كلما اشتد الضغط على طهران، تعود قضية الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج إلى واجهة النقاش مرة أخرى، والدلائل تشير إلى أن القضية مرتبطة ارتباطاً وثيقا بعلاقة السلطة بالثروة والرقابة، وهي امتحان لقدرة الدولة على إدارة احتياطياتها بشفافية في لحظة أزمة سياسية واقتصادية وعسكرية خانقة.
لكن الأمر الأبرز في هذا الملف هو تضارب الأرقام بصورة لافتة، إذ باتت التقديرات تتفاوت بين عشرات المليارات وأكثر من مئة مليار دولار، مع بروز تساؤلات حول سبب عدم وجود رقم واحد واضح ومتفق عليه بين كل الأطراف المعنية بالقضية؟
الضبابية هنا قد لا تكون مجرد تقصير. في الأنظمة المغلقة، يتحول اختلاف الأرقام بسهولة إلى أداة سياسية، وكلما اتسعت الفجوة بين التقديرات، سَهُل تمرير التسويات بعيدًا عن رقابة الرأي العام، وازدادت قدرة شبكات المصالح على إعادة توزيع الموارد داخل الغرف المغلقة. ولهذا السبب، يُنظر إلى ملف الأموال المجمدة بوصفه أحد أكثر الملفات قابلية للاستغلال في لحظات التفاوض أو التوتر.
بحسب تقديرات وتصريحات متداولة منذ سنوات، تتراوح الأرقام بين حدّين متباعدين. فالرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما كان قد أشار إلى رقم يقارب 100 مليار دولار قبل أن يتحدث لاحقًا عن نطاق 50 إلى 60 مليارًا. وفي المقابل، قدّر الخبير الاقتصادي نادر حبيبي الأصول بأكثر من 100 مليار دولار منذ عام 1979. أما داخل إيران، فقد حاول رئيس البنك المركزي الأسبق وليّ الله سيف خفض الرقم إلى 29 مليار دولار، متحدثًا عن 23 مليارًا في اليابان وكوريا الجنوبية والإمارات، و6 مليارات من مبيعات نفط للهند.
وفي ذات الإطار، يمتد التباين إلى تقديرات الدول، ففي الصين تُذكر أرقام بين 22 و45 مليار دولار، وفي العراق تحدث السفير الإيراني في نيسان 2023 عن وصول المبلغ إلى 11 مليارًا بعد أن كان يُقدّر بنحو 5 مليارات. وفي كوريا الجنوبية تُذكر قرابة 7 مليارات دولار، بينما تُذكر لليابان نحو 3 مليارات، وللوكسمبورغ 1.6 مليار دولار.
يعود جزء من المشكلة إلى اختلاف تعريف المجمد. هل هو مال غير قابل للتحويل أصلًا، أم مال يمكن استخدامه ضمن قيود؟ وهل نتحدث عن احتياطي نقدي رسمي، أم عن عائدات نفط وبتروكيماويات، أم عن أموال شركات شبه دولية؟
من الواضح أن كل فئة من هذه الفئات تُنتج رقمًا مختلفًا، كما تتيح بعض الدول استخدامًا محدودًا لهذه الأموال تحت شروط، ما يجعل المتاح أقل بكثير من الموجود.
في هذا السياق، يتكرر الحديث عن اشتراطات أميركية تقيّد الاستخدام بفاتورة معتمدة للغذاء والدواء عبر قنوات مصرفية محددة، ما يعني أن النظام لا يتحكم بحرية بهذه الموارد. وفي المقابل، تُتداول تقديرات من صندوق النقد الدولي تفيد بأن نسبة كبيرة من احتياطيات إيران الأجنبية غير متاحة فعليًا، وأن ما يصل النظام ليس سوى جزء محدود منها في أفضل الأحوال.
لا يتحول المال المجمد إلى أزمة سياسية إلا لأن الداخل الإيراني يعيش ضغطًا معيشيًا شديدًا، فكلما ضاقت الموارد وتراجعت قدرة الدولة على الاستيراد والتمويل، ارتفعت احتمالات الغضب الاجتماعي. هنا يصبح السؤال عن الثروة سؤالًا عن الشرعية. لماذا تُحرم قطاعات واسعة من الناس من الدواء والوظائف، فيما تُدار المليارات بمنطق السرية؟
ومن هذا المنظور يمكن فهم تشديد القبضة الأمنية وتزايد لغة الردع، فحين تُحاصر السلطة اقتصاديًا، تميل إلى تعويض العجز المالي بقوة أمنية أكبر لمنع انفجار الشارع. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تزايد تنفيذ إعدامات بحق سجناء سياسيين، بينهم وحيد بني عامريان، في خطوة تُقرأ بحسب منظمات معارضة كجزء من محاولة ترهيب البيئة الاجتماعية في لحظة حساسة.
وما بين 29 إلى 100 مليار دولار، لم تعد الضبابية في إيران مجرد رقم بريء، بل أصبحت نافذة للفساد، وفيما يحاول النظام إغلاق الشارع بالقمع، تطرح المعارضة الإيرانية تصورًا لمرحلة انتقالية. وفي هذا السياق، ترى المعارضة الإيرانية أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين تعزيز الشفافية والانتقال السياسي. فاستعادة أموال الشعب، بحسب رؤيتها، تحتاج إلى سلطة تخضع للمساءلة العامة وتعتمد على آليات إدارية واضحة. ومن هنا يأتي اقتراح تشكيل حكومة انتقالية لفترة محدودة، كوسيلة لتنظيم انتقال سلس يضمن مشاركة أوسع في اتخاذ القرارات وتوزيع الموارد، ضمن إطار سياسي واضح.
خلاصة القول: أزمة الأموال الإيرانية المجمدة باتت قضية تتعلق بالثقة والإدارة الجيدة. ووسط التضارب في التقديرات والقيود على الاستخدام، يظل السؤال الرئيسي كيف يمكن ضمان إشراف أفضل وأكثر فعالية على ثروة البلاد؟ في إيران اليوم، يبدو أن الحلول تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى الجانب السياسي، حيث تبدأ الشفافية الحقيقية عندما تكون الدولة أكثر مسؤولية أمام شعبها.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.