في 18 من آذار/مارس، مرت الذكرى الخامسة عشرة للثورة وفقاً للتقويم الرسمي، ولاحظ كثيرون الفارق بين الاحتفال الضخم بذكرى النصر، وبين الاحتفال الباهت بذكرى اندلاع الثورة، وقُرئَ الأمر تارة على أنه إهمال متعمد لنسيان الثورة التي صنعها الشعب، واهتمام بما صنعته هيئة تحرير الشام مع شركائها من القوى العسكرية الثورية، ما يبدو أنه تنافس بين تاريخين وسرديتين، وتارة قُرئ على أنه ازدحام للمناسبات المتتالية التي اجتمعت بين ذكرى الثورة وعيد الأم وعيد الفطر.

انطلاقاً من ذلك، أناقش هنا أمراً يحظى بالاهتمام في الدراسات الخاصة بالذاكرة، أحد الموضوعات الرئيسية في أدبيات واسعة في العلوم الاجتماعية والتاريخ في حقل دراسات الذاكرة، وهو نشوء سرديات منافسة، من خلال نشوء ما يمكن تسميته بالذاكرة الموازية أو التاريخ الموازي، وما أعنيه بالتاريخ الموازي باختصار أنه تاريخ ينشأ على حافة التاريخ الرسمي حين لا تستوعب السردية الرسمية الذاكرة أو التاريخ الوطني كاملاً، وتفصل السردية لجزء من هذا التاريخ، حينها تبدأ تتشكل سرديتان، إحداهما رسمية، والأخرى مضادة.

في حين تعمل السردية الرسمية على تعزيز الشرعية، فإن السردية المنافسة والمضادة تعمل على نزع الشرعية. وأن تكون واحدة من السرديتين المتنافستين هي المهيمنة يخضع للعديد من العوامل. ومع ذلك فإن السردية المنافسة ستبقى مؤثرة ومستمرة في السعي للوصول إلى موقع الهيمنة.

الفاعل الرئيسي في نشوء السرديات المضادة هو التهميش السياسي الذي يحفز الجماعات المهمّشة أو المعارضة للتشكيك في الرواية الرسمية، وإعادة تأويل الأحداث بهدف المشاركة في السلطة أو تقويضها، هذا مسار طبيعي لديناميات الذاكرة الوطنية. لا أتحدث هنا عن السرديات الفرعية التي تخص فئات اجتماعية تنتمي للأقليات الدينية أو العرقية، إنما أتحدث هنا عن سردية عابرة للانتماءات يمكن أن تتشكل كسردية منافسة للسردية الرسمية، في حين أن السرديات الفرعية المضادة لا تكون في العادة منافسة إلا في مجتمعاتها المحدودة.

الذاكرة المضادة إذا هي مصدر سردية بديلة تُستخدم لمقاومة الخطاب الرسمي، والتشكيك في شرعيته، وعلى المستوى النفسي تنشأ السرديات المضادة كآلية دفاع رمزي ضد الإقصاء والتهميش والاستبعاد والإنكار، ولكنها أيضاً تصبح أداة سياسية، ولا يشعر غالباً الموجودون في مركز السلطة بتأثير ذلك التهميش والإقصاء، إما بسبب سوء التقدير أو بسبب نقص الخبرة أو بسبب نقص المعلومة. وغالباً ما يؤدي التقليل من تداعيات التهميش إلى ردود فعل غير متوقعة، تحفزها سردية مضادة.

صحيح أنه في المجتمعات المتعددة الخارجة للتو من صراع مدمر لا يمكن لسردية واحدة أن تستوعب كل التجارب والسرديات الفرعية، ولكن يمكن لسياسات الذاكرة الوطنية أن تعمل على استيعاب أكبر قدر من السرديات الفرعية بوجود قدر من النسيان المتعمد والمتفاوض عليه من أجل المستقبل. لا توجد ذاكرة وطنية دون شراكة المجتمع بجميع مكوناته، لأن السردية الوطنية إذا لم تكن محل توافق فستؤسس للسردية المضادة، والتهميش يبدأ من الإنكار والإغفال في السردية وينتهي بالإقصاء من المشاركة السياسية.

تشكيل تاريخ موازي، وبالتالي سردية مضادة منافسة للسردية الرسمية، يعني أن الصراع السياسي بدأ للتو، فهي بمنزلة إشارة بدء، لأن الذاكرة أداة سياسية، وهي إحدى أقوى الأدوات السياسية في الصراع، وأقول الصراع، لأن السردية الموازية هي سردية تستهدف تقويض شرعية الحكم، ومن السهل في ظل تكنولوجيا الاتصالات والذكاء الصناعي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بناء شبكات للسردية، وألا تكون أساساً ممكنة المراقبة والاحتواء.

