تتقدم منح البنك الدولي في سوريا كأداة لدعم الخدمات الأساسية وتحريك النشاط الاقتصادي وفق الأولويات الوطنية، مع انعكاسات تمتد إلى فرص العمل وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الثقة الدولية.

وتشير آراء الخبراء إلى أن أثر هذه المنح يتصل بدورها في تنشيط التعافي المبكر، وتخفيف الضغط على المالية العامة، وتحسين الإنتاجية عبر دعم قطاعات حيوية. وفي الوقت نفسه، تبرز مجموعة من التحديات المرتبطة بآليات التنفيذ وطبيعة التمويل والإدارة، وضغوط الأسعار، ومسار الاستدامة المالية، ما يجعل نتائج هذه المنح مرتبطة بكفاءة توظيفها ضمن رؤية اقتصادية واضحة.

ووافق البنك الدولي، الخميس الماضي، على تمويل مشروعين جديدين في سوريا، ليرتفع عدد المشاريع المعتمدة خلال أقل من عام إلى أربعة بقيمة إجمالية تبلغ 391 مليار دولار، ضمن قائمة تضم 11 مشروعاً قيمتها 1.4 مليار دولار.

دعم التنمية
في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية” حول مشاريع البنك الدولي في سوريا، أكد مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين، قتيبة قاديش، وجود مرونة لدى البنك الدولي في مواءمة استراتيجيته مع أولويات التعافي الوطني، إلى جانب العمل المباشر مع مؤسسات الدولة من دون وسطاء.

وتشمل المشاريع التي اعتمدها البنك الدولي إصلاح شبكة نقل الكهرباء بقيمة 146 مليون دولار، ومشروع تقوية الإدارة المالية الحكومية بقيمة 20 مليون دولار، إلى جانب مشروع في قطاع المياه بقيمة 150 مليون دولار، وآخر في القطاع الصحي بقيمة 75 مليون دولار.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أن منح البنك الدولي تسهم في دعم التنمية رغم محدودية قيمتها المالية، وبشكل غير مباشر أكثر من كونه مباشراً، لافتاً إلى أن أثرها الحقيقي يرتبط بالإشارة التي تحملها أكثر من حجم التمويل.

وأضاف أن هذه المنح، حتى لو كانت محدودة، تسهم في تحسين الأوضاع التنموية في المناطق المتضررة، إذ تركز على المناطق النائية التي تعاني من ضعف الخدمات بدلاً من المدن الكبرى، ما يسهم في تخفيف العبء عن الحكومة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان، والحد من الضغوط اليومية الناتجة عن الواقع الاقتصادي.

وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية” أن الفكرة الأساسية من هذه المنح تتمثل في معالجة المشكلات الاجتماعية في المناطق النائية، مثل السكن والبطالة والهجرة إلى المدن وهجر الريف، من خلال التركيز على مشاريع البنية التحتية كالصرف الصحي والكهرباء والمياه.

وأشار إلى أن هذه المشاريع تسهم أيضاً في رفع نسب التشغيل وتحفيز عودة الأهالي للاستثمار في أراضيهم الزراعية، بما ينعكس على تحسن الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً ضرورة توجيهها نحو الفئات الأكثر هشاشة.

ويتفق المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، مع شعبو في أن منح البنك الدولي تسهم في تحسين الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، بما ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.

وقال مصطفى لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذه المنح تتيح أيضاً فرص عمل مؤقتة ودائمة، خاصة عند توجيهها نحو مشاريع كثيفة العمالة، إلى جانب دورها في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين وفتح المجال أمام تدفقات مالية إضافية.

تأثيرات واسعة
تتقاطع مشاريع البنك الدولي مع مبادرة “سوريا بلا مخيمات”، حيث تتكامل هذه المشاريع مع الخطط المستقبلية للمبادرة، في إطار توجه يهدف إلى تحسين الظروف الداعمة لعودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم، عبر تعزيز الخدمات الأساسية ورفع مستوى المعيشة.

ورأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الاعتماد على منح البنك الدولي في المرحلة الراهنة يُعد أمراً طبيعياً لإعادة تأهيل البنية التحتية المتداعية، إلا أن الأهمية الاقتصادية الأساسية تكمن في التحول من مساعدات إغاثية محدودة ومجزأة إلى برامج تمويل هيكلية شاملة تغطي قطاعات متعددة.

وأوضح قوشجي لصحيفة “الثورة السورية” أن تزايد حجم المنح، التي قد تصل إلى نحو 1.4 مليار دولار، إلى جانب تنوع القطاعات المستهدفة مثل الكهرباء والمياه والصحة والإدارة المالية والتعليم والطاقة والتحول الرقمي والقطاع المالي والحماية الاجتماعية، يعكس دخول الاقتصاد السوري مرحلة جديدة تقوم على انتقال تدريجي من هامش العزلة المالية إلى تكامل جزئي مع منظومة التمويل الدولية.

ويشرح قوشجي الأبعاد الاقتصادية الكلية لانعكاسات المنح على المتغيرات الرئيسة، موضحاً أن أثرها في المالية العامة وعجز الموازنة يتمثل في كونها منحاً غير قابلة للرد، وبالتالي لا تزيد من أعباء الدين العام، ما يعني تحسناً في الرصيد المالي من دون تكاليف فوائد مستقبلية.

وأشار إلى أن حجم هذه المنح، البالغ نحو 391 مليون دولار للمشاريع الأربعة الأولى، يبقى متواضعاً مقارنة بحجم الاحتياجات التقديرية لإعادة الإعمار التي تقدر بعشرات المليارات، ما يجعل أثرها المباشر محصوراً في تخفيف جزئي لضغط الموازنة من دون معالجة العجز الهيكلي، في حين إن المشاريع الإضافية المخطط لها، قد تعزز هذا الأثر من دون أن تبلغ مستوى كافياً لتغطية الاحتياجات.

ومن جهة أثرها في ميزان المدفوعات وسعر الصرف، لفت قوشجي إلى أن منح البنك الدولي غالباً ما تُشترط ضمن آلياتها المعيارية عبر مناقصات دولية لشراء المعدات والخدمات الفنية، ما يعني توجيه جزء من الإنفاق نحو واردات تشمل التكنولوجيا والآلات والخبرات الأجنبية.

وأضاف أن ذلك قد يخلق طلباً إضافياً على العملات الأجنبية ويضغط على سعر الصرف، بينما يتوقف الأثر الصافي في ميزان المدفوعات على نسبة المكون المحلي في التنفيذ، فكلما ارتفع الاعتماد على العمالة والمواد والخدمات الهندسية المحلية، زاد الأثر الإيجابي في الليرة السورية وتحسنت قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالعملة الصعبة داخل البلاد، في حين إن غياب بيانات واضحة عن هذه النسبة يجعل قياس الأثر الفعلي أكثر صعوبة.

أما الأثر التضخمي وتحسين الإنتاجية، فيرى قوشجي أن المنح تحمل بعدين متقابلين؛ الأول يتمثل في أثر تضخمي مؤقت ناتج عن ضخ سيولة مالية تُقدّر بما يعادل 391 مليون دولار في الاقتصاد، إذ قد يؤدي غياب زيادة فورية في المعروض السلعي إلى ارتفاع الطلب على السلع والخدمات المحلية مثل مواد البناء والنقل والمقاولات.

في المقابل، يبرز أثر مضاد للتضخم على المدى المتوسط، نتيجة تحسين قطاعات الكهرباء والمياه والصحة، حيث يسهم تمويل الكهرباء بنحو 146 مليون دولار في خفض تكاليف التشغيل، والمياه بنحو 150 مليون دولار في تقليل تكاليف الأمراض وأيام العمل الضائعة، والصحة بنحو 75 مليون دولار في رفع إنتاجية القوى العاملة.

