مر أكثر من عام على تشكيل الحكومة السورية، التي جاءت على خلفية الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث جرى في البداية تكليف حكومة مؤقتة بتسيير الأعمال، بينما جرى الإعلان عن حكومة جديدة في 29 آذار 2025، ضمت 23 مقعدا وزاريا من دون رئيس وزراء، وقامت على التكنوقراط مع مراعاة تمثيل المكونات السورية المختلفة.
وهذه الحكومة، رغم أنها واجهت تحديات مركبة ومعقدة، فإن عددا من الوزارات تمكن من تحقيق إنجازات ساهمت في تثبيت الاستقرار في البلاد، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطوير آليات العمل في عدة جوانب خدمية تهم المواطن السوري، إلى جانب استعادة العلاقات الخارجية، خاصة مع الدول الغربية، وصولا إلى رفع العقوبات والحصول على اعتراف سياسي، نتيجة الاستثمار في موقع سوريا الجيوسياسي.
لكن في المقابل، هناك وزارات لم تتمكن من تنفيذ الخطط الموضوعة وترجمتها إلى أفعال على أرض الواقع، بسبب التحديات التي واجهتها نتيجة الإرث المتراكم من النظام المخلوع، إضافة إلى أسباب أخرى، ما يستدعي إجراء تقييم شامل وإجراء تعديل وزاري، بهدف ضخ دماء جديدة في شرايين مؤسسات الدولة والاستجابة لمتطلبات المرحلة.
تحديات واجهت الحكومة
في العام الأول من تشكيلها، واجهت الحكومة تحديات معقدة وضغوطا بسبب تراكم آثار الحرب التي استمرت 14 عاما، في حين كان النظام المخلوع يسخر الدولة ومواردها لتثبيت نفسه في الحكم، ما فاقم الفساد داخل المؤسسات، وأدى في نهاية المطاف إلى ضعف كبير في الأداء وتراكم الأزمات الداخلية، ناهيك عن العزلة الدولية، ما جعل سوريا رهينة بيد تحالفات النظام المحدودة، وتقديم تنازلات ما زالت تنعكس على الأوضاع الداخلية، رغم مرور نحو عام ونصف العام على التغيير السياسي الجذري في البلاد.
وأدى هذا الواقع إلى ضعف في البنية المؤسسية وانتشار الفساد بكافة أشكاله على مدار سنوات، حيث تضررت مؤسسات الدولة بشكل واضح فيما يتعلق بالكفاءة والموارد البشرية، وهذا ما يعد تحديا أمام الحكومة الحالية في إعادة بناء جهاز إداري قادر على تنفيذ الخطط والمهام وفق السياسات الجديدة بفعالية.
إلى جانب ذلك، فإن الأزمة الاقتصادية في سوريا تعد تحديا بارزا أمام الحكومة وقدرة بعض الوزارات على تحقيق إنجازات، نتيجة تدهور سعر صرف الليرة السورية، في حين انعكس ذلك سلبا على التضخم، وأدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة نتيجة تردد المستثمرين في الدخول إلى السوق السورية، ما يجعل تحسين الاقتصاد مهمة معقدة. وقد أثر ذلك أيضا على القطاعات الخدمية، بما فيها الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، كونها تتطلب موارد ضخمة لإعادة تأهيلها.
ويضاف إلى هذه الأسباب استمرار حالة الهشاشة الأمنية في بعض المحافظات، وعدم سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، حيث تمكنت في بداية العام الجاري 2026 من الوصول إلى اتفاق مع “قسد”، ما مكنها من وضع يدها على آبار النفط، والذي سيساعد بدوره إلى حد كبير في حل أزمة الطاقة، وانعكاس ذلك على الخزينة العامة للدولة.
وفي ظل هذه التحديات، حققت عدة وزارات إنجازات كبيرة على المستويين الداخلي والخارجي، خاصة فيما يتعلق بالشق الأمني والعلاقات الخارجية، ناهيك عن تحسن الأداء الاقتصادي، لكن ذلك لا يعني أن تقف الحكومة عند هذا الحد، إذ يجب عليها إعادة تقييم أدائها لتحقيق نجاحات أكبر في وقت قياسي، بما يساهم في ترسيخ الاستقرار في البلاد واستقطاب الاستثمارات الخارجية الكبرى، الأمر الذي ينعكس على المواطن السوري بشكل إيجابي.
هل التعديل الوزاري ضرورة؟
الحالة السورية معقدة، ولا تملك دمشق ترف الوقت للانتظار طويلا حتى تتمكن بعض الوزارات من تحقيق إنجازات كبرى، خاصة فيما يتعلق بالأوضاع المعيشية وتقديم الخدمات الأساسية، ناهيك عن جوانب أخرى ملحة تستدعي إجراء تعديل وزاري بعد تقييم الأداء، خاصة بعد التطورات الأخيرة في المشهد السوري، داخليا وخارجيا.
