ما إن يقع حدث في سوريا حتى يبدأ سباق سريع على منصّات التواصل الاجتماعي. مقطع فيديو، صورة، قصة أو حادثة، ثم موجة من النشر والتعليق وإعادة التداول، لتتحول القضية خلال وقت قصير إلى موضوع واسع الحضور على المنصّات.
وقد يبدو أحياناً أن كل حدث، مهما كان صغيراً، قادر على أن يتحول إلى ترند خلال ساعات. وفي المقابل، هناك قضايا تستحق فعلاً اهتماماً واسعاً لما تحمله من أهمية سياسية أو اجتماعية أو خدمية، بينما تتحول قضايا أخرى محدودة إلى حديث واسع على السوشال ميديا قبل أن تتراجع لتحل مكانها قضية جديدة.
في هذا المشهد تتداخل أدوار الإعلام، وصناع المحتوى، والجمهور، والخوارزميات في تحديد حجم القضية وانتشارها. فالحدث يمنح القصة مادتها الأولى، بينما تمنحها المنصّة مساحة الانتشار، ويمنح صانع المحتوى القضية زاوية وسرداً، ثم يأتي تفاعل الجمهور ليحدد مدى استمرارها واتساع دائرتها.
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في سوريا، حيث تتزامن سرعة التفاعل الرقمي مع مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، ومع حضور واسع للقضايا الخدمية والسياسية والاجتماعية في النقاش العام.
وفي قراءة هذه الظاهرة، يقدّم ثلاثة خبراء لصحيفة “الثورة السورية” رؤى متقاطعة حول طبيعة الترند السوري، ودور السوشيال ميديا في تشكيل صورة الأحداث، ومسؤولية صانع المحتوى والخوارزمية والإعلام في هذه العملية.
طبيعة المرحلة السورية تصنع بيئة شديدة التفاعل
ينطلق أحمد الكناني، أكاديمي وباحث سياسي، في تفسيره للتفاعل السوري مع السوشيال ميديا من طبيعة المجتمعات الخارجة من الحروب والكوارث والأزمات والثورات، حيث تنشأ بيئة شديدة التفاعل مع وسائل التواصل، وتتسع مساحة التعبير عن الرأي.
ويشير الكناني إلى أن الحالة السورية شهدت خلال المرحلة السابقة قمعاً طال المواطنين والصحفيين والمؤثرين، بينما أتاح ما بعد التحرير مناخاً واسعاً لحرية الرأي والتعبير عن القضايا السياسية والخدمية والداخلية والاجتماعية.
ويرى أن هذا الانفتاح دفع السوريين إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مساحة للتعبير عن آرائهم بحرية أكبر، ورفع مستوى التفاعل مع الأحداث والمواقف السياسية والخدمية والاجتماعية.
ويفرق الكناني بين حضور القضية على المنصة وحجم اهتمام المجتمع بها. فالمجتمع السوري يتعامل مع كثير من الترندات من باب الاطلاع والمتابعة، بينما ترتفع درجة الاهتمام والتكرار بصورة أكبر في القضايا الخدمية والمعيشية المرتبطة بالحياة اليومية.
ويشير إلى أن بعض الترندات ذات المدلول السلبي تجاه المجتمع السوري تحصل على انتشار واسع، بينما يعكس حضورها الرقمي دائرة التفاعل التي صنعتها القضية أكثر مما يعكس طبيعة المجتمع السوري وهويته.
وهنا يبرز دور المؤثرين الذين يمتلكون قواعد جماهيرية كبيرة، إذ يستطيعون منح قضية معينة مساحة واسعة من الاهتمام، ودفع الجمهور إلى التعامل معها باعتبارها الموضوع الأكثر تأثيراً وحضوراً.
ويضع الكناني هذا الدور ضمن مجموعة من التوجهات التي يمكن أن ترتبط بقضايا خدمية أو سياسية أو عامة، وتؤثر في ترتيب أولويات النقاش على المنصات.
ويرى الكناني أن طبيعة المرحلة السياسية تفسر جانباً من خصوصية التفاعل السوري مع السوشال ميديا. فالدول الأكثر استقراراً سياسياً تميل اهتمامات جمهورها بدرجة أكبر إلى الملفات الخدمية والشأن الداخلي، بينما تحمل المرحلة الانتقالية في سوريا ملفات سياسية عالقة، وعلاقات مع دول خارجية، وقضايا داخلية متحركة.
وتدفع هذه الملفات المواطنين إلى التفاعل بصورة أسرع مع القضايا السورية، خصوصاً أن التطورات السياسية والاجتماعية والخدمية تتحرك داخل مساحة عامة شديدة الحيوية.
