يحمل انسحاب تنظيم “قسد” من مدينة حلب وشرق الفرات أبعادا ومؤشرات سياسية وميدانية، أهمها على الإطلاق الموقف الأميركي الذي يبدو مستاء إعلاميا من وضعه في خانة “عراب قسد” ضمن مشهد المواجهة العسكرية التي يخوضها الجيش العربي السوري ضد “قسد” في ريف حلب والجزيرة السورية. بل إن المواقف والتصريحات الأميركية، خاصة بعد خروج عناصر “قسد” بالكامل من حيي الأشرفية والشيخ مقصود تحت أنظار واشنطن والتحالف الدولي، تبدو وكأنها بمثابة إنذار أميركي أخير لإخلاء التنظيم لما هو بعد حلب في الجزيرة السورية.
فمن المرجح أن يتكرر تصريح واشنطن بدعم الحكومة السورية في التمسك بوحدة وسيادة سوريا إذا ما تصاعدت المواجهات العسكرية بين الجيش العربي السوري وقوات “قسد” مرة ثانية ما بعد حلب والجزيرة السورية. لذلك تهمس واشنطن عبر قنوات استخباراتية في أذن إدارة “قسد” بضرورة تطبيق اتفاق 10 آذار 2025، أو أمامها فقط طريق العودة على خرائط تشابه خارطة اتفاق منبج عام 2018 وغيرها من الاتفاقات الروسية التركية 2019، التي سعت من خلالها واشنطن للاستجابة إلى مخاوف تركيا على أمنها القومي من وميليشيا “حزب العمال الكردستاني”.
لا تنعزل المطالب السورية بضرورة إسقاط مشروع “قسد” الفيدرالي عن غيرها من المطالب والمخاوف في تركيا، وتتشارك كل من دمشق وأنقرة وحتى دول الجوار هواجس التفتيت والمس بوحدة التراب والسيادة. لذلك يبدو الانسداد واضحا في مشروع “روج آفا” و”كردستان الكبرى”، ويبدو أيضا ألّا خيار سوى اتفاق آذار أمام مظلوم عبدي لتجنب صدام عسكري مع الجيش السوري في الجزيرة السورية.
سيناريوهات “قسد”
بعد معارك حلب، ترى التحليلات أن تنظيم “قسد” سيغير استراتيجيته ويبحث عن حلول بعيدا عن المواجهة العسكرية التي يتوقع فيها خسارات عسكرية متلاحقة في مناطق مثل دير حافر والطبقة وحتى الجزيرة السورية، خاصة مع غياب كامل لدعم التحالف الدولي له، وقيام هذا التحالف بتوجيه ضربات جوية لـ “داعش” في البادية السورية بالتزامن مع خروج “قسد” من حلب بتاريخ 10 كانون الثاني 2026. ما يعني أن “قسد” ليس في “الحسابات الدقيقة لمعادلات التحالف الدولي لمحاربة داعش”، وبالتالي فإن ضغط تنظيم “قسد” على حلفاء الأمس بورقة “داعش” لم يعد مجديا، لكن هذه الورقة لا تزال خطيرة إذا ما استغلها مظلوم عبدي كبديل للمواجهات العسكرية، خاصة أن مفاتيح “سجون داعش” لا تزال في يد التنظيم، وهذا السيناريو الأسوأ لخيارات “قسد” واستراتيجياته ما بعد حلب.
لكن هل يفتح تنظيم «قسد» سجون «داعش»؟ من المستبعد—في ظلّ الحرص الأميركي الاستخباراتي على ملف سجون «داعش»—أن يذهب تنظيم «قسد»، حتى مع اندفاعه، إلى فتح أبواب تلك السجون على مصراعيها. غير أن التساهل أو الانفلات الأمني في مراقبة السجون التي تؤوي عناصر «داعش»، والمخيمات التي تقيم فيها عائلاتهم، قد يفتح ثغرات تسمح بتسرّب بعضهم أو هروبهم، ثم التحاقهم بتجمّعات التنظيم الإرهابي في البادية السورية. وفي مثل هذا السيناريو، قد يسعى التنظيم إلى تحميل الحكومة السورية الجديدة مسؤولية التداعيات، بذريعة انشغال «قسد» بالدفاع عن نفسها في المواجهات مع الجيش العربي السوري—وهي ذريعة لوّح بها سابقاً أكثر من مرة—على قاعدة أن من يمتلك «ورقة السجون» يملك نفوذاً سياسياً أكبر.
ورغم أن تنظيم «قسد» يسيطر على سجون «داعش» منذ ستة أعوام، فإنه—وفق هذا الطرح—لم ينجح في تحويل هذا الملف إلى «أوراق ربح» سياسية، بل على العكس تعرّض لانتكاسات سياسية وميدانية متتالية.
