لا تزال صرخة الطفل يسمع صداها في زنزانة الغياب، هناك حيث الفراق قسري كما الاعتقال، حين قطع النظام (حبل المشيمة) بين الأم وأولادها، وجر الأبوين إلى غياهب سجونه، ممزقا كل دروب العودة وشهادات الميلاد، وطامسا هوية عائلة بأكملها، لتبقى فرحة التحرير (غير مكتملة) طالما تاه حضن الأم عن أبنائها.
فعند الحديث عن أطفال المعتقلين، نفتح سجلات وملفات (غير مكتملة)، ونبحث في أوراق ثبوتية ناقصة أو حتى مزورة، وتتضارب الأرقام والإحصاءات للمنظمات والمؤسسات المحلية والدولية حول أعداد الأطفال الذين انتزعهم نظام الأسد من آبائهم وأمهاتهم المعتقلين خلال الفترة التي امتدت من 2011 إلى 2024. وبدلا من تسليم الأطفال لأقاربهم، جرى احتجازهم في دور أيتام واستخدامهم ورقة سياسية للضغط، وفي الكثير من الحالات زورت الحقائق وسجل الأطفال أيتاما، أو تم تغيير هوياتهم، مما جعل العثور عليهم أمرا في غاية الصعوبة.
فما بين “دار لحن الحياة” و”قرى الأطفال” “SOS” وغيرها من دور الرعاية التي حولها نظام الأسد إلى مراكز احتجاز وطمس لهوية أطفال أبناء المعتقلين، لا يزال البحث جاريا عن أثر لهؤلاء الأطفال، حيث وضعوا هناك في دور رعاية خرجت عن مسارها وأصبحت مراكز احتجاز للأطفال بلا أسماء حقيقية وبلا وثائق، وإن وجدت هذه الوثائق فهي مبعثرة وناقصة. ولم تجد فيها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ما يدل حتى الآن سوى على بضع مئات من آلاف الأطفال الذين لم يعرف مصيرهم أو هويتهم حتى الآن.
وبات معروفا توصيف “الأطفال المفقودين” على الأطفال الذين اعتقلتهم القوات الأمنية التابعة للنظام المخلوع مع ذويهم، قبل أن يفصلوا قسرا عن عائلاتهم وينقلوا إلى دور أيتام مختلفة، وسط شهادات حقوقية تحدثت عن تغيير بيانات بعضهم أو تحريف السجلات الرسمية، ما صعب عمليات التتبع وإعادة لم الشمل.
160 طفلا عادوا لعائلاتهم
أفادت لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسرا في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في آخر تقاريرها بأنها أحصت، حتى تاريخ شهر شباط 2026 بالتحديد، 314 طفلا وطفلة من أبناء المعتقلين جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة للوزارة من قبل فروع أمن النظام المخلوع.
وأوضحت اللجنة أن 140 حالة من هذه الحالات أودعت في جمعية قرى الأطفال “SOS”، في حين تم التحقق من وصول 160 طفلا وطفلة إلى ذويهم، مع استمرار العمل للتحقق من بقية الحالات.
وبينت اللجنة أن إحداثها تم بموجب القرار رقم 1806 لعام 2025، بهدف التقصي الشامل عن مصير الأطفال المفقودين من أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيبين قسرا، الذين جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة للوزارة خلال فترة النظام المخلوع، وإعداد تقرير نهائي يتضمن جميع الحالات ورفعه إلى الجهات المعنية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والنفسي لذوي الأطفال المفقودين.
وأضافت أن عملها انطلق منذ 21 أيار 2025، وأن تشكيلها يضم ممثلين عن وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والعدل والداخلية والأوقاف، إضافة إلى ممثلين عن ذوي ضحايا الاختفاء القسري ومنظمات المجتمع المدني، مؤكدة أن أعضاءها من أصحاب المصلحة المباشرة في الوصول إلى الحقيقة.
وعن آليات العمل، قالت اللجنة إنها اعتمدت مسارا توثيقيا شمل جمع الوثائق والملفات المتبقية في دور الرعاية وأرشيف الوزارة، وتنظيمها وتصنيفها زمنيا، إلى جانب جمع صور الأطفال ووثائق من سجون الأحداث، وإعداد استمارات توثيق وبروتوكولات بحثية لجمع المعلومات من ذوي الأطفال المفقودين والأشخاص الذين يحتمل امتلاكهم معلومات ذات صلة.
كما أشارت إلى رقمنة الوثائق الورقية وتحويلها إلى ملفات رقمية قابلة للبحث والتصنيف، بالتوازي مع التعاون مع خبراء أرشفة من المركز الدولي للعدالة الانتقالية، بما يضمن حفظ الأدلة على نحو يخدم مسارات المساءلة والمحاسبة.
وفي إطار التواصل مع العائلات، أوضحت اللجنة أنها أنشأت خطا ساخنا لتلقي أي معلومات تتعلق بالأطفال المفقودين، وخطا مخصصا للاستشارات القانونية، إلى جانب عقد اجتماعات دورية مع العائلات في مقر الوزارة لإطلاعهم على مستجدات العمل.
