ليست محاولات عودة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري إلى الحياة السياسية حدثاً لبنانياً صرفاً، بل تبدو اليوم مرتبطة عضوياً بالتحوّل السوري المتسارع، وبإعادة تشكّل ميزان القوى في المشرق بعد سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة في دمشق، وتنامي فكرة التحالف التركي – السعودي – القطري، مع دمشق.
فالخطاب الأخير للحريري لم يكن مجرد استعادة لرمزية 14 شباط في ذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، أو جسّ نبض انتخابي، بل قراءة في لحظة إقليمية جديدة عنوانها، أن دمشق تغيّرت، وبالتالي لا يمكن للبنان أن يبقى على صورته الرثة والهشة.
منذ أسبوعين فقط، وقّع لبنان وسوريا اتفاق التبادل القضائي، في خطوة بدت تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها سياسية بامتياز. الاتفاق أعاد تثبيت قناة رسمية ومؤسساتية بين الدولتين، وأنهى عملياً مرحلة الضبابية التي سادت العلاقة منذ سقوط النظام السابق. هذه الخطوة ليست تفصيلاً، لأنها تؤسس لمرحلة عنوانها إدارة المصالح المشتركة بآليات قانونية واضحة، من ملفات الموقوفين إلى التعاون القضائي والأمني، ما يفتح الباب أمام أشكال أوسع من التنسيق الاقتصادي والإداري، والأهم ملف ضبط الحدود.
والرئيس السوري أحمد الشرع حرص أكثر من مرة على التأكيد أن تعاطي دمشق مع بيروت سيكون “من دولة إلى دولة”، في مسعى واعٍ وعميق لطيّ صفحة الوصاية الأمنية والسياسية التي طبعت حقبة سابقة. لكن هذا التأكيد، وإن كان سيادياً في مضمونه، لا يلغي حقيقة أن التأثير السوري سيبقى عاملاً ثقيلاً في الداخل اللبناني، بحكم الجغرافيا والتداخل الديمغرافي والاقتصادي.
والفارق أن هذا التأثير بات يُقدَّم بوصفه فرصة، فسوريا مع القيادة الوطنية الجديدة، وخاصة مع استعادة جزء مهم من الجغرافيا في الشرق، باتت تسوّق نفسها كممرّ للتجارة والطاقة والتكنولوجيا، كحلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، وهو دور لطالما اعتقد لبنان أنه مؤهل للعبه قبل أن يدخل في سنوات الانكفاء والانهيار، وتحديداً منذ اغتيال الحريري وتسلط الأسد وتغول حزب الله.
في هذا السياق، يكتسب إعلان الحريري أنه على تواصل مع دمشق وأنه ينوي زيارتها دلالة تتجاوز البروتوكول. فهو لم يكتفِ بالإشارة إلى زيارة كانت مقررة وتم إرجاؤها، بل أكد أنه سيعود إليها “طبعاً”. هذا الكلام يعكس إدراكاً بأن العلاقة مع سوريا لم تعد عبئاً سياسياً كما كانت تُقدَّم في مرحلة الصراع مع نظام الأسد، بل باتت جزءاً من معادلة إقليمية جديدة يتعيّن على أي زعيم سنّي وازن أن يتعاطى معها ببراغماتية.
الأهم أن عودة الحريري تتزامن مع شعور سنّي لبناني متنامٍ بأن ما حدث في سوريا يرتبط بهم شعورياً وسياسياً. فالتجربة الجديدة للرئيس الشرع، بما تحمله من خطاب إصلاحي وانفتاح على الغرب وبناء تحالفات عربية متينة، تُقرأ في الشارع السنّي اللبناني بوصفها تحوّلاً نوعياً بعد سنوات من الإقصاء والتهميش الإقليمي. وهذا الشعور لا يعني بالضرورة تطابقاً سياسياً، لكنه يخلق مناخاً جديداً لا يمكن تجاهله في أي حساب انتخابي.
ولا يمكن إغفال مشهد آخر موازٍ، تسابق القوى السياسية اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، لزيارة دمشق والتقاط الصور هناك قبل أشهر من الانتخابات البرلمانية المقبلة. ومشهد الوفود الحزبية والشخصيات التي تحاول التقاطر إلى العاصمة السورية ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على إدراك جماعي بأن دمشق عادت لاعباً مركزياً في المعادلة اللبنانية. الصورة في سوريا باتت تُستخدم كبطاقة اعتماد سياسية، سواء لتأكيد الانفتاح على المرحلة الجديدة أو لإظهار القدرة على التواصل مع القيادة السورية.
ضمن هذا المشهد، يحاول الحريري أن يتموضع بدقة. فهو يرفض أن يكون جزءاً من أي خلاف عربي–عربي أو خليجي كما أشار، ويشدد على “بناء الجسور”، لكنه في الوقت نفسه يلوّح بالاستعداد للمشاركة في الانتخابات، مباشرة أو عبر دعم مرشحين، سعياً إلى تشكيل كتلة قد تتراوح بين 9 و12 نائباً. هذه العودة المحتملة ليست مجرد استعادة مقاعد، بل محاولة لإعادة تنظيم التمثيل السنّي في ظل مرحلة إقليمية تتغير بسرعة.
وإعادة طرحه لتطبيق كامل لاتفاق الطائف، بما في ذلك إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ، تتقاطع مع خطاب سوري جديد يركّز على وحدة الدولة ورفض مشاريع التقسيم والفيدرالية. كأن الحريري يريد أن يقول إن مشروع “لبنان الواحد” الذي دافع عنه والده لا يتعارض مع سوريا موحّدة ومستقرة، بل يتكامل معها في مرحلة ما بعد الأسد، وخاصة في ظل رغبة أطراف أقلوية لبنانية في المراحل الماضية بتسويق فكرة الانفكاك عن الدولة الوطنية.
في الخلاصة، تبدو عودة الحريري مقررة من حيث المبدأ، لكنها مشروطة بإيقاع التحول السوري وبنتائج إعادة التموضع الإقليمي. فلبنان الذي عاش لعقود تحت معادلة “وحدة المسار والمصير” القسرية، يجد نفسه اليوم أمام صيغة مختلفة، دولتان مستقلتان رسمياً، لكن مسارهما السياسي والاقتصادي يتقاطعان في لحظة إعادة رسم خرائط النفوذ.
والانتخابات المقبلة لن تكون فقط اختباراً لأحجام الكتل، بل أيضاً لمدى قدرة القوى اللبنانية – وفي مقدمها الحريري – على قراءة التحول السوري واستثماره دون الوقوع في تبعية جديدة. بين سباق الصورة في دمشق، ومحاولة تثبيت الدولة في بيروت، تتشكل معادلة مرحلة عنوانها، من لا يفهم سوريا الجديدة، قد يخسر جزءاً من لبنان الجديد.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.