ربما كان مشهد فتح السجون على مصراعيها في سوريا لحظة التحرير نقطة التحول الكبرى في ملف حقوق الإنسان في سوريا الجديدة، والذي يشهد تغييرا كبيرا في خطاب المنظمات الإنسانية بعد أن فتحت دمشق أمامها الأبواب المغلقة، محتفلة للمرة الأولى باليوم العالمي لحقوق الإنسان، لتعود سوريا دولة تحترم الإنسان وتعلِي من شأن كرامته بعد أن انتهكتها جرائم النظام المخلوع… لكنها سوريا الجديدة اليوم، التي توقع حكومتها على مذكرات التفاهم والتعاون مع المفوضية السامية وغيرها من المنظمات الإنسانية، وتزورها وفود ولجان حقوقية باتت في صلب التقارير الإنسانية التي تتحدث، بعد عام من سقوط النظام، عن خطوات غير مسبوقة لسوريا الجديدة على مسار حقوق الإنسان والشفافية والعدالة الانتقالية وتجاوز إرث الماضي.

فخطاب المنظمات الإنسانية تجاه سوريا تحول واختلف بشكل إيجابي بنسب مرتفعة عما كان عليه سابقا، وباتت تقاريرها تتحدث عن دولة جديدة تبذل جهودا كبيرة لصون الكرامة والعدالة الإنسانية، وتفتح مراكز الاحتجاز والسجون لتفحص الإجراءات تحت مجهر العين الدولية، وتجيب عن استفساراتها بشفافية، وتخلع عن سوريا غمام ملفات الكيماوي والأسلحة المحرمة دوليا التي نهشت الجسد السوري خلال أربعة عشر عاما. لتعزز دمشق التشاركية مع منظمات المجتمع الدولي إيمانا منها بأن الإنسان السوري هو الغاية، وأن حماية حقوقه هي الخطوة الأولى لتحقيق الاستقرار السياسي والمجتمعي، وبالتالي الاقتصادي. وإن كانت هذه التشاركية تواجه العديد من المطبات والتحديات نتيجة الإرث الإجرامي الثقيل للنظام المخلوع الذي أفقد المنظمات الحقوقية الثقة بالدولة السورية سابقا، فإن إعادة بناء هذه الثقة تحتاج حتما إلى مسار طويل بدأته الحكومة السورية الجديدة، وتعتزم الاستمرار فيه من خلال الحوار والتعاون مع المنظمات الحقوقية الأممية.

سوريا.. تجدد الأمل في تحقيق العدالة والمساءلة
في التقرير الأخير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” عن حقوق الإنسان لعام 2026 كان العنوان الخاص بالجزئية المتعلقة بحقوق الإنسان في سوريا لافتا، حيث عنونت: “سوريا: تجدد الأمل في تحقيق العدالة والمساءلة”.

وقالت “هيومن رايتس ووتش” في التقرير إن الحكومة السورية الجديدة خلال العام الماضي اتخذت خطوات أولية لتعزيز العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة السابقة، وإن دمشق أنشأت هيئات حكومية جديدة معنية بالعدالة الانتقالية والكشف عن مصير آلاف المفقودين في سوريا، بشفافية ليست مطلقة. حيث نوه آدم كولن، مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس، بأن السلطات السورية الجديدة جعلت العدالة والمساءلة أولوية، لكن هذه الجهود لا يمكن أن تكون انتقائية أو أحادية الجانب للانتقال بسوريا إلى حقبة جديدة تحترم الحقوق. وعلى السلطات السورية أن تضمن المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف قبل كانون الأول 2024 وبعده، وألا تكتفي بالتدقيق في الجرائم الفردية، بل تدقق في المسؤولية المؤسسية أيضا”.

وذكر التقرير العالمي 2026، الصادر في 529 صفحة، في نسخته السادسة والثلاثين، أن الحكومة السورية الجديدة قامت بإطلاق إعلان دستوري صدر في آذار 2025 يؤكد استقلال القضاء، لكن التقرير شدد على أن توفر الحكومة السورية الأطر القانونية والمؤسساتية الأساسية اللازمة لمقاضاة الجرائم الدولية الخطيرة ومعالجة مسألة مسؤولية القيادة، وهذا بدوره يحتاج الكثير من الوقت. كما ذكر التقرير لقاء الحكومة السورية مع منظمات المجتمع المدني بشأن المساءلة، واستعانة الحكومة بعدة خبراء في مجال العدالة ضمن اللجان الوطنية المكلفة بهذه المهمة، مشيرا إلى أن على الحكومة السورية أن توضح كيف سيتم إشراك الضحايا وأصحاب المصلحة بشكل هادف في صياغة عمليات المساءلة والمشاركة فيها.

وتحدث التقرير عن إجراءات الحكومة السورية في 2025 ردا على الهجمات والعنف المسلح في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة في آذار، وفي محافظة السويداء في تموز، وآليات الحكومة السورية التي حققت بشكل موثوق في هذه الحوادث، إلا أن التقرير نوه إلى ضرورة محاسبة من تورط من المواقع القيادية في هذه الأحداث.

