نظمت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي (الكونغرس) جلسة استماع رسمية حول سوريا، تحت عنوان “سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد الأسد”، وبمشاركة خبراء واختصاصيين في شؤون سوريا والشرق الأوسط.

وبحسب ما أفادت به مصادر متابعة في واشنطن، فقد جرى إعداد الجلسة لتكون منصة تقييم للمرحلة الجديدة، والاستماع إلى شهادات خبراء ومسؤولين سابقين حول مستقبل العلاقات الأميركية-السورية، ودور الشراكات الإقليمية، وآفاق دمج الهياكل الأمنية في إطار الدولة السورية الموحدة.

إنتاج خطاب جديد
حملت الجلسة الكثير من الرسائل السياسية، لعل أهمها ذلك التوافق على إعادة إنتاج خطاب جديد تجاه الدولة السورية، بوصفها باتت حليفة وشريكة للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب وإرساء حالة الاستقرار والأمن في المنطقة بشكل عام. فالجلسة، وبقدر ما كانت تقييما للمرحلة الماضية التي شهدت رفع العقوبات الأميركية وتقاربا سوريا-أميركيا واستعادة جغرافيا كانت تحت سيطرة “قسد”، كانت أيضا مناقشة لرؤية مستقبلية للتعاون والتعاطي مع دمشق انطلاقا من مكانتها ومحوريتها ودورها الجديد في قضايا وملفات الشرق الأوسط.

ويرى باحثون سياسيون أن المزاج السياسي داخل الكونغرس بات يتعامل مع سوريا بشكل متزايد باعتبارها دولة خرجت من دائرة العزل إلى دائرة الاستقرار والتأثير. وبالتالي لم يعد السؤال المطروح هو: هل يجب فرض عقوبات جديدة؟ وإنما: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتكيف مع واقع سوري جديد بعد رفع العقوبات، وأن تستثمر فيه؟ وتشير تسريبات من داخل الجلسة إلى أن عددا من المتحدثين أكدوا أن سياسة الضغط القديمة “لم تحقق أهدافها الاستراتيجية”، وأن المصلحة الأميركية اليوم تكمن في دعم الاستقرار والاستثمار فيه، وليس في إدامة أدوات الماضي.

ويؤكد الباحث السياسي الدكتور وائل مرزا في حديث لـ”الثورة السورية” أنه جرى خلال الجلسة، وفقا لمطلعين من داخلها، التشديد على ضرورة دعم وحدة الأراضي السورية ورفض أي ترتيبات تكرس الانقسام، بالإضافة إلى التأكيد على أن “دمج الهياكل العسكرية والإدارية السابقة ضمن مؤسسات الدولة السورية خطوة في الاتجاه الصحيح”. وهذا التحول في اللغة الأميركية، بحسب مرزا، يعكس قناعة متنامية بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى إلا على أساس دولة موحدة قادرة على احتواء جميع مكوناتها، بعيدا عن منطق الكيانات الموازية الذي ساد لسنوات.

تحويل الاتفاقات السياسية إلى إجراءات أمنية ملموسة
وتتردد في كواليس الكونغرس وبين فرق العمل المعنية بالملف السوري إشارات متزايدة إلى أن أحد البنود الأكثر حساسية في اتفاق دمج “قسد” مع مؤسسات الدولة السورية يجري تنفيذه فعليا على الأرض، وخصوصا ما يتعلق بمعالجة ملف العناصر غير السورية المرتبطة بهياكل عسكرية موازية. وينظر إلى هذه الخطوات في الدوائر التشريعية الأميركية بوصفها مؤشرا مهما على أهلية دمشق وقدرتها على تحويل الاتفاقات السياسية إلى إجراءات أمنية ملموسة.

ضمن هذا السياق، يتابع مرزا حديثه بالقول إن التركيز الأكبر خلال الجلسة كان على دور الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية وتركيا ودول الخليج، في قيادة عملية الاستقرار في سوريا. وقد أشير أكثر من مرة إلى أن “الانفتاح العربي على دمشق خلق واقعا جديدا لا يمكن للسياسة الأميركية تجاهله”، ولا سيما أن هناك تسريبات من أروقة الكونغرس تشير إلى وجود اتجاه واضح للاعتراف بأن الملف السوري لم يعد يدار من واشنطن وحدها، وإنما عبر منظومة تعاون إقليمي واسع، وهو ما ينسجم مع التحركات السعودية الأخيرة التي فتحت أبوابا سياسية واقتصادية كبيرة أمام الدولة السورية.

