تقف سوريا اليوم عند عتبة تحوّل تاريخي دقيق وبالغ الحساسية، تتهاوى فيه المسلّمات التي حكمت تصوّر الدولة والسلطة لعقود طويلة. فلم يعد ممكناً إحياء صيغ الحكم القديمة القائمة على مركزية القرار واحتكار الحقيقة السياسية، كما لم يعد الرهان على “القائد المنقذ” أو “المستبد”، حتى لو كان عادلاً، سوى امتداد لوهم أثبت عجزه عن إنتاج الاستقرار.

فقد خلّفت سنوات الحرب مجتمعاً مُثقلاً بالخسارات، مُنهكاً في بُناه التّحتية، تتشظّى الثقة بين مكوّناته، وتتنازعه ذاكرة العنف والخوف من مستقبل لا حدود لمآلاته الغامضة. في سياق كهذا، لا تبدو الأسئلة حول ماهيّة وشكل وطبيعة الدولة الجديدة ترفاً فكرياً أو مجرد جدل معرفي، بقدر ما تمثّل ضرورة وطنية ملحّة تدعو جميع السوريين إلى المشاركة في الإجابة على تشعّباتها اللامحدودة، في بلد لا يزال يتلمّس طريقه نحو الاستقرار.

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى قيادة تُدرك حدود القوة، وتُحسن إدارة التعقيد، وتُنصت إلى مجتمع أتعبته الشعارات الجوفاء وأرهقته المغامرات الوهمية، ويبحث أفراده عن حدّ أدنى من التوازن في مستوياتهم المعيشية.

في هذا المنعطف التاريخي، تتجدّد الدعوات السياسية التي تغري سوريا باستعادة دورها الإقليمي عبر بوابة القوة، من خلال الانخراط في ملفّات حسّاسة، وعلى رأسها الساحة اللبنانية، بل وطرح أفكار من قبيل “مواجهة حزب الله” أو إعادة التوازن في لبنان بالقوة أو النفوذ. ورغم أن هذا الطرح يبدو، ظاهرياً، وكأنه محاولة لاستعادة مكانة إقليمية مفقودة، إلا أنه في الواقع لا يعدو كونه وصفة سريعة لإعادة إنتاج الكارثة.

فالسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف تستعيد سوريا قوتها أو حضورها الإقليمي، بل كيف تتعامل بذكاء مع هشاشتها المرحليّة وضعفها، بوصفها دولة خارجة للتو من أتون حرب داخلية شاركت فيها قوى إقليمية ودولية متعددة.

لم يعد ممكناً اليوم تسويق وهم “الدولة القوية” أو “القائد السوبرمان” للسوريين، فهذه اللغة تحديداً هي ما أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم من كوارث. فسوريا اليوم ليست في موقع يسمح لها بخوض صراعات خارج حدودها، ويكاد يكون هناك إجماع سوري عام على ضرورة خروج الدولة من طور الانهيار، وهو ما يُعد -إن تحقق- إنجازاً كبيراً يُحسب للقيادة الجديدة. فالمجتمع السوري لا يزال مثقلاً بذاكرة الخوف والانقسام، وأي خطوة نحو تدخل إقليمي، خاصة في ملف معقّد كلبنان، لن تُفهم كقرار استراتيجي جامع، بقدر ما ستكون خطوة إضافية نحو تعميق الانقسام الداخلي، وبالتالي فإن أي انخراط في هذا المسار سيعيد فتح جروح لم تلتئم بعد.

ها هو العراق يقدّم درساً بالغ الوضوح؛ فبعد عام 2003، لم تُسهم التجاذبات والتدخلات الخارجية في هذا البلد الممزّق إلا في تعميق انقساماته الداخلية القائمة أصلاً، ما كرّس تدريجياً إضعاف الدولة وزاد من هشاشة مجتمعه المتعدد. وينطبق ذلك أيضاً على لبنان، الذي يقبع اليوم تحت ضربات الجيش الإسرائيلي، مع احتفاظ الأخير بمساحات من أراضيه، وهو ما يُترجم سريعاً إلى توترات داخلية.