وردا على وثيقة جرى تداولها ونسبت إلى جمعية قرى الأطفال “SOS”، أكدت اللجنة أنها قامت بمراجعتها وتدقيقها، وتبين أنها غير موقعة وغير مختومة ومجهولة المصدر، ما يفقدها الحد الأدنى من الموثوقية، مشيرة إلى إعداد تحليل تدقيقي رسمي يوضح أسباب عدم اعتمادها.
كما تطرق البيان إلى ما عرف إعلاميا بقضية “فتاة الإعلان”، موضحا أن اجتماعا عقد في مقر الوزارة بتاريخ 10 تشرين الثاني 2025 بحضور ممثلين عن جمعية “SOS” وأطراف معنية، حيث جرى التحقق بالأدلة من هوية الشابة التي ظهرت في المادة المصورة، وتأكيد أنها ليست ابنة السيدة رانيا العباسي، مع توثيق ذلك بمحضر رسمي.
وفيما يتعلق باحتمال إيداع أبناء السيدة رانيا العباسي في دور الرعاية التابعة للوزارة أو في جمعية “SOS”، أكدت اللجنة أنها لم تعثر حتى الآن على أي دليل يثبت ذلك ضمن الوثائق التي جرى جمعها، لافتة إلى أن البحث ما يزال مستمرا عبر مصادر متعددة.
وختمت اللجنة بيانها بالتأكيد على تفهمها لمعاناة الأسر السورية، ولا سيما عائلات الأطفال المفقودين، داعية إلى تحري الدقة وعدم تداول معلومات غير موثوقة قد تلحق أذى نفسيا أو اجتماعيا بالأطفال وذويهم، ومجددة التزامها بمواصلة العمل للوصول إلى الحقيقة باعتبارها حقا مشروعا لجميع السوريين والسوريات.
لجنة التحقيق الوطنية للأطفال المغيبين
عقب سقوط النظام عملت الحكومة السورية الجديدة على تشكيل لجنة التحقيق الوطنية الخاصة بالكشف عن مصير أطفال المعتقلين والمغيبين قسرا، وهي لجنة تتمتع بكامل الصلاحيات الإدارية التي تتيح لها الوصول إلى ملفات دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وجمع الشهادات، والتنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل فيما يتعلق بتسليم الوثائق والمعلومات اللازمة للتحقيق.
وتعمل اللجنة بصفتها لجنة تحقيق اجتماعي إداري وليست جهة قضائية أو أمنية، لكنها مع ذلك تتابع حالات متعددة من الأطفال الذين جرى تتبعهم بعد العثور على بيانات متضاربة بشأنهم، بما في ذلك أطفال ورد في السجلات أنهم أعيدوا إلى ذويهم.
وتتحقق اللجنة من هويات الأطفال عبر آلية محددة تبحث بالوثائق الأصلية إن وجدت، أو عبر الصور المحفوظة، وفي الحالات المجهولة يجري التحضير لاستخدام فحوص DNA، حيث سجلت اللجنة حالات تغير فيها النسب أو اختفت فيها المعلومات الأساسية المتعلقة بالأطفال.
وتتواصل اللجنة رسميا مع المنظمة الأم لقرى الأطفال وفرعها في سوريا بعد تسلم إدارتها الجديدة مهامها، وأن هناك تعاونا قائما معها في تتبع الأطفال الذين مروا عبر مراكزها. ويركز عمل اللجنة مؤخرا على إعادة تنظيم الرقابة والتأكد من التزام جميع دور الرعاية بالقواعد القانونية، بالتنسيق المباشر مع وزارة الداخلية.
وفيما يتعلق ببيانات الأطفال المفقودين تعتمد اللجنة على الوثائق الموجودة وبلاغات الأهالي معا، وتشمل تحقيقاتها جميع المحافظات من دون استثناء، وتتواصل مع الجهات القضائية والداخلية في ملفات المساءلة، ومع جهات دولية في إطار تبادل المعلومات والوثائق.
إيداعات أمنية بلا هوية
هناك صعوبة كبيرة لدى لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلات والمعتقلين، وذلك لعدة أسباب أهمها، وبحسب تقارير إعلامية، أنه في الأسبوع الأول للتحرير بدأ الحديث رسميا عن ضرورة فتح ملف الأطفال الذين أودعوا في دور رعاية تحت مسمى “الإيداعات الأمنية”، بعد فصلهم عن ذويهم في الفروع الأمنية للنظام المخلوع بين 2011 و2024.
وتبين أن معظم السجلات بين 2013 و2019 كانت مشتتة، ناقصة، أو مفقودة بالكامل، إضافة إلى كميات هائلة من الوثائق والمستندات غير المؤرشفة، ما جعل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تجد صعوبة في تتبع عدد كبير من حالات الإيداع، خاصة تلك المحالة عبر الفروع الأمنية للنظام المخلوع مباشرة.
وتقول التقارير الإعلامية إن مراجعة الوثائق والسجلات بينت أن هناك سجلات كاملة لأطفال مجهولي الهوية ضاعت، وأخرى دمجت، وثالثة ظهرت عليها علامات إزالة متعمدة، في حين تتصاعد مطالبات عائلات المعتقلين والمفقودين بالكشف عن مصير الأطفال الذين نقلوا إلى مؤسسات مثل “لحن الحياة” و”دار الرحمة” و”قرى الأطفال SOS” وغيرها.
