأنشطة السياسية، في خطوة تثير تساؤلات حول توسيع نطاق المراقبة وجمع المعلومات داخل المجتمع. في مدينة ساري شمالي البلاد، نُظمت في 18 أكتوبر مناورات وتجمعات تحت عنوان “جان ‌فدايان إيران”، بمشاركة تشكيلات عسكرية وقوات الباسيج ومؤسسات مدنية. وأعلنت السلطات تعطيل مؤسسات تعليمية وإدارية لتسهيل تنظيم الفعالية، التي شاركت فيها، وفق وسائل الإعلام الرسمية، أكثر من 130 وحدة مدنية وعسكرية.

وقدمت قيادة الحرس الثوري هذه التحركات باعتبارها استعراضاً للتضامن والاستعداد للدفاع عن البلاد، غير أن إدماج قطاعات مدنية ومؤسسات تعليمية وإدارية في مثل هذه التعبئة يبرز أيضاً الدور الواسع الذي تؤديه الباسيج في منظومة السيطرة والتعبئة الداخلية. وفي سنندج، أعلنت السلطات ترتيبات لتنظيم مناورات مماثلة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، بمشاركة الباسيج والاستفادة من إمكانات المؤسسات الحكومية والتعليمية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع تصريحات شخصيات مرتبطة بالنظام بشأن احتمال تجدد الاحتجاجات.

فقد حذر رسول فلاحتى، إمام جمعة رشت، وفق تصريحات متداولة، من محاولات إعادة الاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال العام الإيراني السابق، مؤكداً أن السلطات لن تسمح بتكرارها. كما تضمنت تصريحات منسوبة إلى شخصيات محسوبة على النظام دعوات إلى تنشيط أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري لمواجهة ما وصفته بمحاولات استغلال الخلافات الداخلية.

اللافت في هذا السياق تكرار اسم منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة في تصريحات شخصيات رسمية وإعلامية. ففي تصريحات نقلها موقع «خبر أونلاين»، دعا جعفر زاده إلى تكثيف نشاط وزارة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري، واتهم منظمة مجاهدي خلق بالسعي إلى إبقاء البلاد في حالة أزمة.

كما نُسبت إلى رضا نوري، خلال ظهوره على قناة أترك التلفزيونية، تصريحات تحدث فيها عن احتمال مواجهة مستقبلية مع المنظمة. ولا تثبت هذه التصريحات، بحد ذاتها، حجم نشاط المنظمة أو طبيعة إمكاناتها داخل البلاد، لكنها تعكس استمرار حضورها في الخطاب الأمني والسياسي للسلطات.

وتقول المقاومة الإيرانية إن وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق تنشط داخل مدن مختلفة، وتسعى إلى ربط الاحتجاجات الاجتماعية بمشروع للتغيير السياسي. وفي المقابل، تتهمها السلطات بالعمل ضد أمن النظام. في الحقيقة، لا يمكن فصل الاستنفار الأمني الإيراني بالكامل عن احتمالات الحرب الخارجية، كما لا يمكن اعتبار كل اعتقال أو مناورة دليلاً على اقتراب انتفاضة وطنية.

لكن قراءة هذه التطورات مجتمعة تكشف أن السلطة لا تنشغل بالتهديدات الخارجية وحدها، فهناك اهتمام متزايد بمراقبة المجتمع، وضبط الشارع، ومواجهة الشبكات المعارضة، ومنع عودة احتجاجات قد تتجاوز المطالب الاقتصادية والاجتماعية إلى تحد سياسي أوسع.

وفي هذا السياق، يبدو أن السؤال الذي يشغل مؤسسات النظام لا يقتصر على موعد المواجهة العسكرية المقبلة، بل يشمل أيضاً قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء التوترات الداخلية إذا تجددت الاحتجاجات.

وبينما تتركز الأنظار الدولية على الحرب والعقوبات والمفاوضات، تبقى العلاقة بين السلطة والمجتمع الإيراني عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل البلاد. وهي معادلة لا يمكن حسمها بالإجراءات الأمنية فقط، ولا التنبؤ بنتيجتها مسبقاً، فقد تنجح التعبئة الأمنية في احتواء تحركات محدودة، لكن استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجعل احتمال تجدد الاحتجاجات حاضراً في حسابات النظام، بصرف النظر عن مسار المواجهة مع الخارج.

صحيفة الثورة السورية