سقط نظام الأسد الوحشي الذي كان يعتمد على الفساد كنظام ضبط وسيطرة، وبعد سقوطه تم إدماج منظومة متحكمين جدد في الإدارات الحكومية لضمان السيطرة على المؤسسات وضمان استمرارها في تأدية الخدمات. في البداية توقف الفساد تماماً، مع انتشار الذعر في شبكات الفساد والإدارة القديمة، وصرامة واضحة في المعينين الجدد، لكن لم تمض أشهر قليلة حتى بدأت شبكات الفساد للعودة تدريجياً والنشاط من جديد.
ليست هذه حالة فريدة خاصة بسوريا، فجميع الدول التي شهدت انتقالاً سياسياً شبيهاً عانت من هذه المشكلة، حيث يظل الفساد الهيكلي أو البنيوي حياً حتى بعد رحيل الرأس المدبر. لا شك أن معالجة مثل هذه المشكلة تحتاج إلى خبراء سياسيين واقتصاديين وإداريين في الحد الأدنى، وتحتاج إلى الاستئناس بتجارب الدول في مواجهة هذه المشكلة في المرحلة الانتقالية.
وباستثناء الخطوات الإصلاحية الضرورية في أجهزة الرقابة والقضاء، فإن الإصلاح الهيكلي والمؤسسي وتغيير النظام الإداري الذي يسمح بالفساد، والتركيز على المستوى الأعلى في الإدارات، والمستوى الأدنى، المتمثل في النافذة الأخيرة في الدوائر الحكومية لتقديم الخدمات بتماس مباشر مع المواطنين، هو أمر لا مفر منه.
تتطلب المعالجة بطبيعة الحال تفكيك البيروقراطية المعقدة، لأن الفساد يزدهر في الإجراءات الطويلة، وسوريا لديها نظام بيروقراطي قديم ومصمم لإنتاج الفساد، وتمثل الحوكمة الإلكترونية أداة شديدة الأهمية هنا، بالإضافة إلى فرض قواعد تضمن الشفافية وحق الوصول إلى المعلومة. هذه إجراءات ضرورية وتقليدية في المرحلة الانتقالية.
من جهة أخرى، لا بد من توسيع تطبيق برنامج العدالة الانتقالية ليشمل المحاسبة على الفساد الكبير الذي كان يديره نافذون ورجال أعمال مقربون من النظام القديم أو شركاء له، لأنه ضروري لكسر ثقافة الإفلات من العقاب، بالتوازي طبعاً مع العمل على استرداد الأموال المنهوبة، وتشكيل لجان وطنية متخصصة قانونياً وفنياً لتتبع الأموال المهربة في الداخل والخارج والشفافية في إعلانها للشعب.
أما الإجراء الجراحي اللازم فهو تطبيق العزل السياسي والإداري، في حين يستهدف العزل السياسي الطبقة العليا من صناع القرار والقيادات الحزبية في النظام القديم، لقطع الرؤوس المدبرة، بحيث يكسر التخادم ويجرد شبكات الفساد من حمايتها ويجعلها مكشوفة أمام القانون، يستهدف العزل الإداري المستويات الوسيطة والتنفيذية في مؤسسات الدولة، وتطهير العُقد البيروقراطية.
فالفساد غالباً ما يسكن في مفاصل الإدارة (مدراء المكاتب، رؤساء الأقسام، موظف النافذة الأخيرة). ولكن يمكن أن يؤدي العزل، إذا كان واسعاً وغير دقيق، إلى نتائج عكسية، مثل فقد الكفاءات من الموظفين التكنوقراط، ما يؤدي إلى ضعف الخدمات الأساسية للمؤسسات الحكومية قبل أن تستطيع تدريب بديل عنهم، ولذلك يوصى بالعزل التدريجي.
من الواضح أن الحكومة السورية لم تقم بعزل إداري واسع وعميق في جميع أجهزة الدولة منذ البداية، فقد كان الهاجس لها هو تفادي أن يؤدي العزل الإداري إلى تعطيل الدولة، لكن الذي حصل أن معظم مؤسسات الدولة لم تستطع الحفاظ على التوازن بين تطهير المؤسسات وبين استمرارية الخدمات، فأبقت معظم المؤسسات كما هي دون تغيير، باستثناء مدراء الإدارات العليا، والمناصب ذات الاحتكاك المالي والقضائي. ونتيجة لذلك تزاوجت الشبكات في المراتب الإدارية الوسيطة والدنيا التي بقيت على حالها عموماً مع الموظفين الإداريين الجدد وبدأت تعيد إنتاج نفسها.
وإذا كانت شبكات الفساد الكبير قد تضررت كثيراً بفعل التغييرات، فإن شبكات الفساد في المستويات الدنيا التي تعمل بمكاسب ومنافع تتعلق مباشرة بمواقعها الإدارية لا تزال قائمة، وهي الأكثر تأثيراً على الحكومة في المرحلة الانتقالية، فغالباً ما يكوّن الموظفون في النافذة الأخيرة، التي تكون نافذة التماس مع المواطنين، شبكة فساد قائمة بذاتها وتعمل بدون إدارة عليا، مؤلفة من أفراد فاسدين بفعل الثقافة المتوارثة من النظام السابق.