وتنعكس هذه التحسينات في خفض تكاليف الإنتاج وزيادة المعروض الكلي، ما يضغط باتجاه استقرار أو تراجع الأسعار، مع الإشارة إلى أن سرعة تنفيذ المشاريع تبقى العامل الحاسم في ترجيح الأثر المضاد للتضخم على الأثر المؤقت، بحسب قوشجي.

اقتصاديات السمعة
حول الأبعاد الاستراتيجية والسياسية الاقتصادية، يرى قوشجي أن التمويل الحالي يعزز بناء الثقة في إطار ما يُعرف باقتصاديات السمعة، مشيراً إلى أن الانتقال من مشاريع متفرقة إلى برنامج متكامل يضم أربعة مشاريع معتمدة ضمن 11 مشروعاً، إلى جانب عودة مؤسسة التمويل الدولية (IFC) للعمل، يعكس توجهاً نحو إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الدولية.

وأضاف أن الثقة تمثل أصلاً غير ملموس له قيمة اقتصادية مباشرة، إذ إن استمرار البرامج مع البنك الدولي يبعث إشارات إلى الأسواق والمستثمرين والجهات المانحة بأن سوريا بدأت بالامتثال لمعايير الحوكمة والشفافية، ما يسهم في خفض علاوة المخاطر وتكاليف التمويل والاستثمار مستقبلاً.

كما أشار إلى أن هذه المنح تسهم في كسر العزلة الاقتصادية وإعادة الربط بالمنظومة المالية العالمية، كونها تعتمد على إجراءات ومعايير فنية في المشتريات والمراجعة والإفصاح، وهو ما يعيد دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في النظام المالي الدولي ويفتح المجال أمام تمويلات أكبر لاحقاً، من بينها المشاريع قيد الدراسة.

واعتبر أن عودة مؤسسة التمويل الدولية (IFC) تدعم دور القطاع الخاص إلى جانب المشاريع الحكومية، ما يحقق نوعاً من التوازن بين القطاعين العام والخاص.

وأوضح قوشجي الرابط بين هذه المنح ومبادرة “سوريا بلا مخيمات”، لافتاً إلى أن تحسين البنية التحتية في مجالات الكهرباء والمياه والصحة يهيئ الحد الأدنى من الظروف المعيشية اللازمة لعودة النازحين، بما ينعكس اقتصادياً عبر تنشيط الأسواق المحلية وزيادة الطلب الكلي، وتحفيز قطاعات مثل البناء والخدمات والعقارات، إلى جانب تخفيف العبء عن المخيمات وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية، بما يحول المنح من طابع إغاثي إلى مسار داعم للتعافي الاقتصادي.

أربعة مستويات اقتصادية
صنف قوشجي أبعاد تمويل البنك الدولي إلى أربعة مستويات اقتصادية:

– البعد المالي المباشر: تخفيف ضغط الموازنة العامة من دون إضافة ديون، وتحسين ميزان المدفوعات جزئياً (إذا روعيت نسبة المكون المحلي)، مع أثر تضخمي مضبوط.

– البعد الإنتاجي: عبر تحسين الكهرباء (مدخل الإنتاج الرئيسي)، والمياه (مدخل الزراعة والصناعة)، والصحة (رأس المال البشري)، ترتفع الإنتاجية الكلية للاقتصاد وتنخفض تكاليف التشغيل.

– البعد المؤسسي والحوكمي: أي مشروع الإدارة المالية هو الأهم استراتيجياً، لأنه يبني أساس الشفافية الذي تستند إليه كل المنح المستقبلية وأي استثمار أجنبي، نجاحه يرفع الثقة، وفشله يقوض كل شيء.

– البعد الجيوسياسي الاقتصادي: أي إعادة دمج سوريا في منظومة التمويل الدولية، وكسر العزلة المالية، وإرسال إشارة إلى الأسواق المالية العالمية، والتكامل مع مبادرة “سوريا بلا مخيمات” لتحفيز عودة النازحين وإعادة تنشيط الاقتصادات المحلية.

ويشير التدرج في المشاريع إلى أن البنك الدولي يراهن على مسار تعافٍ طويل ومنهجي، وليس على إغاثة آنية.

