عندما بدأ دونالد ترامب عملية «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) قبل نحو ستة أشهر، كان يأمل أن تؤدي القوة العسكرية الأميركية إلى سحق النظام الإيراني. وعندما فشلت القنابل، راهن على الإغراءات. ففي يونيو/حزيران، عرضت أميركا تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، إلى جانب مليارات الدولارات من الاستثمارات، أملاً في أن يوافق قادة البلاد على فتح مضيق هرمز والتخلي عن أي طموحات نووية. لكن هذا النهج فشل أيضاً.

لذلك تعهّد ترامب بكسر النظام من خلال سحق الاقتصاد الإيراني. وقال إن هذه الجهود ستكون بمثابة «يوم النصر الاقتصادي». لكن عندما كشف وزير الخزانة سكوت بيسنت تفاصيل هذه الإجراءات في 24 أغسطس/آب، بدت تهديداته جوفاء.

تخضع إيران للعقوبات الأميركية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وخلال ولايته الأولى، مارس ترامب ما أسماه «الضغط الأقصى» على النظام، والذي يبدو أن الحملة الحالية تمثل نسخة أكثر تشدداً منه، أي «الضغط الأقصى بلس».

وإلى جانب فرض حصار على صادرات النفط الإيرانية، ستزيد أميركا الضغط على شركاء إيران التجاريين وعلى المؤسسات التي تساعد النظام على تحويل الأموال. لكن التهديدات كانت، في واقع الأمر، أكبر من قدرتها على إلحاق الضرر. فلن تضطر الدول إلى الامتثال لمطالب أميركا فوراً. وقد أقر وزير الخزانة بأن ما صدر كان مجرد «طلقة تحذيرية».

إيران تمر بالفعل بضائقة اقتصادية شديدة. فقد الريال نحو ثلث قيمته مقابل الدولار منذ يناير/كانون الثاني. ووصل إلى أدنى مستوى له على الإطلاق قبيل إعلان بيسنت، قبل أن يتعافى قليلاً. كما دمرت الحرب أجزاء كبيرة من البنية التحتية الصناعية الإيرانية.

وقد أدى تضرر المصافي إلى شحٍ في الوقود، مما تسبب في طوابير طويلة أمام محطات البنزين. ويبلغ التضخم 88% على أساس سنوي. كما يقوم النظام بطباعة النقود لتمويل قسائم الغذاء.

وفي الوقت نفسه، أدى الحصار الأميركي لمضيق هرمز إلى دفع صادرات النفط الإيرانية ــ وهي المصدر الرئيسي لإيرادات النظام ــ إلى الانهيار. ففي 20 أغسطس/آب، قال رئيس البنك المركزي الإيراني إنها «انخفضت إلى الصفر».

ووفقاً لشركة Kpler المتخصصة في استخبارات التجارة، لا تزال لدى إيران نحو 80 مليون برميل من النفط على متن سفن موجودة خارج المضيق. لكن حتى بيع هذه الكمية لن يوفر سوى جزء بسيط من الإيرادات المعتادة التي تحصل عليها إيران من صادرات النفط.

ولم يسمِّ بيسنت الدول التي يريد منها أن تقلص التجارة مع إيران، لكن هناك عدة دول تبرز بوضوح.

فـالصين كانت، قبل الحصار الأميركي، تشتري النفط الإيراني بأسعار تقل بنحو 7 إلى 12 دولاراً للبرميل عن سعر السوق، متجاوزة بذلك الحظر الأميركي القائم. وفي العام الماضي، استحوذت الصين على نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، وهو ما، وفقاً لتقديرات أميركية، وفر للنظام ما يقارب نصف موازنته.

أما الإمارات العربية المتحدة، فهي تبيع لإيران أكثر من أي دولة أخرى. وقد وفّرت نحو 30% من إجمالي واردات إيران في عام 2024. كما تستضيف بنوكاً سرية يستخدمها النظام للتحايل على العقوبات.

وفي أبريل/نيسان، أفادت تقارير بأن وزارة الخزانة الأميركية وجهت رسالة إلى قادة الإمارات تطالبهم بإغلاق مثل هذه المؤسسات.

أميركا ليست الدولة الوحيدة التي تحاول إلحاق أذى اقتصادي بإيران.
خلال الأشهر القليلة الماضية، كانت الإمارات العربية المتحدة قد خففت موقفها تجاه إيران، فاستأنفت التجارة وسمحت للمقيمين الإيرانيين بالعودة. لكن في 18 أغسطس/آب أعلنت أنها ستوقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران بعد أن شن النظام الإيراني ضربات على سفنها.

