ليس بالضرورة أن يقدم التفاوض حلولاً طويلة الأمد، وما أكثر الخروقات التي تنقض ما تمّ الاتفاق عليه، كما وليس بالضرورة أنّ يرضي التفاوض كآفة الأطراف المتنازعة، لأنّ المعروف عن التفاوض بأنّه عملية يمكن من خلالها حل النزاعات أو تسوية المعاملات والملفات السياسية العالقة والمتأزمة، وتكون إمّا بين الجماعات غير الرسمية، أو بين الدول، أو حتى بين الأنظمة الحاكمة والأحزاب المعارضة. تُبرم معظم الاتفاقيات في فترة حرجة تشهدها المرحلة الراهنة، لذلك تبقى (الاتفاقيات) مرهونةً بعامل الزمن من جهة، وبمدى الالتزام بتنفيذ البنود المنصوصة من جهة أخرى، وهذا ما نراه في اتفاقيات التهدئة أو التسوية، كما حصل في القضيّة السورية، حيث لم يلتزم نظام الأسد وحلفاؤه بالاتفاقيّات المعنيّة بالجنوب السوري “مدينة درعا” أي لم يلتزم نظام الأسد بشروط التّسوية التي اتفق فيها مع الفصائل العسكريّة عبر الممثلين والوسطاء من أعضاء اللجنة المركزية وبموجب الرعاية الروسيّة.
أصبح الوضع معقداً في الجنوب السوري (درعا) بعد عقد اتفاق التسوية عام 2018 الذي قضى بعودة السلطة الأمنيّة والعسكرية للنظام السوري وروسيا، وفتح باب الترحيل نحو الشمال السوري (إدلب)، ومنذ ذلك الحين لم تستقر الأوضاع في درعا، لأنّ حوادث القتل والاغتيالات مازالت تتوارد، إلى جانب استمرار اقتتال الفصائل والألوية المحسوبة على عدّة جهات معارضة وموالية (لنظام الأسد وروسيا وإيران)، ويرجع سبب الفوضى الأمنيّة إلى عدم التزام النظام السوري وروسيا باتفاق 2018 الذي تمثّل بالاعتقالات والملاحقات الأمنيّة والمضايقات المتكررة لأهالي درعا، مما تسبب بموجة غضب عارمة بين الأهالي، فانتفض معظمهم يهدد نظام الأسد بالرجوع إلى ثورة 2011.
الدور الروسي في اتفاق التّسوية:
يعتبر الدور الروسي أو الرعاية الروسيّة للاتفاق الذي جرى بين فصائل درعا والنظام من الأخطاء الفادحة، لأنّ روسيا عدو محتل، وطرف في الأزمة السوريّة، تدخلت لأجل حماية نظام مجرم فاقد للشرعيّة. وما قبول الفصائل العسكرية لضمانة روسيا إلّا خنجر جديد في جسد الثورة، خصوصاً وأن الفصائل في الشمال السوري قد سبقت درعا بهذه الضمانات، فعلى الرغم من وجود الضامن التركي إلّا أنّ القصف مازال مستمراً على إدلب وأرياف حلب، فكيف بدرعا التي ليس لها ضامن سوى المحتل الروسي؟!
يستخدم النظام السوري وروسيا سياسة التعجيز بهدف فرض سيطرة الأسد الكاملة على المدينة. فمع كل جلسة مفاوضات بين الأطراف يوسّع النظام السوري مطالبه بتقديم قائمة بأسماء المطلوبين لديه من أبناء المنطقة، مع طلب سحب أسلحتهم، لكن أهالي درعا يدركون بأنّ مطالب الأسد لن تتوقف عند هذا الحد، لا سيما والتعزيزات العسكرية على أشدّها من قبل النظام، يرافقها حصار المدينة وقصف المخيم وتقدم قوات الأسد نحو طريق السد، لذلك جاءت معركة الكرامة رداً على انتهاك الأسد وميليشياته في ظل الرعاية الروسيّة.