وخلال الجلسة تناول عدد من الشهود البعد الاقتصادي باعتباره العامل الحاسم في استقرار سوريا، حيث شدد أحد الخبراء على أن “رفع العقوبات لا يكتمل إلا بتدفق الاستثمارات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار”. ويبدو أن المزاج الأميركي بات أكثر تفهما لحقيقة أن استقرار سوريا لن يتحقق عبر الأدوات الأمنية وحدها، وإنما عبر تعاف اقتصادي يقوده دعم إقليمي ودولي. كما تظهر معلومات من كواليس الجلسة أن ثمة اهتماما متزايدا في واشنطن بتشجيع القطاع الخاص العربي على لعب دور محوري في المرحلة المقبلة.

وهنا يؤكد مرزا ضرورة تصحيح إحدى الشائعات التي راجت في الأيام الماضية، والتي ادعت بأن الجلسة سوف تتضمن نقاشا حول ما سمي إعلاميا “قانون حماية الأكراد”. وهذا الادعاء مضلل تماما ولا أساس له، إذ لم يكن على جدول الأعمال أي مشروع قانون جديد من هذا النوع، ولم تطرح أي مقاربة تقوم على حماية مكون سوري خارج إطار الدولة. بل على العكس، كان ثمة ذكر عارض لموضوع إعادة فرض العقوبات بشكل استنكاري في إحدى الشهادات، لكن الاتجاه العام كان يدفع نحو دعم الحلول الوطنية الجامعة وليس نحو إنتاج صيغ تقسيمية جديدة.

مفتاح الاستقرار الدائم
وعلى العكس من توجه الشائعات، تؤكد نقاشات غير معلنة داخل أوساط أعضاء الكونغرس وفرقهم الاستشارية أن التقدم العملي في تفكيك الهياكل المسلحة غير النظامية، بل وأن إخراج القيادات الأجنبية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني خارج الأراضي السورية، يجري على قدم وساق، وأن هذا بات يقرأ في واشنطن كعامل استقرار إقليمي إيجابي.

لقد شكلت شهادات الخبراء أمام اللجنة مادة لافتة تحمل رسائل إيجابية تجاه سوريا ومستقبل علاقاتها الدولية، حيث قال السفير الأميركي السابق جيمس جيفري إنه حان الوقت لأن تعترف السياسة الأميركية بالواقع على الأرض في سوريا، وإن التعاون مع الشركاء الإقليميين وجهود الحكومة السورية نفسها يجب أن تكون جزءا من التعامل الاستراتيجي للولايات المتحدة. وهذه العبارة، كما علقت مصادر مطلعة، تعد إقرارا بالدور الحقيقي المتصاعد لسوريا في الإقليم. علما أن جيفري دبلوماسي أميركي مخضرم شغل منصب الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا ومبعوثا للتحالف الدولي ضد داعش، وسفيرا سابقا في العراق وتركيا وألبانيا، ويعد من أبرز خبراء واشنطن في شؤون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي.

وفي السياق نفسه، ووفقا للدكتور مرزا، شدد الخبير أندرو تابلر على أن “دعم مؤسسات الدولة السورية بوصفها قوى موحدة هو مفتاح الاستقرار المستدام، وأن عهد محاولة بناء هياكل موازية قد انتهى”. وهذا تصريح اعتبره المراقبون تحولا نوعيا في الخطاب الأميركي، إذ يقر بشكل حاسم بأن الحل يكمن في تقوية مؤسسات دمشق وليس في استبدالها. وتابلر باحث وخبير أميركي بارز في الشأن السوري، عمل سابقا مستشارا لوزارة الخارجية الأميركية لشؤون سوريا، ويشغل حاليا منصب زميل أقدم في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومتخصص في قضايا التحول السياسي والأمن في سوريا.

أما نادين مينزا، الناشطة والخبيرة في مجال حقوق الإنسان والحريات الدينية، فقد ركزت على البعد الإنساني بقولها: “حقوق الإنسان، بما في ذلك حرية الدين والأمن لجميع المجتمعات، يجب أن تكون مركزية في أي سياسة طويلة الأمد تجاه سوريا”، وهو طرح يضع كرامة السوريين وأمنهم في قلب أي سياسة مستقبلية.