التاريخ الموازي يبنى عبر القصص اليومية والشخصية، والفردية والشهادات المحلية، وبالطبع الدلائل المستقاة من أخطاء صانعي القرار في مراكز السلطة.

من منظور سياسي، إذا كنت في موقع صانع القرار، فسأرى في نشوء السردية المنافسة ظاهرة خطيرة، صحيح أن الباحثين في دراسات التاريخ والذاكرة لا يعتبرونها ظاهرة سلبية، بل يرونها تقوم بوظيفة إيجابية، إذ تمنع احتكار الحقيقة، وتكشف مناطق الصمت في السردية الرسمبة، وتعزز التفكير النقدي، ومع ذلك يقرون بأنها تحمل مخاطر تفكك الهوية الوطنية، واستدامة الصراع الرمزي، وإنتاج “حقائق” متوازية غير قابلة للتوفيق، روايات متناقضة لنفس الحدث، باختصار استدامة الصراع على الشرعية وعدم الاستقرار.

مرة أخرى، وحتى لا يقع الخلط بين الذاكرة المنافسة والذواكر الفرعية، إن وجود ذواكر فرعية أمر لا مناص منه، حتى لو كانت مضادة للسردية المهيمنة، ولكن وجود سردية لديها القدرة على المنافسة قد يكون من طبيعة ديناميات الذاكرة إلا أنه ظاهرة خطيرة، تنشأ حين تفشل السردية الرسمية في تثبيت مصداقيتها وتتحول إلى أداة إقصاء. لا يوجد أوضح من مثال سردية الثورة السورية في مواجهة سردية نظام الأسد، كسردية منافسة قوضت شرعية النظام.

كلما أصبح التاريخ الموازي منطقياً ومستنداً إلى حقائق فعلية، كلما منح السردية فرصة أكبر لتكون سردية قوية في التنافس، وبطبيعة الحال تتغير قوة السردية وقدرتها على المنافسة، يتوقف الأمر على مدى تماسكها الداخلي (غياب التناقضات الكبرى) وتأسيسها الكرونولوجي المنطقي ووضوح التسلسل الزمني، والانتشار (جغرافياً، وفي المجتمع والخطاب الإعلامي وأوساط النخبة والقيادات المدنية)، وقدرتها على الإقناع (وجود حبكة تفسيرية مقنعة) والاستمرارية، وقدرتها على التأثير في السلوك والمؤسسات، ومدى تقاطعها وتعارضها مع الذاكرة الوطنية والأحداث التي تكون محل إجماع.

في لحظة معينة، يمكن أن تصل السردية المنافسة المبنية على التاريخ الموازي إلى قدرة تعبوية عالية تدفع الأفراد إلى الفعل، قد يأخذ شكل المشاركة السياسية القوية في أنظمة ديمقراطية، لأن قنوات التعبير السياسي مفتوحة، ولكنها قد تأخذ شكلاً عنيفاً وتدفع تعبئتها للاستعداد للتضحية، والتحول إلى سلوك جماعي (احتجاج، قتال أو غيره).

الواقع أن هناك آليات قياس عملية لقوة السردية وضعفها، تقوم بها الحكومات ومراكز الأبحاث عادة، ويمكن تطبيق النموذج عبر تحليل الخطاب الإعلامي وخطابات السياسيين، والخطاب في وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر استطلاعات الرأي، وتحليل الشبكات، ولا تزال سوريا تفتقر إلى هذا النوع من البحوث ومراكزها.

عودة إلى النقاش الرئيسي، فالتاريخ الموازي هو تاريخ حقيقي تم تجاهله أو تناسيه أو تجنب التعامل معه بالرغم من الاعتراف فيه، وهذا ما يجب ألا يحصل. هناك جزء من السلوك الحكومي لصانعي القرار في المستويات المختلفة يمكن أن يقوي مسار التاريخ الموازي وتشكيل السردية المضادة.

يمكن الإشارة هنا إلى القرارات التي أصدرها المحافظون في دمشق واللاذقية وحمص والتي أثارت رأي قطاع واسع من السوريين، وهي تزود السردية المضادة بالوقائع اللازمة. والواقع أن بعض المسؤولين لا يدرك الخطورة السياسية لما يفعلونه، والنتائج البعيدة التي تترتب على قراراتهم، وكيف يسهمون في بناء سردية مناهضة يبدو أنها تقوى مع تراكم الأخطاء.

ومع التغير الملحوظ للمزاج العام حيال القضايا الداخلية بدءاً من مطلع العام، يجب الحذر من أن الاستمرار في تجاهل بناء التوافقات على القضايا التأسيسية في الدولة سيسرع من بناء السردية المضادة ويحولها إلى سردية منافسة وربما مهيمنة في وقت قياسي.

صحيفة الثورة السورية