ويرى الكناني أن سوريا تصبح ترند نتيجة اجتماع مجموعة من العوامل: الاصطفافات السياسية، وتداعيات الثورة، واتساع مساحة التعبير، ووجود قضايا جدلية متجددة، إلى جانب خوارزميات المنصات التي تدعم القضايا الجدلية.
كما يلفت إلى دور المؤثرين في دفع بعض القضايا إلى الواجهة، وفي توجيه مسار الترند وفق توجهات وأجندات مختلفة قد تكون خارجية أو داخلية أو حكومية أو مرتبطة بقضايا خدمية.
وفي المقابل، يضع الكناني الحالة السورية ضمن ظاهرة أوسع تشمل دولاً عربية أخرى، مع اختلاف طبيعة الترندات من بلد إلى آخر وفق الظروف السياسية والاجتماعية لكل مجتمع.
السوشيال ميديا جزء من صناعة صورة الحدث
يضع علي منعم القضاة، أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي، العلاقة بين الحدث وانتشاره الرقمي في إطار أوسع من مجرد نقل الأخبار، ويرى أن السوشال ميديا أصبحت وسيلة رئيسية لنقل الأحداث وتسليط الضوء عليها، وفي الوقت نفسه أصبحت جزءاً من صناعة الصورة التي يتشكل بها الواقع في أذهان الجمهور.
فمع وقوع أي حدث في سوريا تبدأ عملية تداول واسعة عبر مقاطع الفيديو والصور والقصص وتتسع دائرة التفاعل معها خلال ساعات ويمنح تكرار المحتوى وانتقاء المقاطع والصور الأكثر إثارة بعض الأحداث حضوراً يفوق حجمها الفعلي، لتتحول القضية من حدث في الواقع إلى صورة رقمية ذات حضور واسع.
ويرى القضاة أن المشهد الإعلامي يقوم اليوم على تفاعل ثلاثة أطراف أساسية، الإعلام الرسمي، وصناع المحتوى، والمستخدمون. فالإعلام الرسمي يعمل على تقديم الرواية والرد على ما يتم تداوله، بينما يدفع صانع المحتوى بالأحداث إلى الواجهة من خلال السرعة والتفسير والموقف، ويشارك الجمهور في توسيع دائرة الانتشار عبر المشاهدة والتعليق وإعادة النشر.
ومن هنا تظهر فجوة واضحة بين سرعة السوشال ميديا وآليات العمل الإعلامي التقليدي. فالإعلام الرسمي يعمل وفق آليات أكثر تحفظاً مرتبطة بالتأكد من المعلومات وبناء رواية متماسكة، بينما تتحرك منصات التواصل بمنطق الفورية. تنتشر المعلومة أولاً، ثم تأتي عملية التحقق في مراحل لاحقة.
ويؤكد القضاة أن هذه الفجوة تؤثر مباشرة في فهم الجمهور للحدث، لأن المتلقي قد يتعرض لعشرات المنشورات والمقاطع قبل وصول الرواية الرسمية إليه. وهنا تصبح سرعة الوصول إلى الجمهور عاملاً مؤثراً في تشكيل الانطباع الأول، إلى جانب القدرة على تقديم تفسير مقنع وجذاب.
ويرى القضاة أن الحدث الواحد يمكن أن ينتج روايات متعددة. فالرواية الرسمية تركز على المعلومات المؤكدة والتهدئة، بينما تقدم السوشال ميديا شهادات فردية وصوراً ومقاطع وتفاصيل مختلفة. ومع إعادة التداول تتشكل رواية موازية يمكن أن تكتسب تأثيراً واسعاً.
ويضع القضاة مسألة الثقة في قلب هذه العلاقة، إذ يرتبط حضور الجمهور بالمصدر الذي يقدم المعلومة بسرعة ووضوح وسياق. ولذلك تبرز أهمية تقديم معلومات سريعة وموثوقة وشفافة، بما يمنح الجمهور قدرة أكبر على فهم الحدث ضمن صورته الكاملة.
صانع المحتوى والجمهور والخوارزمية في صناعة الترند
ينظر القضاة إلى صانع المحتوى بوصفه طرفاً يمتلك ميزة مهمة في البيئة الرقمية، تتمثل في العلاقة المباشرة مع الجمهور. فصانع المحتوى يستطيع الوصول إلى أعداد كبيرة من المتابعين من دون المرور عبر مؤسسة إعلامية، كما يستطيع التفاعل مع الحدث فور وقوعه وتقديم تفسير أو موقف واضح.