ويمسك تنظيم «قسد» بورقة سجون يُقدَّر أنها تضم نحو 12 ألفاً من عناصر «داعش» موزعين على 27 مركز احتجاز، ويحتكر هذا الملف المعقّد والحسّاس، ويمنع الحكومة السورية الجديدة من الوصول إلى «مفاتيح» السجون، محاولاً رسم مشروعه الفيدرالي على حدود المخاوف الإقليمية والدولية من أن أي اضطراب أمني في مناطق السجون قد ينعكس على أمن المنطقة برمتها. فحدوث انفلات داخل مراكز الاحتجاز، أو عمليات تهريب فردية أو جماعية لعناصر التنظيم الإرهابي، يعيد المنطقة إلى مقصلة التفخيخ والإرهاب من جديد.
وربما تنبّهت بغداد إلى هذا النوع من الأفخاخ السياسية التي ينصبها تنظيم «قسد»، لذلك سعت إلى نقل مئات العراقيين من سجون «داعش» على دفعات وإعادتهم إلى بلادهم. ومع إجلاء أكثر من ثلاثة آلاف شخص من مخيمي الهول والروج إلى العراق العام الماضي، أعلنت الولايات المتحدة عبر قيادتها المركزية إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتسريع عودة المحتجزين من مخيم الهول الذي يضم نحو 30 ألفاً.
أين تقع سجون «داعش» في الجزيرة السورية؟
يحتجز تنظيم “قسد”، بالتنسيق مع التحالف، ما يقارب 8 آلاف عنصر من «داعش» من 48 دولة—من بينها بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وأستراليا—وهم محتجزون منذ سنوات من دون محاكمات. ويُعدّ سجن الصناعة في مدينة الحسكة، المحاط بأسوار عالية وأبراج مراقبة، أكبر سجن لعناصر الميليشيا، وهو واحد من أكثر من عشرين مركز احتجاز ومعسكر في الجزيرة السورية يديرها “قسد” بدعم من التحالف الدولي. وتضم هذه المنشآت أكبر تجمّع عالمي لمقاتلي ميليشيا «داعش» وعائلاتهم منذ هزيمتها عام 2019، ويُشار إلى سجن الصناعة بوصفه مقراً لأخطر العناصر.
هذا الواقع بات معضلةً أمنية كبرى في سوريا الجديدة؛ إذ حذّر قادة عسكريون أميركيون وخبراء أمنيون من أن هذه السجون قابلة للانفجار في أي لحظة، مع استمرار الميليشيا في بثّ الرسائل والدعاية والتحريض داخل بيئات الاحتجاز. وقبل ثلاث سنوات، شنّ عناصر «داعش» هجوماً واسعاً على سجن الصناعة، وتصدّت له الولايات المتحدة ودول التحالف، في معركة استمرت نحو أسبوعين وسقط خلالها المئات، وترافقت—بحسب تقارير—مع حالات فرار.
أما مخيم الهول، فتصفه القيادة المركزية الأميركية بأنه بمثابة «جيش داعش» داخل الاحتجاز؛ إذ يبعد نحو 32 كيلومتراً عن سجن الصناعة، ويضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال في ظروف وصفتها الأمم المتحدة بـ«اللاإنسانية». كما تراجع التمويل الأميركي عام 2025، مع قطع ما لا يقل عن 117 مليون دولار من المساعدات المخصصة للصحة والدعم النفسي والتعليم، ما جعل الأطفال أكثر عرضة للتطرف، وفق ما يُنقل عن إدارة المخيم.
وقد بات المخيم أرضاً خصبة لنشاط خلايا الميليشيا؛ إذ أشارت روايات إلى تمكن عنصر من «داعش» عام 2024 من التسلل إلى الهول وتنظيم عمليات فرار، وإعادة تفعيل خلية «أنصار العفيفات» المتخصصة في التجنيد وجمع المعلومات داخل المخيم.
وبحسب تقارير صحفية، تتزايد الهجمات والاغتيالات ومحاولات الفرار، فيما تحذر تقارير أممية من أن ميليشيا «داعش» تدفع بدعاية متطورة عبر الهواتف داخل المخيمات، وتعِد النساء والأطفال بأن «إنقاذهم قريب». وتنتشر رسائل صوتية تدعو إلى القتال والانتقام، بما يرسّخ الحاجة إلى إبقاء «ورقة السجون» خارج بازار الإخضاع والابتزاز السياسي، وأن تكون الدولة السورية على اطلاع تفصيلي بملفات السجون وأسماء المحتجزين وبياناتهم، كي تتمكّن من الاستجابة لأي طارئ أمني أو محاولات فرار على أراضيها.
التخريب أو المماطلة.. وما بينهما
ترى دراسات أن تنظيم «قسد» قد يلجأ مجدداً إلى الاستمرار في التفاوض حول تطبيق اتفاق 10 آذار 2025، حرصاً على إظهار الإيجابية أمام المجتمع الدولي، لكنه سيواصل—في الوقت نفسه—المماطلة ووضع العقبات والشروط الجديدة أمام التنفيذ، بهدف منع الدولة السورية من بسط سلطتها على منطقة الجزيرة السورية، ولا سيما «شرق الفرات»، حيث تتركز حقول النفط والغاز التي يحتكرها التنظيم ويستغلها في تمويل نشاطه وعناصره ومشاريعه. وقد يماطل أيضاً في تسليم المعابر الحدودية بما يسمح باستمرار إدخال السلاح والعناصر المقاتلة وتهريب النفط عبرها.
وبديلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، قد يتجه التنظيم—وفق تقديرات محللين—إلى نمط من الأعمال التخريبية عبر الطائرات المسيّرة أو ضرب منشآت مدنية وعسكرية، مع السعي إلى إلصاق ذلك بميليشيا «داعش» أو بعناصر «غير منضبطة» أو منشقة عنه. ولا يستبعد بعض المراقبين أن يمتد الاستهداف إلى مرافق حيوية حساسة بهدف شلّ الحركة وتعطيل الاستقرار ورفع منسوب الضغط السياسي.
كما تُطرح مخاوف من أن يتجه التنظيم إلى تقويض البنى التحتية عبر استهداف خطوط الطاقة ومحطات الإمداد بالمياه وبعض المرافق الخدمية، لخلق أزمات متلاحقة في الخدمات الأساسية وإثارة التذمر الشعبي، وإظهار الحكومة بمظهر العاجز عن حفظ الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية—خاصة إذا اتجهت «قسد» إلى تفاهماتٍ أو تقاطعاتٍ علنية مع المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء وفلول النظام المخلوع في الساحل، وهو ما يراه مراقبون امتداداً لمحورٍ انفصالي يحاول خلق شروط تستدعي تدخلاً خارجياً وتمهّد لتقسيمٍ معلن للتراب السوري وتحقيق «الفدرلة» التي يعدّ التنظيم أحد أبرز الدافعين نحوها. وتذهب هذه التقديرات إلى أن الأطراف المذكورة تدرك—بعد معركة حلب—أنها لن تحصل على دعم دولي إذا استمرت في المواجهة العسكرية المباشرة مع الحكومة، لذلك قد تميل إلى هذا النوع من الضغط غير المباشر.
وتعمل الحكومة السورية اليوم على محاولة نزع الأسلحة الثقيلة لتنظيم «قسد»، وتشديد مراقبة الأجواء السورية تحسباً لأي أعمال تخريبية محتملة. وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي، في تصريح خاص لصحيفة «الثورة السورية»، إن عملية حييّ الأشرفية والشيخ مقصود في حلب شكّلت اختباراً حاسماً لجدية الدولة السورية في التعامل مع قوى الأمر الواقع مثل تنظيم «قسد»، وإن دمشق نجحت في استعادة السيطرة الكاملة دون أخطاء جسيمة، مستفيدة من دروس السويداء والساحل، مع فتح معابر إنسانية وإجلاء المدنيين بكفاءة.
ويضيف علاوي أن دمشق أرسلت رسائل قوية للأطراف المحلية والإقليمية بقدرتها على معالجة المشكلات الأمنية داخل المدن المختلطة، وأن تنظيم «قسد» خسر أوراق ضغط رئيسية، بما فيها نفوذه في أحياء استراتيجية شمال حلب، في مقابل كسب الحكومة قوة عسكرية وتأييداً شعبياً متزايداً مع عودة السكان. كما اتهم التنظيم دمشق بنقض اتفاق 10 آذار، لكنه أبدى استعداداً للتفاوض.
ويؤكد علاوي أن دمشق قادرة على إدارة الملفات الأمنية التي تمثلها قوى الأمر الواقع المعادية للحكومة دون إحداث فوضى، وأن التطور في التعامل الأمني مع ملفات مماثلة يشكل رداً عملياً على بعض المطالب الغربية بتغيير أساليب إدارة هذه الملفات. ويرى أن ما حدث في حلب عزّز قناعة الأطراف المختلفة بأن الدولة استفادت من تجارب سابقة، وسعت إلى حل الأوضاع دون انزلاقات كبيرة، كما كان الأداء الإعلامي—وفق تقييمه—أفضل من محطات سابقة.
وحول خيارات تنظيم «قسد» بعد حلب، يشير علاوي إلى احتمال أن يحاول التنظيم استخدام ملف السجون كورقة ضغط، لكنه يصفها بورقة محفوفة بالمخاطر لأنها لا تؤثر على الحكومة السورية فقط، بل على التحالف الدولي أيضاً، وقد تتحول إلى تهديد للأمن القومي لدول عديدة إذا قادت إلى فوضى داخل السجون وعمليات فرار لمطلوبين لدى تلك الدول.
ويضيف علاوي أن التنظيم خسر أوراقه التفاوضية، وتراجع إلى مناطق أقل كثافة سكانية، ما يجعل أي خيار عسكري—إن وقع—أقل كلفة بشرية مما كان سيترتب داخل حلب. ويرى علاوي أن توازن القوى الحالي شهد تحولاً نوعياً في معادلة العلاقة بين الدولة والتنظيم؛ إذ أثبتت دمشق قدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة دون تصعيد شامل، واستفادت من ضعف التنظيم في بيئة مختلطة فقد فيها رصيده الشعبي والعسكري، ما يضعف موقفه التفاوضي شرق الفرات. كما أشار إلى ضبط مستودعات أسلحة بما يعكس تحسناً في الاستخبارات والتنسيق.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.