وهذا ما وضع ملف أطفال المعتقلين في قلب معادلة معقدة، بحسب تصريحات وردت في تحقيقات وتقارير إعلامية.
تضارب بالأرقام
تعد الصعوبة في إحصاء عدد الأطفال المفقودين أبرز ملامح هذه القضية، وبحسب شهادات سابقة نشرت في تقارير إعلامية أن رحلة الطفل تبدأ من لحظة اعتقال عائلته، حيث كان يصدر الفرع الأمني توصية بالتحفظ عليه، فيحال الطفل إلى وزارة الشؤون التي تنقله بدورها إلى إحدى الجمعيات مثل “قرى الأطفال” أو “لحن الحياة” أو “المبرة” وغيرها.
وخلال هذه العمليات لم يكن النظام المخلوع وأجهزة مخابراته يسمحان بالتواصل مع أقارب الطفل أو التحقق من وجودهم، كما أكدت شهادات أخرى أن أجهزة نظام الأسد الأمنية منعت بشكل مباشر زيارة الأقارب أو معرفة مكان وجود الأطفال، ومنعت الموظفين من عرض صور ذويهم عليهم، ما جعل هذه الدور تتحول عمليا إلى “مراكز احتجاز إنسانية” تعمل بمعزل عن أي رقابة فعلية وتخضع لتعليمات أجهزة النظام المخلوع الأمنية.
ووفق الوثائق والسجلات الأمنية التي تكشفت بعد التحرير فإن إحالات أطفال المعتقلين إلى دور الرعاية خلال السنوات السابقة تمت من خلال إدارة المخابرات الجوية، مع رصد حالات أخرى تعود لفروع المخابرات العسكرية 227 و235، ومديرية المخابرات العامة الفرع 251.
كيف بني نظام الإيداعات الأمنية للأطفال؟
بحسب تقارير إعلامية بنيت منظومة الإيداعات الأمنية على نظام ثلاثي منظم في زمن النظام المخلوع، وتوضحت ملامحه خلال فترات الاعتقال التي كانت ذروتها بين عامي 2011 و2019، وتشترك فيه المخابرات الجوية للنظام المخلوع بالاشتراك مع محافظ ريف دمشق ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حيث يبدأ المسار عادة بكتاب رسمي صادر عن المخابرات الجوية إلى المحافظة يطلب “إيجاد مأوى مناسب للطفل” مع تعليمات صريحة تتعلق بالسرية وعدم التواصل مع أي جهة.
بعد ذلك يحيل المحافظ الكتاب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي بدورها توجه “قرى الأطفال” أو غيرها من دور الرعاية باستقبال الطفل، مرفقا بجملة ثابتة: “عدم اتخاذ أي إجراء دون الرجوع إلى الوزارة، والحفاظ على سرية الأسماء وعدم تسريب أي معلومات”.
واعتمدت إيداعات الأطفال على وضعهم داخل “قرى الأطفال” الفرع السوري كمحطة امتداد لبيئة الاحتجاز الأمني، وبحسب تقرير لمنظمة قرى الأطفال الأم (SOS) فإن غياب الوثائق الثبوتية كان السمة الغالبة على معظم حالات الدخول، بما في ذلك تغييب شروط القبول القانونية لمنظمة قرى الأطفال.
أما الخروج، فهو عملية تسليم أمني مباشر عبر كتب رسمية، حيث تظهر السجلات أن مساعدا أمنيا كان يتسلم الأطفال من “قرى الأطفال”، وأن بعضهم بقي أياما معدودة فقط، بينما عاش آخرون سنوات في دور الرعاية قبل نقلهم إلى جهات أمنية.
ويؤكد تقرير المنظمة الأم لـ”قرى الأطفال” وجود فجوة حاسمة، حيث لا توجد أي آلية لمعرفة ما حدث للأطفال بعد مغادرتهم، ولا أي أثر رسمي لمعظمهم.
وهذا ما أكدته التحقيقات الصحفية أيضا لصحف عالمية، حيث كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تحقيق موسع أن نظام بشار الأسد المخلوع فصل مئات الأطفال السوريين عن ذويهم قسرا، ووضعهم في ميتمات خاضعة لإدارته خلال سنوات الحرب، بهدف استخدامهم ورقة ضغط على المعارضين.
واعتمد التحقيق على وثائق مسربة من أجهزة أمن النظام وشهادات لضحايا وناجين من المعتقلات، وأظهر أن ما لا يقل عن 300 طفل نقلوا إلى دور الأيتام بين عامي 2014 و2018، من بين نحو 3700 طفل اعتبروا في عداد المفقودين، بعد أن احتجزوا مع عائلاتهم أو خضعوا لعمليات فصل قسرية أثناء مداهمات واعتقالات جماعية.
كما تتحدث تقارير لمنظمات دولية عن أحوال الأطفال داخل مراكز الاحتجاز، وأن الرعاية اليومية كانت في حدود مقبولة، لكنها جرت تحت رقابة أمنية مشددة.
وتشير التقارير إلى صدور تعليمات أمنية صارمة من قبل أجهزة مخابرات النظام المخلوع للكوادر بمنع تصوير الأطفال أو ذكر أسمائهم، ومنع إخبارهم بأي معلومات عن عائلاتهم، إضافة إلى تهديدات بالطرد أو العقوبة في حال عدم الرجوع إلى الفروع الأمنية، حيث كان قص الشعر يحتاج إلى إذن أمني.