إذ يرجح إجراء تعديل وزاري في الأيام المقبلة، وهذا أمر طبيعي في الأنظمة الجمهورية، على اعتبار أن الوزارات هي مؤسسات تنفيذية، ووجودها مرتبط فعليا بالإنجازات والأداء، كون ذلك يدخل أيضا في إعادة تشكيل الدولة السورية، وسط تحديات متعددة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، ما زالت قائمة لكن بمستويات متفاوتة.
لكن التعديل لا يعني أن الوزير غير كفء، إنما يأتي بناء على حاجة الوزارات التنفيذية إلى خبرات جديدة ورؤية تنسجم مع المرحلة المقبلة، ويمكن للوزير الانتقال إلى وزارة أخرى أو إلى مؤسسات بحاجة إلى خبرته ومهاراته.
وبحسب الدكتورة فادية سمير، الحاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية، فإن “التغيير الوزاري ليس بالضرورة اعترافا بفشل الوزير أو قلة كفاءته، بل هو غالبا خطوة سياسية تهدف إلى تجديد حيوية الحكومة لتتماشى مع متطلبات مرحلة جديدة أو رؤية سياسية مختلفة”.
وأضافت في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: “أحيانا يكون الهدف من التغيير هو تهدئة الرأي العام الغاضب من تدهور بعض الخدمات، حيث يعمل استبدال الوزير هنا كرسالة طمأنة للناس بأن الدولة تسعى إلى الإصلاح، حتى لو كان الوزير قد بذل جهدا كبيرا في عمله، بالإضافة إلى أن بعض الوزراء قد ينجحون في الجوانب التقنية لكنهم قد لا يمتلكون المهارة الكافية للتعامل مع الأزمات الكبرى أو التواصل مع الشارع، مما يجعل استبدالهم ضرورة تكتيكية لإعادة ترتيب الأولويات. هذا فضلا عن أن القانون في الأنظمة الجمهورية يفرض تغيير الحكومة بشكل روتيني مع كل انتخابات جديدة، كجزء من التجديد الطبيعي لمؤسسات الدولة”.
وفي الحالة السورية، فإن عدم إنجاز المهام وتنفيذ الخطط لا يتعلق بكفاءة الوزير وقدراته، بل يرتبط بحالة الضغط الكبير في العمل، في حين أن الموظفين غير قادرين على استيعاب ذلك، بينما كانوا معتادين على العمل الروتيني أو عدم العمل نتيجة الفساد الإداري على مدار السنوات السابقة، وهذا الحال يحتاج إلى تغيير في مفهوم الوظيفة العامة.
وهذا الواقع في الوزارات لا يتناسب مع تطلعات الحكومة السورية في المرحلة الانتقالية، التي تتطلب بذل المزيد من الجهد لإنجاز المهام في الوقت المحدد لها، بهدف إعادة بناء مؤسسات الدولة لتواكب التطورات وتتمكن من اللحاق بالتغيير العالمي، الذي لم يدخل إلى المؤسسات السورية، وما زالت تعمل وفق أنظمة قديمة لا تتناسب مع الأنظمة العالمية، وهذا ما أخر إنجاز العديد من الخطط الموضوعة.
الاستفادة من الخبرات
وعقب إجراء تعديل وزاري، تذهب السلطة التنفيذية في كثير من الأحيان إلى الاستفادة من خبرات الوزراء السابقين وتوظيفها مجددا في أماكن أخرى بحاجة إليها، خاصة إذا كانت لديهم كفاءة يمكن توظيفها في قطاع أكثر أولوية، انطلاقا من أن التغيير ليس إقصاء بقدر ما هو إعادة تموضع لتحقيق نتائج أفضل.
ووفقا للدكتورة فادية سمير، فإن “تولي الوزراء مناصب جديدة بعد تركهم الوزارة يعني أن الدولة ما تزال ترغب في الاستفادة من خبراتهم الطويلة وفهمهم العميق لطريقة عمل المؤسسات، فبدلا من خسارة هذه الخبرة، يتم نقلهم إلى أماكن أخرى مثل السفارات أو الهيئات الاستشارية أو إدارة مؤسسات كبرى. وهذا التصرف يؤكد أن خروج الوزير من منصبه لم يكن دائما بسبب فشله، بل قد يكون مجرد رغبة في تجديد الفريق التنفيذي مع الاحتفاظ بالشخصيات التي تملك أسرار المهنة وقدرة على الإدارة في مواقع ثانية”.