وذكر التقرير أهمية رفع الولايات المتحدة و”الاتحاد الأوروبي” العقوبات المفروضة على سوريا منذ فترة طويلة، ووصفها بأنها خطوة حاسمة نحو تحسين حصول السوريين على حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية الأساسية وإعادة بناء بلد دمرته سنوات من النزاع، وهو ما تسبب بأن يكون 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويكافح أكثر من نصفهم للحصول على الغذاء الكافي ويحتاجون إلى المساعدات.

وتضمن التقرير أيضا ما يشبه النصائح، حيث قال إنه ينبغي للقيادة الجديدة في سوريا توفير حماية الحقوق الأساسية لجميع السوريين في التشريعات والمؤسسات الحكومية الجديدة، وضمان أن تحكم معايير حقوق الإنسان جميع جهود العدالة، والتصديق على الصكوك والمعاهدات القانونية والدولية لحقوق الإنسان وتنفيذها.

وذكر أيضا أنه يتوجب على دمشق الانضمام إلى “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”، ويتعين عليها إجراء إصلاحات أمنية، منها إقصاء المقاتلين الذين ارتكبوا انتهاكات من قواتها الأمنية وفرض هياكل قيادة ومدونات سلوك واضحة.

ويبدو واضحا من خلال التقرير أن الإيجابيات في سلوك الحكومة الجديدة تجاه حقوق الإنسان تفوق بنسب عالية السلبيات التي ذكرها التقرير، والتي تمحورت حول تحديث القوانين والتشريعات السورية لتكون هناك محاولة سورية لمواكبة الدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان. ورغم أن التجربة السورية استثنائية لما عاناه السوريون من ظلم نظام الأسد المخلوع وارتباطاته الخارجية وفساده وإجرامه، التي استجرت دولا وميليشيات إقليمية وعابرة للحدود للمشاركة في سفك دماء الشعب السوري، فإن دمشق حققت خطوات كبرى للعودة إلى بداية المسار الصحيح لضمان حقوق الإنسان رغم التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبيرة.

وحول تقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير يقول مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: إن “معظم النقاط التي أشار إليها تقرير هيومن رايتس ووتش صحيحة، سواء السلبية أو الإيجابية، وهي تطابق إلى حد ما مع رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان، خاصة بما يتعلق بموضوع الشفافية في محاسبة المتورطين بالانتهاكات، والشفافية أيضا بمسار التسويات. كما أنه لا بد أن تبدأ عملية إصلاح للقطاع الأمني ولقطاع القضاء، وهو ما طالبنا به في الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ونتمنى في الشبكة السورية أن يكون رصدنا للانتهاكات هذا العام 2026 أفضل بكثير من حيث انخفاض النسبة مقارنة بالعام الماضي، وأن تتخذ سوريا الجديدة خطوات إلى الأمام في ما يتعلق بتعزيز حقوق الإنسان وإنهاء حالة وظاهرة الانتهاكات بشكل كامل”.

أبواب دمشق مفتوحة
قامت الحكومة السورية خلال عام مضى بخطوات كبيرة للتعاون مع المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، وأهمها إنشاء هيئتين متخصصتين بالعدالة الانتقالية والمفقودين. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مكلفة بـ”كشف الحقيقة عن الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام المخلوع، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية”. ووفقا لممثل وزارة الخارجية السورية، تتألف اللجنة من ست لجان تعالج جوانب مختلفة من العدالة الانتقالية.

أما الهيئة الوطنية للمفقودين فقد كلفت بالبحث عن المفقودين والمختفين قسرا وكشف مصيرهم، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني إلى أسرهم. وبناء على نص المرسوم الذي أنشأها، لا يبدو أن هذه اللجنة تقتصر على المفقودين والمخفيين قسرا من قبل السلطات السابقة فقط. كما نظمت وكالة المجتمع المدني في سوريا عدة اجتماعات لوضع ودعم عملية عدالة انتقالية شاملة وجامعة في السياق السوري الجديد.

وفيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، فقد دعا العديد من الشركاء الدوليين لسوريا، بما في ذلك الدول الأعضاء في “الاتحاد الأوروبي”، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني في سوريا والخارج، سوريا إلى الانضمام إلى “نظام روما الأساسي”. وفي كانون الثاني 2025، سافر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى دمشق بدعوة من الرئيس السوري الشرع لمناقشة سبل دعم المدعين العامين للمحكمة والسلطات السورية في مجال المساءلة. كما التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في آذار أيضا بالمدعي العام في لاهاي من أجل “تعزيز المسار نحو العدالة الانتقالية”، في إشارة إلى الانفتاح على دور المحكمة في استجابة سوريا في مجال العدالة.