ورصدت المنظمات الحقوقية والإنسانية حالات متعددة من تغيير الأسماء والهوية، حيث كان الطفل لا يجيب عن الاسم الجديد أو يملك أكثر من اسم بين السجلات الداخلية والخارجية.
وتكشف التقارير أن بعض الأطفال وصلوا إلى مراكز الاحتجاز وكانوا في حالة إهمال شديد أو مع آثار كدمات، من دون إمكانية حاسمة لتحديد ما إذا كانت الإساءة قد وقعت داخل مراكز الاحتجاز أو قبلها.
وقد برزت في هذا الملف الخاص بالأطفال المغيبين قضية أطفال رانيا العباسي التي لم يجد فريق التحقيق الخاص باللجنة الوطنية أي دليل يؤكد دخولهم إلى “قرى الأطفال”، رغم بقاء الملف مفتوحا.
ويؤكد التقرير أن المشكلة الأخطر هي اختفاء أي أثر لمعظم الأطفال عند اللحظة التي تسلمتهم فيها الجهات الأمنية، في ظل غياب تام للسجلات، وفقدان الملفات وتضارب الأسماء وعدم تسليم وثائق كاملة عند إغلاق مراكز الطوارئ.
قضية أطفال الدكتورة رانيا العباسي
تعتبر قضية الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة واحدة من أكثر الملفات حساسية في سياق ملف الإيداعات الأمنية، حيث اختفت الأسرة بالكامل بعد اعتقالها من قبل المخابرات الجوية في عام 2013، وبقي مصير الأطفال مجهولا طوال سنوات الحرب.
ورغم أن تقرير المنظمة الأم لـ”قرى الأطفال” لم يجد “دليلا موثقا” على دخول أطفال الدكتورة رانيا العباسي إلى أحد مراكزها، فإن ملف هؤلاء الأطفال ظل مفتوحا في جميع المراجعات، في حين تحدث موظفون سابقون وشهود عن احتمالات غير مستبعدة لمرورهم عبر دور الرعاية قبل نقلهم إلى جهات أمنية أخرى.
أما لجنة التحقيق التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فرغم تأكيدها أنها لم تعثر حتى الآن على أدلة قاطعة تشير إلى دخول أطفال رانيا العباسي إلى “قرى الأطفال” أو “لحن الحياة”، فإنها ذكرت أن السجلات الرسمية “تعاني فجوات كبيرة” وأن عملية التحقق من الأسماء والوثائق ما تزال جارية، وأن ملف العباسي يبقى واحدا من الملفات ذات الأولوية القصوى بسبب تعدد الشهادات وعدم اكتمال الوثائق.
أسماء الأسد و”طريق النحل”
وفق معلومات من مصادر مفتوحة، جرى تحويل قسم من الأطفال إلى مشروع يدعى “طريق النحل” وهو مشروع مرتبط مباشرة بزوجة الرئيس المخلوع أسماء الأسد، من دون سجلات أو بيانات توضح هوية هؤلاء الأطفال أو مصيرهم.
كما يتقاطع عدد كبير من الشهادات والمعلومات حول وجود مشروع “طريق النحل” بمركزين في دمشق، والذي يصفه ناشطون ومتابعون لملف أطفال المعتقلين بأنه “الحلقة المفقودة” في مسار اختفاء الأطفال الذين كانوا يودعون سابقا في دور الرعاية، ولا سيما “قرى الأطفال” واختفاؤهم عقب خروجهم.
وبعد طلب المنظمة الأم لـ”قرى الأطفال” من الفرع السوري التوقف عن استقبال الإيداعات الأمنية بعد عام 2019، تشير مصادر وروايات متعددة إلى أن عددا من الأطفال نقلوا فعليا من “قرى الأطفال” إلى مركز “طريق النحل”، حيث انقطع أثرهم لاحقا، وسط غياب كامل للوثائق الرسمية أو الأضابير التي يمكن أن توضح مساراتهم وهوياتهم.
حول هذا الملف أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بيانا في مطلع العام الماضي دعت فيه إلى فتح تحقيق عاجل وشامل مع الجمعيات التي أحالت الأجهزة الأمنية عشرات الأطفال إليها، وأضافت أن لديها قوائم موثقة تضم قرابة 3700 طفل مختف قسريا على يد نظام الأسد المخلوع.
وأشار البيان إلى أنه على مدى أربعة عشر عاما، قام نظام الأسد باعتقال آلاف الأطفال، سواء كانوا برفقة عائلاتهم أو بمفردهم. كما أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تصدر تقريرا سنويا في اليوم العالمي للطفل تسلط فيه الضوء على الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال، مع التركيز بشكل خاص على الاعتقالات التعسفية التي غالبا ما تنتهي بحالات اختفاء قسري.
وتشير قاعدة بيانات الشبكة إلى أن 3700 طفل على الأقل ما زالوا في عداد المختفين قسريا منذ آذار/مارس 2011، بعد اعتقالهم من قبل نظام الأسد. ورغم فتح السجون عقب عملية “ردع العدوان” الأخيرة، لا يزال مصير هؤلاء الأطفال مجهولا.