وقد انعكس هذا الدور على المؤسسات الإعلامية نفسها، إذ أصبحت تراقب الترند باستمرار، الأمر الذي يجعل العلاقة بين صناعة الأجندة ومتابعة اهتمام الجمهور أكثر تعقيداً.
ويؤكد القضاة أهمية دور الإعلامي المهني في أخذ الموضوع الرائج ووضعه ضمن سياقه، والتحقق من معلوماته، وطرح الأسئلة التي تحتاجها القضية، بما يتجاوز سرعة المحتوى المتداول.
وفي تفسيره لعلاقة المنصات بصناع المحتوى، يستخدم القضاة مفهوم “توافق الحوافز”. فالمنصة تستفيد من زيادة وقت الاستخدام والتفاعل، وصانع المحتوى يسعى إلى الوصول إلى أكبر عدد من المستخدمين، بينما يمتلك المحتوى المرتبط بالخوف والغضب والفضول والصدمة قدرة عالية على جذب الانتباه.
وبهذه الطريقة تعمل قواعد المنظومة الرقمية باتجاه المحتوى الأكثر قابلية للانتشار، فيتحول التضخيم إلى نتيجة طبيعية لطريقة عمل المنصات وحوافز صناعة المحتوى.
ويحمّل القضاة المسؤولية لمجموعة الأطراف المشاركة في دورة الانتشار. فالخوارزمية تقيس المشاهدة والتفاعل والمشاركة ومدة بقاء المستخدم، وصانع المحتوى يختار الصياغة والزوايا، والجمهور يقرر المشاركة، بينما تستطيع المؤسسات الإعلامية توسيع الانتشار من خلال إعادة تداول المحتوى.
ويرى أن صانع المحتوى يواجه ضغطاً تنافسياً يدفع بعضه إلى رفع مستوى الإثارة، مع استمرار إمكانية تقديم محتوى مهني وموثوق قادر على بناء جمهور واسع.
ويقدم القضاة معادلة متكاملة لصناعة الترند: الحدث يقدم الشرارة، وصانع المحتوى يمنح القصة إطارها ولغتها وزاويتها، والجمهور يمنحها التفاعل، والخوارزمية توسع نطاق انتشارها.
وبذلك يمكن لحدث محدود أن يتحول إلى ترند واسع نتيجة طريقة تقديمه وإعادة تداوله، بينما يمكن لحدث كبير أن يحظى بحضور رقمي أقل عندما تفتقد قصته إلى صيغة قابلة للتداول.
ويرى القضاة أن الإعلام الرسمي يستطيع استعادة المبادرة من خلال السرعة والشفافية وتقديم المعلومات القابلة للتحقق، مع توضيح ما ثبت وما يحتاج إلى مزيد من المعلومات، والتفاعل المباشر مع الأسئلة والشائعات، ويختصر المنافسة الإعلامية الجديدة في ثلاثة عناصر مترابطة: السرعة، والثقة، والسياق.
بين حجم الحدث وحجم صورته الرقمي
يركز حسن محفوظ، مدير الإعلام في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، على الفارق بين حجم انتشار القضية على المنصة وحجم حضورها في المجتمع، ويرى أن ما ينتشر على السوشال ميديا يعكس حجم التفاعل داخل المنصة، بينما يتطلب قياس الاهتمام المجتمعي النظر إلى دوائر أوسع من المستخدمين.
وتؤدي الخوارزميات دوراً رئيسياً في تشكيل هذا الانطباع، إذ يؤدي تكرار عرض محتوى معين أمام المستخدم إلى رفع حضوره في تجربته الرقمية، فيشعر بأن القضية تشغل مساحة واسعة من اهتمام الجمهور.
و هنا تبرز أهمية التمييز بين حجم الحدث في الواقع وحجم ظهوره على الشاشة، ويقدم محفوظ مفهوم “الصدق الظالم” لتفسير إحدى آليات تضخيم الأحداث. فالمعلومة قد تكون صحيحة، لكن عرضها منفردة أو خارج سياقها يمنحها دلالة أوسع من مضمونها الأصلي.
ويشرح ذلك من خلال مثال يرتبط بهوية المتسبب في حادثة معينة. فعندما يجري إبراز هويته المناطقية، يمكن أن تنتقل المسؤولية في ذهن الجمهور من الفرد إلى جماعة كاملة.
كما يمكن لحادثة محدودة أن تتحول إلى صورة عن ظاهرة عامة نتيجة تكرار تفاصيلها الأكثر إثارة، وبذلك تصبح طريقة تقديم الحقيقة جزءاً أساسياً من تأثيرها، ويصبح السياق عاملاً حاسماً في حماية المعلومة من التحول إلى صورة مضخمة عن الواقع.
