بينما تتجه أنظار العالم بقلق نحو مياه الخليج العربي، حيث تتصاعد حدة التوترات العسكرية وتتزايد الاستعدادات الأميركية في مواجهة التهديدات الإيرانية، يبدو المشهد السطحي وكأنه نذير مواجهة عسكرية كلاسيكية.

ومع ذلك، فإن القراءة العميقة لما يدور في أروقة صنع القرار الغربي، وما يعتمل في شوارع المدن الإيرانية، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً: إن النظام الإيراني، الذي يعيش أضعف مراحله التاريخية، يحاول تصدير أزماته للخارج، بينما الحل الحقيقي والجذري يكمن في الداخل الإيراني حصراً.

إن التحشيد العسكري في الخليج لا يمكن قراءته بمعزل عن الوضع الداخلي المتفجر في إيران، فالنظام الإيراني يعتمد على “الابتزاز النووي” وتهديد الأمن الإقليمي كأحد تكتيكات البقاء الثلاثة (إلى جانب الإرهاب السيبراني ودبلوماسية الرهائن). يدرك النظام أن امتلاك القنبلة الذرية أو إشعال المنطقة هو بوليصة تأمينه الوحيدة لضمان بقائه في وجه شعب غاضب.

من ناحية أخرى، فإن النظام لا يملك سوى لغة القتل والتعذيب، وتهدف طموحاته النووية والصاروخية لتوسيع دائرة الفوضى. وبالتالي، فإن أي حرب خارجية أو ضربات عسكرية محدودة قد تكون، للمفارقة، “طوق نجاة” للنظام، حيث ستسمح له بقمع الداخل بذريعة “العدوان الخارجي” وتوحيد الجبهة الداخلية الممزقة قسراً.

خلافاً للصورة التي يحاول النظام رسمها عن تماسكه، تؤكد الحقائق المستقاة من انتفاضة كانون الثاني/ يناير والتحركات الأخيرة أن إيران تقف على فوهة بركان. وكما أوضحت السيدة “مريم رجوي”، رئيس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فإن الوضع الحالي يختلف جذرياً عن السابق لسببين جوهريين:

الأول: “التنظيم العالي”، فالانتفاضات لم تعد عفوية، بل أصبحت منظمة بشكل كبير. والثاني دور “وحدات المقاومة”، فقد لقد لجأت “وحدات المقاومة” في دفاعهم عن المتظاهرين إلى مواجهة قوات الحرس وتجريدهم من السلاح في بعض الحالات، مما كسر حاجز الخوف.

إن انضمام “البازار” (السوق التقليدي) إلى الاحتجاجات، يمثل نقطة تحول تاريخية أخرى. فعندما تتحرك الطبقة التجارية المحافظة عادةً، فهذا يعني أن النظام فقد قاعدته الاقتصادية والاجتماعية، وأن السقوط بات مسألة وقت. إن النظام، الذي يعجز عن توفير الخبز والماء والكهرباء في دولة غنية، فقد شرعيته تماماً.

بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية، نخلص إلى تحليل موضوعي دقيق للحدث. من ناحية فخ الحرب الخارجية: إن أي تدخل عسكري خارجي واسع النطاق (على غرار نموذج العراق) مرفوض تماماً من قبل المعارضة والشعب الإيراني وصناع القرار الغربيين العقلاء. الحرب ستصب في مصلحة النظام، حيث ستمنحه الغطاء الذي يحتاجه لسحق الانتفاضة وتأجيل استحقاق السقوط.

سقوط سياسة الاسترضاء: فشلت سياسة المهادنة والرهان على إصلاح النظام من الداخل فشلاً ذريعاً. النظام القائم على أساس أيديولوجي متطرف غير قابل للإصلاح.

الحل الوحيد: يكمن الحل في أن تكون السياسة الأميركية والغربية متمحورة حول تغيير النظام على يد الشعب الإيراني. هذا يتطلب الاعتراف بنضال الشعب الإيراني ضد الحرس الإرهابي، ودعم “خطة النقاط العشر” التي تقدمها السيدة مريم رجوي كخارطة طريق ديمقراطية تضمن فصل الدين عن الدولة، والمساواة، وإيران غير نووية.

إن الاستعدادات العسكرية في مياه الخليج يجب ألا تحجب الرؤية عن المعركة الحقيقية التي تدور في أزقة طهران والمدن الإيرانية.

إن إسقاط النظام أصبح أمراً لا مفر منه، ليس عبر البوارج الحربية الأجنبية، بل عبر إرادة الشعب الإيراني وتنظيمه المقاوم. العالم اليوم مدين للمقاومة والمعارضة الإيرانية بكشف البرنامج النووي، واليوم هو مطالب باتخاذ خطوة جريئة، من خلال الاعتراف بحق الشعب في الدفاع عن نفسه، وقطع شريان الحياة عن النظام بدلاً من خوض حروب لا تخدم سوى الطغاة.

صحيفة الثورة السورية