لكن ومع كل ما سلف ذكره يبقى أهالي درعا والفصائل يخوضون مضطرين معركتهم الوجوديّة أمام واقعٍ معقد يفرض أسبابه ومآلاته. لذلك تعد معركة الكرامة ضدّ الأسد وميليشياته معركة كل سوري حر، وبالتالي يقع التقصير على عاتق فصائل الشمال بما فيها الجيش الوطني في عدم فتح معارك ضدّ جبهات النظام، ولا ننسى تقصير كل المؤسسات المحسوبة على الثورة بمؤازرة أهالي درعا، فلا تكفي بعض البيانات الضعيفة والمبادرات الخجولة. درعا لا بدّ لها من مظلة دوليّة تحميها من بطش النظام وروسيا الميليشيات الطائفية الإيرانية.
الحل في سوريا:
في تقرير لمؤسسة RAND الأمريكية صدر عام 2014 ذكرت عدّة سيناريوهات مستقبليّة في سوريا (1. الصراع المطوّل 2. انتصار النظام 3. انهيار النظام 4. التّسوية المتفاوض عليها)، التقرير يرتكز على عوامل المرحلة السابقة أي قبل التّدخل الروسي وعندما كان تنظيم الدولة (داعش) موجود على الأراضي السوريّة، علاوة على ذلك أنّ التقرير ليس دقيقاً كما يجب، ففيه نوعٌ من التشويش عندما ذكر أنّه في حال التّدخل العسكري المباشر من قبل قوات “الناتو” فسيكون من أجل حماية الطائفة العلويّة فقط.
حقيقةً لا يمكن الاعتماد على تقارير تفتقر إلى المصداقيّة في ملفات الشرق الأوسط، لأنّها تقدم الرؤية الغربيّة على أنّها الواقع الذي لا يمكن تجاوزه، وبالتالي تبعد السوريين عن أسباب معاناتهم وآلامهم التي أحدثها نظام الأسد وحلفائه، وعليه يدرك أصحاب القضيّة أهمية مطالبهم ومآلات واقعهم من خلال تجربتهم،.لذلك من الصعب تحديد سيناريوهات الحل في سوريا في ظل تأثير القوى الخارجيّة على الملف السوري، لكن يمكن من خلال توزيع الأدوار الدوليّة الفاعلة أن نفهم مسارات الحل في سوريا بشكل عام.
إسرائيل: تدعم أي نظام أو حزب قادر على حماية الحدود معها بشرط ألّا يمتلك قدرة عسكرية تردع تجاوزاتها (النظام السوري وحزب الله اللبناني).
أمريكا وإسرائيل: كلاهما مع تنفيذ الرؤية الغربيّة في دول الشرق الأوسط، والتي تتمثل بزعزعة أي كيان ممكن أن يهدد مصالح الغرب ولو مستقبلاً، وبالتالي لا تريدان وصول الأكثرية السنيّة الوطنيّة إلى الحكم في سوريا.
روسيا وإيران: متفقتان على تدمير أي مكون يحاول أن ينهي حكم الطائفة العلوية في سوريا وكل منهما له أسبابه وتداعياته. فروسيا تسعى لدور أكبر في البحر المتوسط والتّحكم بملف الغاز في الشرق الأوسط، أمّا إيران فتسعى لاستكمال الهلال الشيعي وإعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسيّة على حساب بلاد العرب.
روسيا وإيران وتركيا: معاً في اتفاقيات (سوتشي _ أستانا)، حيث تتولى تركيا مهمة ضبط مسار الفصائل العسكريّة المعارضة في مقابل الحفاظ على بعض المصالح التركيّة في سوريا وأهمها منع قيام دولة كردية على حدودها.
أخيراً: ليس كل ما تصدره المؤسسات البحثيّة يمكن أن نبني عليه آراءً ذات مصداقيّة وقريبةً من الواقع، لأنّ الغايات البحثيّة تنتقي ما يلائم الطبيعة السياسيّة وما ينبغي أن يكون من منظورها، فالواقع السوري بات إقليمياً ودوليّاً، لذلك لن يكون الحل السياسي محصوراً بدولة أو دولتين، لكن في المقابل هناك مسؤولية كبيرة تقع على السوريين (الأحرار) في الداخل والخارج وهي عدم الانسلاخ عن قضيتهم في محاربة النظام بشتى الإمكانيات المتاحة وأن يكونوا مع كل معركة تستهدف أركان الأسد وعصابته.




Comments are closed for this post.