ووصف السيد بيسنت الإمارات بأنها «شريك جيد جداً». لكن نظامها المالي غامض وغير شفاف. وغالباً ما تُجرى معاملات إيران باستخدام شركات وهمية، ولذلك قد تستمر الأموال في التدفق رغم الحظر الإماراتي.

ومن المرجح أن تقاوم دول أخرى الضغط الأميركي علناً. فقد حذرت الصين من أن العقوبات الجديدة تهدد بإلحاق الضرر بالنمو العالمي والاستقرار المالي، وتعهدت بحماية «حقوقها ومصالحها المشروعة».

وكانت أميركا قد استهدفت في السابق شركات صينية ضالعة في تجارة النفط الإيراني؛ ففي أبريل/نيسان فرضت عقوبات على شركة Hengli، وهي شركة تكرير اتهمها مسؤولون أميركيون بشراء نفط خام إيراني بقيمة مليارات الدولارات.

لكن قد تتردد الصين في الذهاب أبعد من ذلك، خشية الانتقام الأميركي أو تقويض المساعي الدبلوماسية التي يبذلها السيد ترامب تجاهها. ويقول إسفنديار باتمانغليدج، من مركز الأبحاث اللندني Bourse & Bazaar: «إذا بدأت باستهداف الشركات الصينية، فلن تعود المسألة قضية إيرانية؛ بل ستصبح قضية تتعلق بسياسة الصين». وحتى لو فرضت أميركا عقوبات ثانوية على البنوك الصينية الكبرى، فقد تظل إيران قادرة على التعامل مع الصين باستخدام أنظمة الدفع الخاصة بها.

وقد قابل القادة الإيرانيون هذه التهديدات بالسخرية. فقد سخر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، من حديث الأميركيين عن «يوم النصر» (D-Day) في وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: «هذه ليست نورماندي».

أما محسن رضائي، مستشار الأمن القومي الإيراني المتشدد، فقد وصف تهديد ترامب بالحرب الاقتصادية بأنه «دعاية». وسأل (ليس من دون مبرر): «ماذا يريد أن يفعل ولم يفعله من قبل؟»

وأضاف أن النظام سيواجه مشكلة إذا أدت المزيد من الصعوبات الاقتصادية إلى اندلاع احتجاجات من النوع الذي شهدته إيران في يناير/كانون الثاني. لكن يبدو أن ذلك مستبعد في الوقت الراهن؛ فقد أصبحت إيران تتعامل مع المحتجين في الأماكن العامة بحزم شديد.

ويرى قادة إيران أن تحول أميركا نحو الإكراه الاقتصادي دليل على أن خصمهم لا يرغب في مواصلة حملته العسكرية الفاشلة. وقد يشجع ذلك إيران على شن هجمات جديدة، في محاولة لانتزاع تنازلات من السيد ترامب.

وقال السيد رضائي إن أي دولة تتعاون مع أميركا ستُعامل باعتبارها «عدواً» وقد تصبح هدفاً للهجمات. ولإيران نفوذ كبير على جيرانها، مثل العراق، الذي يشتري الغاز الإيراني ويستضيف عدداً من وكلائها المسلحين. وهناك دائماً مضيق هرمز.

وقبل ساعات من إعلان السيد بيسنت، هددت إيران بفرض غرامة على نحو 50 سفينة أو الاستيلاء عليها في المضيق، متهمةً إياها بانتهاك قواعد العبور.

ويعرف قادة النظام جيداً أن اقتصادهم يعاني. وقد أقر السيد قاليباف بأن إيران «لن تبقى على قيد الحياة» من دون نمو اقتصادي.

وقد حث مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، أميركا على العودة إلى مذكرة التفاهم (MoU) التي عرضتها في يونيو/حزيران. وكانت تلك المذكرة تضع إطاراً لإنهاء القتال، وتتعهد بإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي.

لكن الإيرانيين لا يريدون أن ينتهي بهم الأمر إلى وضع شبيه بوضع كوريا الشمالية، كما يقول السيد باتمانغليدج، «حيث يستمرون في مواجهة تكاليف كبيرة لأن العقوبات لا تزال قائمة».

وفي 24 أغسطس/آب، زار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران. وكان منير قد لعب دور الوسيط بين السيد ترامب وإيران، وقيل إنه زار العاصمة الإيرانية لبحث استئناف المحادثات بين الجانبين.

لكن حتى لو جددت أميركا مذكرة التفاهم، فإن ذلك لن يحل الخلافات حول مضيق هرمز التي أدت إلى انهيار الاتفاق. فما زالت إيران تمتلك القدرة على معاقبة خصومها، ومن غير المرجح أن تمتنع عن القيام بذلك.

ويبدو أن حديث أميركا عن خنق الاقتصاد الإيراني محاولة لتجنب جولة أخرى من القتال.
ولكن قد تأتي هذه السياسة بنتائج عكسية.