نقل الأطفال إلى دور الأيتام
وذكر البيان أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وردها أنباء منذ سنوات حول قيام نظام الأسد بنزع الأطفال من ذويهم، أو تحويل الأطفال المولودين في مراكز الاحتجاز إلى دور الأيتام أو مراكز رعاية الأطفال، ولم تتمكن من التحقق منها بسبب كم كبير من التحديات الاستثنائية. ومن أبرز هذه المؤسسات المراكز التابعة لمنظمة “SOS”، التي استقبلت عددا كبيرا من هؤلاء الأطفال دون أي أوراق ثبوتية تؤكد هويتهم. واستمرت هذه الممارسة حتى عام 2019، عندما تغيرت الإدارة وبدأت المؤسسة بقبول الأطفال مع وجود معلومات عنهم.
وقال البيان إن من بين أبرز الحالات التي لم يكشف عن مصيرها حتى الآن قضية أطفال الطبيبة رانيا العباسي، الذين اعتقلوا مع والدتهم ووالدهم، وما زال مصيرهم جميعا مجهولا حتى اللحظة.
وحول هذا الموضوع يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان السيد فضل عبد الغني في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، بأن ملف الأطفال المفقودين في سوريا يبقى تحديا بالغ التعقيد، لأنه يتقاطع بين مسارين رئيسيين: مسار مرتبط بأنماط الاعتقال والاختفاء القسري التي أدت إلى فصل أطفال عن أسرهم وإحالتهم كـ”حالات أمنية” إلى مؤسسات رعاية خارج أي مسار قانوني شفاف وقابل للتتبع، ومسار آخر نتج عن النزوح الجماعي والفوضى الإدارية وتفكك السجلات المدنية والخدمية خلال سنوات الحرب، بما جعل حالات الانفصال الأسري تتراكم داخل منظومات محلية متباعدة وغير مترابطة.
ويضيف عبد الغني أنه وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن حالات اختفاء الأطفال لا يمكن اختزالها في واقعة واحدة أو مؤسسة بعينها، بل تتوزع على أنماط متداخلة، أبرزها: أطفال فصلوا عن ذويهم أثناء الاعتقال أو عند نقاط التفتيش أو خلال مداهمات أمنية، وأطفال انقطع أثرهم أثناء النزوح والقصف ثم ظهروا لاحقا ضمن سجلات رعاية أو أحداث أو قيود محلية متفرقة، فضلا عن حالات تتصل بإعادة تسجيل الهوية أو تغيير البيانات أو فقدان الوثائق، وهو ما يجعل إثبات الهوية ولم الشمل عملية متعددة الطبقات تتطلب مقارنة السجلات والقرائن والشهادات، وأحيانا اللجوء إلى فحوصات النسب عند الضرورة.
ويؤكد رئيس الشبكة أن بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 2025 أفصح عن “قوائم موثقة تضم قرابة 3700 طفل مختف قسريا على يد نظام الأسد”، وأن “3700 طفل على الأقل” ما زالوا مختفين قسريا رغم فتح بعض السجون لاحقا وبقاء مصيرهم مجهولا، مشيرا إلى أن أسباب استمرار الغموض تتحدد في ثلاث عقد مركزية.
الأولى عقدة الهوية القانونية والبيولوجية للطفل في بيئة فقدت فيها الوثائق وتعارضت فيها القيود بين السجل المدني ومؤسسات الرعاية والجهات الأمنية والقضائية، بما يخلق “هوية متنازعا عليها” تحتاج إلى منهج إثبات متدرج.
أما العقدة الثانية فهي عقدة حماية الطفل أثناء البحث، أي تحقيق توازن دقيق بين حق الأسرة في المعرفة ولم الشمل وبين السرية ومنع الوصم والتأكد من عدم إعادته إلى بيئة غير آمنة، مع جعل “المصلحة الفضلى للطفل” معيارا حاكما لكل قرار.
أما العقدة الثالثة بحسب عبد الغني فهي قابلية المساءلة، إذ إن مرور الزمن وتلف الأدلة أو إخفاءها وتعدد الجهات التي تداولت الملف، كلها عوامل تصعب ربط الإيداع القسري وسلسلة القرارات الإدارية والأمنية بمسؤوليات أفراد ومؤسسات على نحو يصلح للمحاسبة القضائية.
وبناء على ذلك يعتقد أن المعالجة الفعالة لهذا الملف تستلزم مواءمة مسارين في آن واحد: مسار إنساني عاجل يهدف إلى التتبع ولم الشمل والدعم النفسي والاجتماعي، ومسار حقوقي مؤسسي يضمن إدارة بيانات آمنة، وإجراءات إحالة وتحقق موحدة، وضمانات تمنع إنتاج “أطفال بلا هوية” أو تسويات إدارية تكرس واقعا فرض بالقسر.
هناك من يرى أن حسم ملف (أطفال الإيداعات الأمنية) هو أهم بند على أجندة العدالة الانتقالية، وهو اختبار عالي المستوى للقدرة الحكومية على تحقيق نسب كبيرة في معرفة مصير أطفال خطفهم النظام المخلوع ودفن هوياتهم وهم أحياء ضمن سياسة المقابر الجماعية، وهذه المرة لهويات هؤلاء الأطفال. وتحتاج الدولة السورية الجديدة إمكانات مادية وتقنية وبشرية هائلة لتحقيق تقدم في هذا الملف الشائك.