كما حضرت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في المشهد الإنساني السوري من خلال زيارتين رفيعتين إلى دمشق منذ كانون الأول 2024، وأبدت نية للتعاون مع الهيئة الوطنية السورية والمساهمة في الجهود الأوسع نطاقا الهادفة إلى تعزيز العدالة الانتقالية والمساءلة في سوريا، مشيرة إلى رغبتها في إنشاء مكتب للعمل محليا والتعاون مع السلطات السورية. ووفقا لولايتها واختصاصاتها، يمكن للآلية الدولية المحايدة والمستقلة أن تدعم السلطات السورية في تحليل المعلومات والأدلة داخل سوريا، واستجواب الشهود، إضافة إلى إمكانية دعم المؤسسات القضائية الوطنية.

لجان التحقيق الأممية بلا قيود
منذ سقوط نظام الأسد المخلوع، قامت لجنة التحقيق الدولية بعدة زيارات إلى سوريا وواصلت عملها التحقيقي، بما في ذلك التحقيق في التجاوزات التي ارتكبت مؤخرا في آذار في منطقة الساحل السوري، وأعمال العنف التي وقعت في تموز 2025 في السويداء. وجدد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ولايته في نيسان 2025.

كما التقى أحد أعضاء اللجنة مع السلطات السورية، وذكرت اللجنة في تقريرها الشفوي المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في حزيران أنها لم تواجه أي قيود في الوصول إلى المناطق التي طلبت زيارتها.

وكان من أبرز الإجراءات التي قامت بها سوريا في ملف حقوق الإنسان عودة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى سوريا في كانون الأول 2024، بعد أن اضطر إلى مغادرتها في 2011 بفعل ضغط النظام الساقط. وهناك تعاون كبير بين المكتب الأممي والحكومة السورية، حيث أكد موقع المكتب على الإنترنت أنه سيعطي الأولوية لضمان أن تكون آليات العدالة الانتقالية التي تقودها سوريا متوافقة مع حقوق الإنسان وشاملة. وقد زار المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان دمشق والتقى بالسلطات السورية.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
وفي ما يخص ملف الكيماوي الذي يعد أخطر الملفات التي تؤثر على حقوق الإنسان لأنه يرتبط بحق الحياة، كان هذا الملف حاضرا منذ الشهور الأولى. وفي شباط 2025، التقى وفد رفيع المستوى من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالقيادة السورية الجديدة في دمشق. وفي آذار، أعلن وزير الخارجية السوري أن السلطات مستعدة للتعاون مع المنظمة من أجل القضاء على برنامج الأسلحة الكيميائية للحكومة السورية السابقة، وواصل فريق التحقيق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والمكلف بتحديد مرتكبي حالات محددة لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا عمله. وتتكرر زيارات فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى سوريا منذ آذار 2025.

ومنذ وصولها إلى سدة الحكم أعربت القيادة السورية عن دعمها لولاية المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين وتعهدت بـ”توفير جميع التسهيلات اللازمة لتمكينها من القيام بعملها”. وأشار رئيس المؤسسة إلى عزم المؤسسة إجراء بعثات شهرية إلى سوريا، وأنها اتفقت على نقاط التعاون مع رئيس اللجنة السورية للمفقودين، منها إنشاء وجود دائم في سوريا.

تحول إيجابي
بدوره أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ”الثورة السورية”، أن خطاب المؤسسات الحقوقية والأمم المتحدة تجاه سوريا الدولة اختلف وأصبح إيجابيا وأفضل بكثير عما كان عليه قبل سقوط نظام الأسد، والسبب هو أن الانتهاكات التي كان يرتكبها النظام المخلوع اختفت وأصبحت الانتهاكات أقل حجما. ونحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان لمسنا هذا التغيير، فالانتهاكات ما قبل سقوط النظام كانت انتهاكات فظيعة لا يمكن مقارنة نوعها ونسبها بالانتهاكات ما بعد سقوط نظام الأسد.

وأشار عبد الغني إلى أن هناك فروقات واضحة في الانتهاكات خلال العامين الماضيين، فعام 2024 سجلت فيه الشبكة أضعاف الانتهاكات مقارنة بعام 2025.

ولفت مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن الحكومة السورية اتخذت خطوات جدية بمسار العدالة الانتقالية، من أبرزها اعتقال أعداد كبيرة من المجرمين الذين تورطوا بانتهاكات ضد الشعب السوري وملاحقتهم للمحاسبة. وهذا المسار بحاجة إلى جهود وإمكانات مالية كبيرة لم ترتق إلى مستوى هذا المسار بعد، رغم أن هناك خطوات مهمة، منها عزل القضاة المتورطين بجرائم، والمحاكمات العلنية، وبشكل أساسي المحاكمات ضد كبار المجرمين الشعار وحويجة وسيم الأسد وغيرهم، بالإضافة إلى إلغاء الأحكام السابقة وإلغاء “محكمة الإرهاب”.

وحول تعاون وانفتاح الحكومة السورية على المنظمات الإنسانية يقول السيد عبد الغني إن هذا تعاون جيد، لكنه بحاجة إلى تنسيق وتطوير أكبر من حيث تكثيف الاجتماعات وتبادل الآراء والخبرات، خاصة مع المؤسسات التي لها مكانة وسمعة مرموقة، ولديها معايير بعيدة عن التصيد والأجندات السياسية.

صحيفة الثورة السورية