فهل تحتاج سوريا، في وضعها الراهن، إلى استيراد مثل هذه الأزمات؟ الأخطر من ذلك أن الدعوات السياسية لإقحام سوريا في ملفات خارجية لا طاقة لها بها تعيد إنتاج المنطق ذاته الذي حكمها لعقود، والقائم على أن شرعية السلطة يمكن أن تُبنى من الخارج، سواء عبر “إثبات القوة” أو “لعب دور” إقليمي. في حين أن أي دور خارجي فاعل يظل مشروطاً بوجود شرعية داخلية، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتشكل دون حد أدنى من التوافق الوطني الجامع والداعم لقرارات الدولة.

إن أكثر ما تحتاجه سوريا اليوم هو ما يمكن تسميته بسياسة “الانكفاء الواعي”، وهو نأيٌ لا يعني التهرب من المسؤوليات تجاه الجوار، بقدر ما يشير إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الداخلية. وعليه، فإن الاهتمام لا ينبغي أن ينصبّ على بيروت أو أي عاصمة أخرى، وإنما على السويداء ودرعا واللاذقية وحمص والحسكة والرقة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

كذلك، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يتجه نحو إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وهو مسار لا يمكن تحقيقه عبر القبضة الأمنية، لأن السوريين جرّبوا هذا النهج لأكثر من نصف قرن وكانت نتائجه ماثلة فيما وصلت إليه البلاد اليوم، كما لا يتحقق عبر الشعارات الكبرى مثل “الدور الإقليمي”، بل عبر خطوات تدريجية ملموسة، في مقدمتها توسيع هامش المشاركة، والاعتراف بالتعدد، والتوقف عن اختزال السياسة في بعدها الأمني.

قد يبدو هذا الطرح غير مقنع للبعض، إلا أنه -من منظور واقعي- أكثر قابلية للتّحقق من أي استعراض لقوة مفترضة. فالدولة الناشئة لن تكون قادرة على الاستمرار ما لم تعترف بحدود قدراتها، وإلا فإن تصرفها وكأنها استعادت عافيتها قبل أوانها سيعرضها عملياً لمشاكل جسيمة.

ضمن هذا التعقيد البنيوي، يصبح من غير الواقعي التفكير في أدوار عسكرية خارج الحدود، في مقابل ضرورة الحفاظ على وعي استراتيجي بالتوازنات الإقليمية بما يسمح بصياغة سياسات قائمة على المصلحة الوطنية لا على الاعتبارات الإيديولوجية أو الانفعالية. واللافت في الأمر، وهو مفارقة في الوقت ذاته، أن ضعف سوريا اليوم قد يكون فرصتها الوحيدة التي تمنحها هامشاً لتجنّب الانخراط في صراعات الآخرين.

فهذا الضعف، إذا ما أُدير بشكل جيد، يمكن أن يمنحها وقتاً لإعادة بناء نفسها بهدوء، بما يجعله استراتيجية تقوم على التركيز على الداخل، وبناء شرعية تدريجية، وعدم القفز فوق الواقع عبر التورط في تدخلات خارجية. حتى موقع سوريا الجغرافي، الذي طالما كان مدخلاً للصراعات، يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا استُخدم كجسر للتعاون بدلاً من جعله ساحة نفوذ. وهذا يتطلب عقلاً سياسياً مختلفاً، لا ينظر إلى أي ملف إقليمي باعتباره فرصة للهيمنة، بقدر ما يراه احتمالاً للمخاطرة باستقرار البلد.

في بلد دمّرته المبالغة في استخدام القوة، قد تكون الشجاعة الحقيقية في التخلي عن أي إغراء لتدخلات خارجية، فسوريا اليوم تحتاج إلى هدنة طويلة بين أبنائها، لا إلى معارك جديدة. كما أنها تحتاج إلى إدارة تدرك أن القوة لا تكمن في توسيع دائرة السيطرة، وإنما في القدرة على احتواء مختلف الأطراف وإدارة تعقيدها.

ما يهمّ السوريين اليوم ليس كيف تعود بلادهم لاعباً قوياً في المنطقة، وإنما كيف تنجو أولاً عبر ترميم ضعفها، وكيف ينجح أبناؤها في بناء دولة لا يخافون منها، وكيف تتمكن قيادتها من إنتاج شرعية تنبع من الداخل، مستفيدةً بوعي من دعم خارجي غير مسبوق، دون أن يتحوّل هذا الدعم إلى بديل عن الأساس الوطني الذي يقوم عليه استقرارها.

صحيفة الثورة السورية