سوريا تتبنى مفهوم الأمن الجماعي بعيدا عن التجاذبات والتحالفات العسكرية
سوريا تتبنى مفهوم الأمن الجماعي بعيدا عن التجاذبات والتحالفات العسكرية
صحيفة الثورة السورية
|
6:31 صباحًا
|
15/02/2026
الثورة السورية – علي إسماعيل
قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك إن مشاركة سوريا في اجتماع التحالف الدولي ضد داعش في الرياض تمثل فصلا جديدا في الأمن الجماعي.
واستضافت المملكة العربية السعودية، في 9 شباط الجاري، اجتماعا لكبار المسؤولين الدبلوماسيين والدفاعيين من المجموعة المصغرة للتحالف الدولي لهزيمة داعش، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني برفقة رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حيث أكد المشاركون التزامهم المشترك بدعم سوريا والعراق في جهود مكافحة التنظيم، كما رحبوا بانضمام الحكومة السورية كعضو رقم 90 في التحالف.
وبحسب خبراء دوليين، فإن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، في ضوء التصريحات التي اعتبرته فصلا جديدا في الأمن الجماعي، يعكس تحولا في طبيعة المقاربات الأمنية في المنطقة، وبدلا من الانخراط في أحلاف عسكرية قائمة على الاستقطاب والتنافس، يبرز الأمن الجماعي كإطار أكثر شمولا ومرونة لمعالجة التهديدات المشتركة.
غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهنا بتوافر الإرادة السياسية، وإصلاح الاختلالات البنيوية في النظام الدولي، وضمان توزيع عادل للأعباء والمسؤوليات، حيث إن مستقبل الاستقرار الدولي لن يبنى على منطق الأحلاف المغلقة، بل على التعاون الجماعي القائم على إدراك أن أمن كل دولة هو جزء لا يتجزأ من أمن الجميع.
وفي 2 تشرين الثاني 2025 أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن سوريا تجاوزت مرحلة الاستقطاب السياسي، وتسعى اليوم لتكون منصة فاعلة للحوار والتعاون الإقليمي، موضحا أن السياسة الخارجية السورية تنطلق من مبدأ الانفتاح المتوازن وبناء الجسور مع الجميع، في إطار رؤية جديدة تهدف إلى تعزيز الاستقرار والشراكة الإقليمية.
وفي حديثه للإخبارية السورية في 18 تشرين الثاني، جدد الوزير الشيباني إطلاق سوريا سياسة خارجية بعيدة عن الاستقطاب، مؤكدا ابتعاد سوريا عن أي محور أو أي حالة عداء مع أي دولة.
مفهوم الأمن الجماعي بين الحلف والتحالف
وفق الموسوعة القانونية المتخصصة، فقد تعددت تعريفات مصطلح الأمن الجماعي، فهو نظام تعتمد فيه الدول في حماية حقوقها إذا ما تعرضت لخطر خارجي ليس على وسائلها الدفاعية الخاصة أو مساعدة حلفائها، وإنما على أساس من التضامن والتعاون الدولي المتمثل في تنظيم دولي مزود بالوسائل الكافية والفعالة لتحقيق هذه الحماية.
وبالإجمال، فإن معظم التعريفات تؤكد أن الأمن الجماعي هو النظام الذي يهدف إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين عن طريق تكاتف الدول المحبة للسلام، وذلك في إطار تنظيم دولي، للوقوف في وجه أي دولة تلجأ إلى انتهاك هذا السلم أو تعمل على تهديده، واتخاذ الإجراءات الجماعية التي تؤدي إلى الحد من هذه الانتهاكات.
أما على المستوى الإقليمي، فقد تضمنت مواثيق إنشاء العديد من المنظمات الإقليمية تأكيد الالتزام بمتطلبات الأمن الجماعي الدولي والسعي إلى صياغة منظومة أمن جماعي إقليمي خاصة بها، وهذا ما نجده، على سبيل المثال، في ميثاق جامعة الدول العربية، التي أكدت في المادة الخامسة منه تحريم اللجوء إلى القوة وضرورة فض المنازعات بالطرق السلمية، ثم تبنت في المادة السادسة مبدأ الدفاع المشترك، فخولت مجلس الجامعة أن يتخذ التدابير السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية التي يراها لازمة لدفع العدوان الذي يقع على أحد الأعضاء، وهو ما تم ترسيخه بموجب المادة الثانية من معاهدة الدفاع المشترك التي أبرمتها دول الجامعة في العام 1950. لذلك فإن الأمن الجماعي يقول إن أمن الدول مترابط ويستوجب تعاونا دوليا مشتركا، أما الأحلاف العسكرية فتعكس التنافسية، وغالبا توجه القوة ضد طرف محدد.