تحريك مرحلة التعافي
يهدف المشروعان الجديدان اللذان اعتمدهما البنك الدولي إلى دعم سوريا في تعزيز الخدمات العامة بقطاعي المياه والصحة، من خلال تحسين توفير مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي بشكل منتظم ومن دون انقطاع، إلى جانب تطوير الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الجيدة ورفع جودتها.

ومن المتوقع أن يستفيد من المشروعين نحو 4.5 ملايين مواطن في مختلف أنحاء البلاد.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن أهمية هذه الأرقام التي تبدو محدودة قياساً بحجم الدمار، تُقاس بالدور الذي تؤديه في تحريك مرحلة التعافي.

وأضاف رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه المنح تمثل دفعة للتعافي المبكر، كونها تستهدف قطاعات تمس الحياة اليومية مباشرة للمواطنين.

ومن شأن تحسن مستوى الخدمات الأساسية، بحسب رحال، أن ينعكس اقتصادياً من خلال خفض تكاليف العلاج والأمراض المرتبطة بالمياه، ورفع الإنتاجية في سوق العمل، إضافة إلى تنشيط الأسواق المحلية المرتبطة بالخدمات.

كما أن إعادة تأهيل شبكات الكهرباء تسهم في تخفيف أحد أكبر معوقات الإنتاج، ما يفتح المجال أمام عودة الأنشطة الصناعية والحرفية بشكل تدريجي، وفق رحال.

ولفت رحال إلى أهمية منحة إصلاح الإدارة المالية، البالغة 20 مليون دولار، رغم صغر قيمتها نسبياً، كونها تستهدف معالجة اختلالات هيكلية في الاقتصاد السوري، في ظل أن المشكلة ترتبط بإدارة الموارد أكثر من كونها نقصاً في التمويل، ما يجعل تحسين الشفافية وكفاءة الإنفاق العام عاملين مؤثرين على المدى الطويل، قد يفوق أثر المشاريع الخدمية المباشرة.

واعتبر رحال أن منح البنك الدولي لسوريا تمثل إشارة ثقة، إذ تحمل من الناحية الاقتصادية دلالة على عودة جزئية لسوريا إلى النظام المالي الدولي، كما أن دخول البنك الدولي مجدداً يفتح المجال أمام تدفقات تمويل أكبر، سواء عبر منح إضافية أو قروض ميسّرة.

وأكد أن هذه الأموال لا تهدف إلى إعادة الإعمار الشامل بقدر ما تهيئ الأرضية له.

تحديات التمويل الخارجي
كشف وزير المالية محمد يسر برنية، عن مشاريع إضافية قيد التحضير لعرضها على مجلس إدارة البنك الدولي، تشمل قطاعات المالية والمصرفية، والتعليم، والحماية والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى مشاريع في الطاقة والتحول الرقمي.

وأكد وزير المالية حرص الحكومة على بذل كل الجهود اللازمة لضمان التنفيذ الناجح لهذه المشاريع، وتعزيز الانضباط في الإدارة المالية، بما يؤهّل سوريا لزيادة حصتها من المنح والتمويلات الميسّرة.

ويرى رحال أن منح البنك الدولي، رغم إيجابياتها، لا تخلو من تحديات أبرزها الاعتماد على التمويل الخارجي، ومخاطر سوء الإدارة وضعف الرقابة، إلى جانب فجوة التوقعات بين سرعة التحسن المنتظرة وبطء الأثر الفعلي.

وأكد أن هذه المنح لا تشكل عبئاً على الدين العام كونها غير مستردة، لكنها قد تمهّد للانتقال نحو قروض ميسّرة لاحقاً، كما أشار إلى أنها تمثل خطوة أولى لكسر العزلة وبناء الثقة، رغم محدودية حجمها مقارنة بحجم احتياجات إعادة الإعمار.

وأضاف أن فعاليتها ترتبط بكفاءة الإدارة المحلية والشروط الإصلاحية المرافقة، ما يجعل أثرها مرهوناً بطريقة التوظيف أكثر من حجم التمويل.

صحيفة الثورة السورية