ولأن هذا النوع من الفساد يمس حياة المواطن اليومية، ومواجهته أصعب لأنه لا يتحرك بأوامر من الأعلى، فلا ينفع العزل السياسي والإداري أو الملاحقات القانونية في تعطيله، ويحتاج إلى بناء إستراتيجيات لتفكيك محفزاته.
يعول عادة على حلول الأتمتة للإجراءات الإدارية، لأنها تقطع التماس المباشر، أو تخفضه إلى مستويات دنيا، حيث لا يعرف الموظف هوية صاحب المعاملة، ولا يعرف المواطن من هو الذي يراجع أوراقه، ما يكسر العلاقة الشخصية التي ينمو فيها الفساد، وبالمثل؛ تطبيق نظام النافذة الواحدة المبني على فصل مكان تقديم الطلب عن مكان معالجته. فالموظف الذي يستلم أوراق المعاملة ليس هو من يوقع عليها.
كما يساعد تدوير الموظفين ونقلهم بشكل دوري بين الأقسام والفروع والمناطق إلى إضعاف بيئة الفساد، فشبكات الفساد الصغرى تحتاج زمناً لتبني الثقة بين أفرادها، والتدوير المستمر يحرمها من ذلك. ولأن الفساد ينمو في ثنايا التعقيد المفتعل والإجراءات الطويلة، فإن تبسيط الإجراءات يقلل من فرص الفساد، لأن كل توقيع إضافي هو فرصة لطلب رشوة، والأمر نفسه يمكن قوله في وضوح التعليمات وتجنب النصوص الغامضة والقابلة لتأويلات متشددة تساعد الموظفين الفاسدين على استثمار هذا الغموض وابتزاز المراجعين، كما تساعد الناقمين على العهد الجديد على تعطيل أجهزة الدولة وتأليب المجتمع ضدها.
يبرر الموظفون الصغار عموماً فسادهم بضعف الرواتب، وهناك اعتقاد سائد لدى الباحثين أنه لا يمكن محاربة الفساد الصغير إذا كان موظف الدولة يعيش تحت خط الفقر، وبالتالي يجب أن يتزامن الإصلاح الإداري مع سلم رواتب عادل يرفع كلفة المخاطرة بالوظيفة.
يتفشى الفساد الصغير أيضاً عندما تكون له حاضنة اجتماعية تتعاطف معه وتبرره. ينظر المجتمع للموظف المرتشي ذي الراتب الضعيف كشخص مظلوم يدبر أموره، وأن الفساد عمل اضطراري، ويتطلب تحويلها من عمل اضطراري إلى سرقة صريحة وابتزاز غير مبرر توفير الأجر الكافي. ورغم ذلك، تشير تجارب بلدان عدة إلى أن الأجر الكافي ضروري لكنه غير كافٍ، فقد يتطور فساد الموظف من فساد مبني على الحاجة إلى فساد الجشع والسعي للثراء السريع.
وإذا كانت الدولة لا تملك قدرة على منح الأجر الكافي، كما هو حالنا اليوم، فإن ما قد يكون عليها فعله لتجنب أن يصبح الفساد آفة مستعصية هو اتباع استراتيجية لا تهدف إلى اجتثاث الفساد الصغير وإنما إلى احتوائه، لمنع تحوله إلى منظومة سياسية تبتلع الدولة، أو توطنه وترسخه في أجهزتها، وهذا يتطلب نمطاً مختلفاً وغير تقليدي من الإجراءات في مكافحة الفساد، قد يكون مثلاً تحويل الرشوة إلى الرسوم وصرفها لتكون حوافز.
فإذا كان المواطن يدفع رشوة على شكل مبالغ إضافية من “تحت الطاولة”، يمكن للدولة نقلها إلى “فوق الطاولة” عبر تحويلها إلى رسوم خدمة سريعة قانونية مثلاً، وتحويلها إلى صندوق الحوافز للموظفين، يوزع عليهم بناءً على عدد المعاملات المنجزة والشكاوى أو بمعايير أداء أخرى. المواطن هنا يدفع للدولة بدلاً من الموظف، ويحصل الموظف على دخل إضافي قانوني يشعره بالتقدير، والدولة ترسخ القانون.
تملك الدولة أيضاً ورقة المزايا غير النقدية التي يمكن أن تكون مفيدة، مثل التأمين الصحي، أو اشتراكات النقل المجانية للموظفين، هذه المزايا هي أقل تكلفة على ميزانية الدولة من رفع الرواتب النقدية، وتوفر أماناً معيشياً نسبياً للموظف يقلل من حاجته للرشوة.
يمكن في هذه الإستراتيجية التركيز على القطاعات الحيوية، واختيار أربعة قطاعات يهدد الفساد فيها أسس الدولة، مثل الأمن، الاقتصاد وهيئات الاستثمار، والقضاء، والمالية، وتوفير الأجر الكافي للموظفين فيها، إذ يساعد تحديد قطاعات قليلة ورئيسية على تركيز الموارد، بحيث إذا وفر لموظفي هذه القطاعات أجراً كافياً أو حوافز عالية، وطبق عليهم رقابة قوية، فإن إمكانية توطين الفساد في اجهزة الدولة تصبح أقل، ويمكن السيطرة عليها في القطاعات الأخرى مع تزايد موارد الدولة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.