وفي هذا السياق يقول الدكتور طلال عبد المعطي مصطفى، أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق وباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية السورية، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “يشكل إعلان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك أن مشاركة سوريا في اجتماع التحالف الدولي ضد داعش في الرياض تمثل “فصلا جديدا في الأمن الجماعي” مؤشرا على تحول في مقاربة التعامل مع الملف السوري ضمن الإطار الدولي، وخطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز البعد العملياتي لمحاربة التنظيم، لتلامس جوهر مفهوم الأمن الجماعي بوصفه بديلا عن منطق الأحلاف العسكرية والاستقطابات الحادة، ومشاركة دمشق تبدو تعبيرا واقعيا عن إعادة تموضع ضمن منظومة أمنية جماعية تسعى إلى معالجة تهديد عابر للحدود، بعيدا عن الاصطفافات التقليدية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة”.
ويضيف: إن الأمن الجماعي لا يوجه ضد دولة بعينها، بل ضد سلوك أو تهديد محدد، مثل الإرهاب أو انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهو يسعى إلى احتواء التهديدات قبل تفاقمها، ويؤكد على المسؤولية المشتركة في حفظ السلم الدولي. وعلى النقيض، تعكس الأحلاف العسكرية منطق التنافسية والصراع بين القوى الكبرى، فهي تقوم على اتفاق بين مجموعة دول للدفاع المشترك في حال تعرض إحداها لعدوان من طرف خارجي محدد أو محتمل. وتاريخيا، سادت هذه الأحلاف قبل الحرب العالمية الثانية، ثم تجددت بصيغ مختلفة خلال الحرب الباردة، حيث انقسم العالم إلى معسكرين رئيسيين.
ويتابع بالقول: إن الأحلاف العسكرية بطبيعتها إقصائية، إذ تفترض وجود “عدو” أو خصم استراتيجي، وغالبا ما تؤدي إلى سباق تسلح وتعميق الاستقطاب، أما التحالفات ضمن إطار الأمن الجماعي فهي أكثر مرونة وأقل أيديولوجية، وتركز على معالجة تهديدات مشتركة لا ترتبط بالضرورة بصراع بين دول.
ويشير مصطفى إلى أن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد داعش يمكن قراءته باعتباره “انتقالا من حالة التموضع ضمن محاور سياسية وعسكرية متنافسة إلى الانخراط في إطار أوسع يهدف إلى مكافحة تهديد مشترك، فتنظيم داعش، بوصفه فاعلا غير دولتي عابرا للحدود، يفرض مقاربة جماعية لا يمكن لدولة منفردة احتواؤه، وعليه فإن مشاركة سوريا في هذا الإطار تعكس فهما متقدما لمفهوم الأمن الجماعي، حيث يصبح التعاون ضرورة عملية تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية والتحالفات التقليدية”.
تطور المفاهيم والأدوات: من الأمن العسكري إلى الأمن الشامل
إن مفهوم الأمن الجماعي لم يظهر فجأة كنظام على صعيد العلاقات الدولية، إنما هو سلسلة تطور لفكرته منذ العصور القديمة. وبحسب ما جاء في الموسوعة السياسية، فإن الشعوب المتجاورة التي تقوم بشن حروب على بعضها البعض تعمل على عقد تحالفات ومعاهدات لإنهاء الحروب فيما بينها، ولكن في الوقت عينه بقيت تسيطر فكرة الحق للأقوى على علاقاتهم. حيث تطورت فيما بعد في العصور الوسطى، وظهرت فكرة الإصلاح الديني، مما أدى إلى نشوب حروب أوروبية استمرت لمدة ثلاثين عاما، مما نتج عنها معاهدة وستفاليا في العام 1648 التي أنهتها.
ووضعت هذه المعاهدة القواعد والأسس لتحقيق الأمن للدول الأعضاء في المجتمع الدولي على أساس جماعي، ومن ثم اتخذت العلاقات الدولية بعدها توجها نحو التعاون والمشاركة بدلا من السيطرة والإخضاع. وقامت معاهدة وستفاليا على أهم هذه القواعد التي تتمثل باجتماع الدول للتشاور وحل مشاكلها على أساس المصلحة المشتركة، وإقرار المساواة بين الدول، وإرساء العلاقات على أساس ثابت بإقامة سفارات دائمة لديها، واعتماد فكرة التوازن الدولي أساسا للحفاظ على السلم وردع المعتدي.
وفي العصور الحديثة قامت على التوالي مجموعة من المعاهدات مثل معاهدة أوتراخت في العام 1713، وبعدها مؤتمر فيينا لعام 1815، إلا أنه تعمق مفهوم الأمن الجماعي بصورته الحالية بعد مبادئ ويلسون الأربعة عشر وانتهاء الحرب العالمية الأولى وتشكيل عصبة الأمم بعد مؤتمر فرساي. وتم الاتفاق على تشكيل عصبة الأمم في العام 1919 لتكون مهمتها الأساسية الحفاظ على السلام العالمي بعد المآسي التي شهدها العالم إبان الحرب، وقد كانت عصبة الأمم أول جهاز، أي تنظيم دولي، اتفق عليه من أجل مقتضيات الأمن الجماعي وتحقيقا للسلام.
ولكن على الرغم من نجاح عصبة الأمم باعتبارها أول تنظيم دولي ومحاولتها تحقيق التعاون بين الدول، إلا أنها فشلت في تحقيق الأمن الجماعي، إذ إنها لم تتمكن من منع اندلاع حرب عالمية ثانية بسبب عجزها عن حل الأزمات.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، اتفق على أن تكون الأمم المتحدة هي المنظمة الدولية التي يقع على عاتقها حفظ السلم والأمن الدوليين، وقد تضمن “ميثاق الأمم المتحدة العديد من المبادئ العامة والقواعد التي تحدد صلاحيات المنظمة وسلطتها تجاه الدول الأعضاء وتنظم سلوك هذه الدول فيما بينها”.
