تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً متوتراً في حدة الأزمة المرتبطة بإيران، في ظل حشد عسكري أميركي واسع النطاق يعد الأكبر منذ احتلال العراق عام 2003. فقد امتلأت البحار بالأساطيل والترسانات العسكرية الأميركية بمختلف أنواعها وتشكيلاتها، في مشهد يعكس اقتراب المنطقة من شفير الحرب.
وفي المقابل، يسود الترقب والقلق أوساط صناع القرار في العالم وسط حالة من عدم اليقين إزاء ما قد يقدم عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأيام أو حتى الساعات المقبلة، وفي ظل استحالة التنبؤ بسلوكه السياسي والبناء على تصريحاته المتناقضة.
وبين احتمالات التصعيد العسكري وخيارات التسوية السياسية، تبرز الأهمية الكبيرة في إدراك المسارات المحتملة للأزمة الإيرانية وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الساحة السورية، حيث يمكن مقاربة تطورات هذه الأزمة في أربعة سيناريوهات رئيسية تختلف في درجة احتمال تحققها، كما تختلف في طبيعة تداعياتها الإقليمية ولا سيما على سوريا.
يتمثل السيناريو الأول في شن الولايات المتحدة حرباً شاملة واجتياحاً برياً كبيراً يؤدي لإسقاط النظام الإيراني واقتلاعه بشكل كامل، ورغم خطورته، فإن هذا السيناريو ضعيف الاحتمال في ضوء التحولات التي طرأت على الاستراتيجية العسكرية الأميركية، خاصة بعد تجربتي العراق وأفغانستان، حيث تتجنب الولايات المتحدة الانخراط في حروب استنزاف طويلة الأمد.
كما أن فتح جبهة واسعة ضد إيران من شأنه أن يستنزف الموارد الأميركية ويؤثر على قدرتها في التركيز على التحدي الاستراتيجي الأبرز المتمثل في الصعود الصيني. يضاف إلى ذلك غياب تحالف عسكري واسع، فضلاً عن أن طبيعة الحشود الأميركية في الخليج وشرق المتوسط رغم ضخامتها إلا أنها لا تشير إلى وجود تشكيلات برية كبيرة قادرة على تنفيذ اجتياح شامل، ما يعزز فرضية أن خيار الغزو البري ليس مطروحاً بجدية في المرحلة الراهنة.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تنفيذ عملية عسكرية خاطفة ومحدودة النطاق، تستهدف اعتقال القيادة العليا للنظام الإيراني وبعض رموزه الأساسية، على غرار ما حدث مع الرئيس الفنزويلي قبل أسابيع قليلة.
غير أن هذا الخيار يظل ضعيف الاحتمال أيضاً، نظراً لتعقيدات المشهد الإيراني من حيث البنية الأمنية والعسكرية، وحذر القيادة الإيرانية بعد حادثة فنزويلا واستحالة إيجاد شخصية داخل النظام الإيراني تقوم مقام المرشد بمباركة أميركية نتيجة تعقيد المؤسسات الإيرانية والأيديولوجيا الراسخة، الأمر الذي يجعل تنفيذ عملية دقيقة بهذا الحجم محفوفاً بمخاطر كبيرة وصعوبات ميدانية بالغة.
في حين يعد السيناريو الثالث، الأكثر ترجيحاً، ويتمثل في حرب انتقائية عبر توجيه ضربات جوية وصاروخية دقيقة تستهدف منشآت عسكرية واقتصادية وبنى تحتية استراتيجية داخل إيران، وقد تترافق مع عمليات نوعية تشمل اغتيال شخصيات قيادية بارزة.
ويخدم هذا السيناريو أحد هدفين محتملين: إما إضعاف النظام الإيراني تمهيداً لإسقاطه، أو ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والسياسي لدفعه إلى القبول بالمطالب الأميركية، مع الإبقاء عليه بعد تعديل سلوكه الإقليمي. وتشمل هذه المطالب التخلي عن البرنامج النووي، والحد من تطوير الصواريخ البالستية، ووقف دعم الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط.
ويقترب السيناريو الرابع، بدوره، من دائرة الترجيح، حيث يتمثل في الاحتواء والتسوية السلمية. ويقوم هذا المسار على خضوع إيران للضغوط العسكرية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مقابل العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يتقاطع مع المطالب الأميركية.
أيا يكن المسار الذي ستسلكه نهاية الأزمة الإيرانية فإن تأثيرها على سوريا يبقى عاملاً محورياً في الحسابات الإقليمية، في ظل الترابط العميق بين الملفات وتشابك المصالح. فالأزمات الكبرى غالباً ما تصيب الدول الهشة بأكبر قدر من تداعياتها، ولا يمكن عزل ما يجري في إيران عن انعكاساته الأمنية والسياسية والاقتصادية على سوريا.
ففي حال إسقاط النظام الإيراني دون حسابات دقيقة ستدخل البلاد في مرحلة من الفوضى السياسية والأمنية، من المرجح أن تشهد إيران صراعات داخلية عنيفة ونزعات انفصالية كبيرة وموجات هجرة واسعة النطاق. ستنعكس هذه التطورات سلباً على استقرار المنطقة بأسرها، بما في ذلك سوريا، إذ إن تداعيات الأزمات الإقليمية لا تتوقف عند الحدود الجغرافية، بل تمتد آثارها إلى الدول المجاورة وغير المجاورة على حد سواء.
كما أن أي فراغ في إيران قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات وفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة توزيع النفوذ، ما يضع سورية أمام بيئة استراتيجية شديدة التعقيد.
أما في حال استبدال النظام الإيراني ببديل، فهو يفتح الباب على مصراعيه أمام تمدد النفوذ الإسرائيلي بدعم أميركي، فقد يتشكل نظام إقليمي جديد يعزز نفوذ إسرائيل ضمن نطاق جغرافي واسع أشبه بالدائرة تحاصر فيه دول المنطقة، يبدأ من اليونان وقبرص ويمتد نحو صوماليلاند، مروراً بإيران وصولاً إلى أذربيجان.
ومن شأن هذا الامتداد أن يخلق معادلات أمنية جديدة واختلالاً في ميزان القوى ويؤدي إلى احتدام الصراع على النفوذ في المنطقة، ولا سيما بين إسرائيل من جهة، وكل من سوريا وتركيا والسعودية وباكستان من جهة أخرى. ويمثل ذلك تهديداً محتملاً لجميع دول الإقليم خاصة فيما يتعلق بالتحكم بمسارات العبور الاستراتيجية والطاقة والتجارة باتجاه شرق آسيا والخليج وصولاً إلى آسيا الوسطى.
في المقابل، يظل سيناريو التسوية مع الحفاظ على استقرار الدولة الإيرانية هو الأكثر إيجابية بالنسبة لسوريا ولجميع دول المنطقة. ففي حال تم التوصل إلى اتفاق يضمن بقاء النظام الإيراني مجرداً من قدراته النووية والبالستية، وقطع أذرع ميلشياته والتوقف عن دعمها، فإن ذلك سيعكس تحولاً جوهرياً في سلوك إيران الإقليمي.
ووجود دولة إيرانية مستقرة بنظام مسالم ودور إقليمي غير طامع من شأنه أن يسهم في تعزيز استقرار المنطقة عموماً، وتعزيز الأمن القومي السوري، ويفتح المجال لإعادة ترتيب الأولويات بعيداً عن منطق المحاور والصراعات المفتوحة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.