ويرى محفوظ أن صانع المحتوى يمتلك قدرة كبيرة على إطلاق النقاش بسرعة، بينما تتشكل عملية تحويل الموضوع إلى ترند من خلال تفاعل الجمهور والخوارزمية والمؤسسات التي تعيد النشر.
ويضع مسؤولية صناعة المحتوى ضمن دائرة مشتركة. فالخوارزمية تمنح المحتوى المرتبط بالغضب والخوف والصراع فرصاً أكبر للانتشار، وصانع المحتوى يختار الصياغة، والجمهور يقرر المشاركة، والمؤسسات الإعلامية تستطيع مضاعفة الانتشار من خلال إعادة تداول المحتوى.
ويرى محفوظ أن صانع المحتوى يستطيع بناء حضور قوي من خلال الجمع بين الجاذبية والدقة، عبر عنوان قوي غير مضلل، وسرد واضح، وفصل الوقائع عن الآراء، وتقديم السياق الذي يمنح الجمهور صورة أوسع عن الحدث.
أما الإعلام الرسمي، فيستطيع استعادة المبادرة من خلال الحضور المبكر، والسرعة، وتقديم المعلومات الدقيقة، وتوضيح ما ثبت وما يحتاج إلى مزيد من التحقق، والإجابة عن أسئلة الجمهور، وتقديم صورة عادلة ومتوازنة للحدث.
وتلتقي رؤى الخبراء الثلاثة عند مجموعة من النقاط الأساسية، أبرزها أن الترند السوري يمثل نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، ويأتي الحدث في بدايتها، ثم تتدخل طريقة تقديمه، وحجم الجمهور المتفاعل معه، وآلية عمل الخوارزميات.
ويتقاطع القضاة ومحفوظ في التأكيد على أن حجم الانتشار الرقمي يقدم صورة عن التفاعل داخل المنصة، بينما يحتاج تقدير حجم الاهتمام المجتمعي إلى قراءة أوسع.
كما يلتقي القضاة ومحفوظ في التركيز على الفجوة الزمنية بين سرعة السوشال ميديا وسرعة الإعلام الرسمي، وعلى أهمية الحضور الإعلامي المبكر وتقديم المعلومات الموثوقة والسياق.
ويلتقي الكناني مع القضاة ومحفوظ في إبراز دور المؤثرين والخوارزميات في رفع بعض القضايا إلى الواجهة، مع تركيزه بصورة أكبر على خصوصية المرحلة السورية واتساع مساحة التعبير وطبيعة الملفات السياسية والاجتماعية التي تشغل المجتمع.
وتتقاطع الرؤى الثلاثة أيضاً عند أهمية السياق. فالقضاة يربط فهم الحدث بالثقة والسرعة والسياق، ومحفوظ يضع “الصدق الظالم” في إطار المعلومة التي تحصل على دلالة مضخمة عندما تخرج من سياقها، بينما يربط الكناني انتشار القضايا بطبيعة المرحلة السورية وبطريقة تفاعل المؤثرين والجمهور معها.
وفي مسألة صناعة الترند، تقدم التصريحات الثلاثة صورة متكاملة. الحدث يبدأ القصة، والمؤثر يمنحها زاوية، والجمهور يرفع مستوى التفاعل، والخوارزمية توسع الانتشار، بينما يستطيع الإعلام أن يقدم الرواية الموثوقة والسياق الذي يساعد الجمهور على فهم الحدث.
وتكشف هذه القراءات أن حضور سوريا على منصات التواصل يرتبط بخصوصية المرحلة التي تمر بها البلاد، وبحجم القضايا السياسية والاجتماعية والخدمية التي تتحرك داخلها، إلى جانب موقع سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي الوقت نفسه، يظل حجم الترند مؤشراً على التفاعل الرقمي مع القضية، ويحتاج فهم دلالته إلى النظر في طريقة إنتاجه وانتشاره، والجهات التي دفعت به إلى الواجهة، وطبيعة الجمهور الذي تفاعل معه.
السوشال ميديا أصبحت مساحة أساسية لفهم النقاش العام السوري، كما أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل صورة الأحداث. وبين الواقع وصورته الرقمية تتحرك عملية معقدة تشارك فيها المنصة وصانع المحتوى والجمهور والإعلام.
وهنا تبرز مسؤولية جميع الأطراف في تحويل سرعة التداول إلى عمق في الفهم، وجعل الجاذبية الرقمية وسيلة للوصول إلى الحقيقة ضمن سياقها، وتحويل الترند من مجرد موجة تفاعل إلى مساحة تساعد الجمهور على قراءة ما يحدث في سوريا بصورة أكثر وضوحاً.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.