معرضٌ للكتاب في دمشق يفتح نافذة على تحوّل البلاد

من الصعب تقدير دلالة وجود نسخ باللغة الإنجليزية من كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع» في معرض دمشق الدولي للكتاب هذا الشهر، إن كان سهواً من السلطات الجديدة أم يجسّد دليلاً على روح التسامح الحقيقية. في كلا الحالتين فهناك، على الرفوف، كتب لستيفن هوكينغ، عالم الكونيات البريطاني، ودراسات تتناول إخفاقات الحكم الإسلامي. روايات لسالي روني، الكاتبة الأيرلندية المعروفة برواياتها الأدبية الرومانسية المثيرة، جاورت في نفس الرف مجلدات سيد قطب، المنظّر الأيديولوجي لجماعة “الإخوان المسلمين”.

بالنسبة لآلاف الزوار الذين تجمعوا في مركز المؤتمرات الدولي في دمشق، بدت أجواء المعرض وكأنها إيحاء بأن حكّام سورية حريصون—أو على الأقل مستعدون—لإيجاد مساحة فكرية لم تكن متاحة في عهد بشار الأسد. وقد افتتح وزراء المعرض، وتجوّل ناشرون أردنيون وسعوديون بين الأجنحة لعرض إصداراتهم. كان هناك ندرة لدور النشر الغربية الكبرى لكن ذلك يمكن أن يتغير في السنة القادمة.

في عهد الأسد، كانت دور النشر تُجبر بانتظام على سحب الكتب من رفوفها؛ وكانت أجهزة الاستخبارات تفتّش الإصدارات الجديدة. وكانت السّير الذاتية غير المرخّصة لبشار تُمنع من التداول. وكان غريباً أن رواية جورج أورويل «1984» لم يُدرج على قائمة الممنوعات. ويقول أحد الكتّاب المنشقين مازحاً: «كانوا أغبياء جداً لفهم ذلك».

ومن بين الحضور آسر خطاب، صحافي سابق عاد إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد، ويستعد لافتتاح مكتبة في البلدة القديمة بالعاصمة. يستعيد خطاب شعوره بالإحباط عندما كان يتنقّل بين حلب ودمشق فلا يجد في المكتبات سوى دعاية بعثية، وكتباً دينية، وعناوين في تطوير الذات. ويأمل أن تسهم مكتبته المرتقبة “المنهل” التي يعتزم افتتاحها في نيسان (أبريل) في “تحفيز التفكير “.

وكأي مُغرم بالكتب، كانت نقطة ضعفه شراء كتبٍ أكثر بكثير مما كان يخطط له، وغادر المعرض وفي حوزته أكثر من 200 كتاب. لكن تأمين الكتب بالحجم والتنوّع اللازمين لمكتبة مستقلة ليس أمراً يسيراً في سورية. فالعقوبات لا تزال عائقاً، ودور النشر المحلية ما تزال تتجنب المواضيع الجدلية. ويقول خطاب: «للحصول على الكتب ينبغي عليّ أن أحرّك عشرات الأشخاص في سبيل ذلك». وبرغم عروض التبرع من لندن ونيويورك وباريس، يضيف: «لا أملك وسيلة لإرسال الكتب إليّ هنا».

ويؤكد أن معرض الكتب كان فيه كتب للجميع. وقد نظر المنظمون بذهول عندما شرعت مجموعة من الزوّار في إنشاد أناشيد دينية داخل القاعات. ويخشى بعض الحضور ومجموعات المجتمع المدني في دمشق أن ينغلق هامش حرية التعبير مجدداً مع إحكام النظام الجديد قبضته، لكنهم يرون أن من واجبهم العمل على إبقاء هذا الفضاء مفتوحاً.