وفي هذا السياق يقول مصطفى: “إن مفهوم الأمن الجماعي شهد تطورا ملحوظا، ففي البداية كان التركيز منصبا على الردع العسكري ومنع العدوان بين الدول، غير أن التحولات الدولية، ولا سيما بعد نهاية الحرب الباردة، أدت إلى توسيع مفهوم الأمن ليشمل أبعادا جديدة، حيث تطور من الأمن العسكري إلى الأمن الشامل، أي التحول من الأمن الصلب إلى الأمن المتعدد الأبعاد، وأصبح يشمل اليوم مجالات متعددة، منها الأمن السيبراني في ظل تصاعد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، والأمن البيئي مع تزايد تأثيرات التغير المناخي والكوارث الطبيعية، والأمن الصحي كما أبرزته جائحة كوفيد-19 التي أظهرت ترابط الأمن الصحي العالمي، والأمن الاقتصادي والغذائي نتيجة الأزمات المالية واضطرابات سلاسل الإمداد”.
ويتابع بالقول: “إن هذا التوسع يعكس إدراكا بأن التهديدات المعاصرة عابرة للحدود ومتداخلة، ما يفرض أدوات جماعية مرنة ومتعددة المستويات، حيث لم يعد الأمن الجماعي مقتصرا على استخدام القوة العسكرية، بل بات يشمل أدوات مثل الدبلوماسية الوقائية لمنع نشوب النزاعات، والعقوبات الدولية كوسيلة ضغط دون اللجوء إلى الحرب، وعمليات حفظ السلام لدعم الاستقرار بعد النزاعات، وبرامج إعادة الإعمار والتنمية لمعالجة جذور التطرف وعدم الاستقرار. وفي الحالة السورية فإن الانخراط في التحالف ضد داعش يمكن أن يشكل مدخلا لتوسيع التعاون ليشمل إعادة الإعمار ومكافحة التطرف وتعزيز الاستقرار المحلي، بما يتوافق مع مقاربة الأمن الشامل”.
تحديات الأمن الجماعي على المستوى الدولي
معظم التحديات الكبرى التي تواجه جهود الأمن الجماعي تبدأ من ضعف الإرادة السياسية، وخاصة لدى الدول الكبرى، واستفرادها بحق النقض والاستخدام المفرط له، وصولا إلى التحديات المالية.
وفي سياق ارتباط الأمم المتحدة بهذه المسؤولية، فإن أبرز التحديات هي إعطاء حق النقض للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، مما يعني أن أي قرار يتعلق بالإجراءات الدفاعية أو بالعقوبات أو تجاه أي عدوان يقوم به المعتدي مرتهن بإجماع الدول الخمس، مما يؤدي إلى عدم إصدار قرارات نتيجة عدم التوافق.
ويقول العالم السياسي والأكاديمي الأميركي البارز إينيس لكلود في هذا الصدد: “إن السلطة الواسعة المخولة لمجلس الأمن في اتخاذ القرارات تتناقض كليا مع مقتضيات الأمن الجماعي”.
وبحسب الموسوعة العربية لمحمد عزيز شكري، فإن النقص في استكمال العمل بالأجهزة المرتبطة بنظام الأمن الجماعي، المنصوص عليها ضمن المادة 43 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على وضع الدول الأعضاء ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات تحت تصرف مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدولي، يعد من أبرز عوامل فشل الأمن الجماعي.
وهنا يرى مصطفى في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أنه رغم الطابع المثالي لمفهوم الأمن الجماعي، إلا أن تطبيقه يصطدم بواقع النظام الدولي القائم على سيادة الدول وتباين مصالحها، فكثيرا ما تتردد الدول الكبرى في الالتزام الكامل بمسؤولياتها الجماعية إذا تعارضت مع مصالحها الاستراتيجية، وفي أزمات متعددة برز التباين في المواقف بين القوى الكبرى، ما أدى إلى شلل في المؤسسات الدولية وأضعف فعالية منظومة الأمن الجماعي.
ويضيف بالقول: “يعد حق النقض في مجلس الأمن أحد أبرز التحديات البنيوية، فالاستخدام المفرط أو الانتقائي للفيتو من قبل الدول دائمة العضوية يؤدي إلى تعطيل قرارات حاسمة تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، وهذا الواقع يخلق فجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية ويقوض الثقة في فعالية النظام الدولي”.
ويتابع بالقول: “تعتمد عمليات حفظ السلام وبرامج إعادة الإعمار على تمويل دولي مستدام. غير أن الأزمات الاقتصادية العالمية وتراجع الالتزامات المالية لبعض الدول يحدان من قدرة الأمم المتحدة والتحالفات الدولية على تنفيذ مهامها بكفاءة، كما أن توزيع الأعباء بشكل غير متوازن يثير تساؤلات حول العدالة والمسؤولية المشتركة، ما قد يؤثر على استمرارية الالتزام الجماعي”.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.