التغيير الوزاري أداة سيادية
تعتمد الأنظمة الجمهورية، كما في الحالة السورية، على التعديل الوزاري أو التغيير الكامل، لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتطوير الأداء الحكومي والاستجابة للمتغيرات السياسية والاقتصادية وضمان تحقيق متطلبات الدولة. ويعد التغيير الوزاري أداة سيادية ودستورية في الأنظمة الجمهورية، يتم بموجبها تغيير بعض الحقائب الوزارية بعد تقييم الأداء لكل وزارة على حدة، ووفق الضرورات السياسية الملحة ومتطلبات الإصلاح الإداري والاقتصادي، وهذا يتكرر في العديد من الدول المستقرة.
ويعكس هذا التوجه رؤية الدولة لإدارة المرحلة المقبلة في ظل المتغيرات التي حصلت، إذ يناط بالسلطة التنفيذية تنفيذ السياسات العامة وإدارة شؤون الدولة، بينما يلعب التعديل الوزاري دورا حيويا في الحفاظ على التوازن بين الاستقرار والتغيير.
فهناك العديد من الأسباب التي تدفع إلى إجراء تعديل وزاري، من أبرزها تراجع الأداء الحكومي أو عدم القدرة على تحقيق المزيد من الإنجازات، وهذا ما يجعل التغيير ضرورة ملحة لاستعادة الفعالية. وإلى جانب ذلك، فإن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة أو وقوفها عند مستوى معين يدفع أيضا إلى ضخ دماء جديدة في الفريق الحكومي، بغرض تحسين المؤشرات.
كما أن التغيير الوزاري يأتي بهدف التحول نحو ما يعرف ب”الحكومات الرشيقة”، من خلال دمج الوزارات المتقاربة في المهام، مثل التربية والتعليم العالي، بما يساهم في تقليل النفقات وزيادة الكفاءة.
وفي الحالة السورية، فإن الأغراض السياسية والاقتصادية التي تشكلت الحكومة على أساسها قبل أكثر من عام تغيرت، وهذا يستدعي إجراء تغيير وزاري يتماشى مع المرحلة المقبلة والخطط الموضوعة لتنفيذ السياسات العامة، حيث أصبحت الملفات الداخلية أكثر إلحاحا، في وقت أظهرت فيه بعض الوزارات أداء متواضعا، فيما أظهرت وزارات أخرى نتائج عالية المستوى.
وقالت الدكتورة فادية سمير لـ”الثورة السورية” إن الدوافع الكامنة وراء إجراء التغيير الوزاري في سوريا متعددة، وتشمل أبعادا خدمية وسياسية وإدارية، حيث يستخدم التغيير أداة لامتصاص الاحتقان الشعبي الناتج عن تدهور الملفات الاقتصادية والمعيشية، مثل التضخم ونقص الخدمات، من خلال استبدال الوزراء المعنيين لإعطاء انطباع ببدء مرحلة إصلاحية، كما يبرز التغيير ضرورة لمواكبة التحولات في توجهات الدولة عند الانتقال من مرحلة الأزمات إلى فترات إعادة الإعمار أو الانفتاح الدبلوماسي، عبر الاستعانة بوجوه تكنوقراطية ملائمة.
كما أن التغيير الوزاري، بحسب سمير، وسيلة لمحاسبة الترهل الإداري والفساد بناء على تقارير الرقابة أو الإخفاق في تحقيق الخطط السنوية، مع مراعاة الحفاظ على التوازنات داخل مؤسسات السلطة التنفيذية، لضمان استقرار هيكلية الحكم وتوزيع الأدوار بما يتوافق مع متطلبات المرحلة.
أما عن التوقيت، فأوضحت أن ذلك يمكن أن يحدث في أي وقت يراه رئيس الجمهورية مناسبا، ويتم عبر تعديل وزاري جزئي باستبدال عدد محدود من الوزراء، أو تغيير حكومي شامل وتشكيل فريق جديد بالكامل بمرسوم رئاسي، وهو ما يحدث عادة لمواجهة أزمات كبرى أو تحولات سياسية حادة.
أخيرا، فإن التغيير الوزاري المرتقب في سوريا سيترجم إلى إصلاح فعلي وفق خطط تنسجم مع حاجة البلاد في المرحلة المقبلة، ولن يبقى في إطار إعادة تدوير النخب، أي إنه سيرتبط مع تغيير السياسات، وأن تبقى الحكومة تحت مراقبة مجلس الشعب ومساءلته، بما يسهم في تحسين الأداء والاستجابة لتطلعات السوريين ورفع مستوى الثقة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.