وفي الاتجاه الاستراتيجي الأوسع، أكدت الدكتورة مارا كارلين أن “المصالح الاستراتيجية الأميركية تتقاطع مع تشجيع تطبيع الوضع السياسي في سوريا، وهذا يتطلب العمل مع الشركاء الإقليميين والاعتراف بالحلول التي يقودها السوريون”. وهذا الرأي حظي بتأييد واسع، بما يعكس قناعة أميركية متزايدة بأن مستقبل سوريا يجب أن يصاغ من داخلها وبالتعاون مع محيطها العربي. خاصة وأن الدكتورة كارلين مسؤولة أميركية سابقة في وزارة الدفاع، شغلت منصب مساعدة وزير الدفاع لشؤون الاستراتيجية والتخطيط، وأكاديمية متخصصة في سياسات الأمن القومي والعلاقات الدولية، وتعد من الأصوات المؤثرة في رسم الاستراتيجيات الدفاعية الأميركية في الشرق الأوسط.

استعادة الدور الإقليمي
تؤكد مجريات جلسة الكونغرس، وما رافقها من تسريبات ومواقف، أن الولايات المتحدة ماضية قدما في النظر إلى سوريا من زاوية مختلفة تماما عما كان سائدا طوال العقد الماضي، إذ لم تعد دمشق ملفا للعقوبات والضغوط، وإنما دولة يراد لها أن تستقر وتستعيد دورها الإقليمي. والتركيز على وحدة الأراضي السورية، وعلى الشراكات العربية، وعلى الاقتصاد وإعادة الإعمار، وعلى فتح قنوات التواصل مع الحكومة السورية، كلها مؤشرات على مرحلة جديدة تتقاطع فيها مصالح الداخل السوري مع تحولات العالم.

وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني الماضي، استقبل الرئيس الشرع وفدا من الكونغرس الأميركي برئاسة عضو مجلس النواب دارين لحود، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، وناقش الجانبان آفاق توسيع التعاون الثنائي وسبل تطوير العلاقات بين البلدين.

وتناول الاجتماع تبادلا معمقا للآراء حول ملفات دولية وإقليمية تهم الطرفين، مع التأكيد على أهمية تعزيز قنوات الحوار المباشر بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم جهود الاستقرار في المنطقة.

وفي التاسع عشر من آب الماضي، التقى الرئيس الشرع وفدا من الكونغرس الأميركي، في ثالث زيارة من نوعها لمسؤولين أميركيين إلى دمشق خلال عدة أيام، حيث سبق أن أعلنت الولايات المتحدة في الخامس من الشهر ذاته عن زيارة أجراها وفد أميركي إلى دمشق لإعادة تأسيس وجود دبلوماسي دائم في سوريا.

وقالت السفارة الأميركية في دمشق حينها إن وفدا مشتركا بين الوكالات الأميركية برئاسة رئيس منصة سوريا الإقليمية، نيكولاس غرانجر، أجرى زيارة إلى سوريا، ناقش خلالها قضايا اقتصادية وتوسيع التعاون الأمني وإعادة تأسيس وجود دبلوماسي دائم في دمشق. وذكرت السفارة أن الوفد الأميركي أجرى مناقشات فنية مع نظرائه السوريين حول قضايا تتراوح بين إصلاحات القطاع المالي والفرص الاقتصادية، وبحث مسألة العثور على الأميركيين المفقودين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوسيع التعاون الأمني.

كما أجرى الرئيس الشرع في العاشر من الشهر ذاته مباحثات مع عضو مجلس النواب الأميركي إبراهيم حمادة، في خطوة اعتبرت تطورا لافتا. ووصف حمادة، في بيان، زيارته التي استمرت ست ساعات بأنها “خطوة تاريخية”.

وفي 10 تشرين الثاني الماضي، أقر مجلس الشيوخ الأميركي إلغاء قانون “قيصر” المفروض على سوريا ضمن مشروع “قانون الدفاع الوطني” التابع لوزارة الدفاع الأميركية، بشكل غير مشروط.

وشهدت العلاقات السورية-الأميركية تقاربا ملحوظا وتحولات كبيرة بعد سقوط النظام المخلوع، بعد قطيعة وتوتر امتدا لعقود. والتقى الرئيس الشرع في العاشر من تشرين الثاني الماضي نظيره الأميركي في البيت الأبيض، إيذانا ببدء مرحلة جديدة من علاقات البلدين.

وفي الثاني عشر من تشرين الثاني الماضي، أكد الرئيس الشرع في حديث لصحيفة واشنطن بوست أن زيارته إلى الولايات المتحدة ولقاءه الرئيس دونالد ترامب وأعضاء في الكونغرس تهدف إلى بناء علاقات شراكة قوية بين دمشق وواشنطن، لأنها لم تكن جيدة على الإطلاق خلال العقود الماضية.

صحيفة الثورة السورية