تشكل الذاكرة الوطنية، في المجتمعات الخارجة من الصراعات، رصيدًا رمزيًا لإعادة بناء الهوية الجماعية، والشرعية السياسية، وهذا الرصيد، إذا تُرك دون إدارة واعية، قد يتحول من عنصر تماسك إلى مصدر دائم للانقسام وإعادة إنتاج العنف، من هنا تبرز مشكلة النسيان أوالتناسي، لا باعتبارها نقيضًا للذاكرة، بل كأحد مكوّناتها البنيوية، وكمجال سياسات ومعرفة في آن واحد.
النسيان هنا نسيان سياسي أولاً، وليس عطبًا في الذاكرة بل وظيفة ضرورية لأي نظام ذاكرة جماعي لمجتمعات دخلت للتو مرحلة ما بعد الصراع؛ ولأن طبيعة الذاكرة والنسيان انتقائيان، إذ لا يمكن للوعي الفردي أن يحتفظ بكل التجارب دون انتقاء، لا تستطيع الجماعة الوطنية أن تبقي جميع أحداث الماضي حاضرة بالدرجة نفسها، النسيان والتذكرة هنا حاجة معرفية أيضاً، وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود النسيان، بل في طريقة إنتاجه وإدارته.
هل يجب إذن على السوريين أن ينسوا من أجل بناء مستقبلهم؟ هل تقتضي “الواقعية السياسية” أو “الحاجة إلى الاستقرار” النسيان؟ هل حين نطرح هذا السؤال نخفي خلفه إشكالية دور الذاكرة في المجتمعات الخارجة من الصراع للتو، الذاكرة التي تجعل لواقع ما بعد الصراع معنى؟ هل يمكن أن تنسى المجتمعات مآسيها فعلاً؟ وهل ثمة حدود لما يمكن تسميته “نسيانًا مشروعًا”؟
لا توجد أجوبة حاسمة لتلك الأسئلة، لكن تقديم إجابة عنها أمر ضروري لصياغة سوريا الجديدة، وتحدد هذه الإجابة كيف سيتم بناء ذاكرة وطنية سورية تظهر في نهاية المرحلة الانتقالية.
وفي دراسات الذاكرة والتاريخ، لا يُطرح النسيان بوصفه قرارًا سياسيًا ولا واجبًا أخلاقيًا وإنما بوصفه حاجة سياسية واجتماعية، مع ملاحظة أن النسيان المفروض من أعلى ليس سوى محوٍ قسري للتاريخ، يخدم عادة المنتصرين أو الأقوى، ويؤسس لصراعات مؤجلة بدل أن يطويها، كما أن النسيان لا يصبح ممكنًا ولا مشروعًا إلا بعد استيفاء شروط أخلاقية ومعرفية صارمة، في مقدمتها الاعتراف بالحقيقة، وانخراط المجتمع في تحديد ما يمكن نسيانه، وكيفية التعامل مع ما لا يمكن نسيانه.
الحالة السورية اليوم لا تمثل “ذاكرة وطنية” موحدة بعد، بل ذاكرة سائدة ومجموعة من الذواكر الفرعية المتنازعة. ذاكرة الذين عانوا القصف والحصار والدمار والمجازر والاعتقال والاختفاء القسري والنزوح والتهجير، وإرهاب داعش، وذاكرة الأطراف الأخرى من الطوائف والأقليات العرقية والدينية محمولة على مشاريع، والكلفة التي دفعتها في سبيلها، وذاكرة الفاعلين في أطراف الصراع، وذاكرة المنفعلين الذين لا حول لهم ولا قوة، ومن الواضح أن صهر هذه الذواكر لإنتاج سردية عامة جامعة عمل شاق.
بناء الذاكرة الوطنية الجامعة يحتاج إلى إغلاق الصراع، ولا يمكننا الحديث عن وجود مثل هذه الذاكرة حتى الآن؛ لأن الصراع لم يُغلق تماماً زمنيًا ولا سياسيًا، وما تزال الذاكرة تُستخدم أداة تعبئة وتبرير. كل طرف يحتفظ بذاكرته بوصفها أداة في الصراع، ما يجعل الذاكرة ذاتها موضوعا للتحوير بما يناسب دورها في الصراع بعد التحرير، ونزع قدرتها على إنتاج العنف من جديد.
قد يتطلب بناء ذاكرة وطنية تفكيك الذواكر الفرعية وإعادة تركيبها، لإخراجها من منطق التعبئة وإدامة الصراع وإدخالها في دور السلم الاجتماعي والسياسي والتطلع نحو مستقبل مشترك، فمن دون هذا التحويل، يبقى الماضي حاكما للحاضر على الدوام، لا بوصفه تجربة مُتعلمة، بل كقوة تحكم تعيق التقدم نحو المستقبل، هنا يصبح النسيان (أو التناسي) حاجة سياسية واجتماعية واضحة.
فثمة عناصر في الذواكر المتعددة في سوريا يمكنها أن تديم الصراع، يجب أن يتم تنحيتها عن الذاكرة الوطنية حتى لو كانت حقائق تاريخيّة، لكن على أن تكون كنتيجة بعيدة لمسار مكتمل، وجزءا من عملية سياسية انتقالية شاملة، مسار يتضمن ثلاثة عناصر: الاعتراف، والتوثيق، والعدالة الرمزية.
الاعتراف لا يعني إجماعًا كاملًا، لكنه يفترض تسمية الانتهاكات، والاعتراف بالضحايا بوصفهم ضحايا، لا بصفتهم أضرارًا جانبية. والتوثيق يعني تثبيت الحقيقة في الأرشيف العام، بحيث لا تبقى عرضة للإنكار أو التلاعب. أما العدالة الرمزية، فتتمثل في الإدانة العلنية للعنف ونزع شرعيته، حتى في حال تعذرت المحاسبة القضائية الشاملة، من دون هذه الشروط، يتحول النسيان إلى إنكار، وتتحول المصالحة إلى غطاء لصمت قسري.
ولأن هذا النوع من النسيان أو التناسي يطال أحداثا مرتبطة بجماعات دون أخرى فإن التفاوض حول ما يجب نسيانه وكيفية التعامل معه مع الأطراف المعنية أمر ضروري، حتى لا يتحول النسيان إلى إنكار، وحتى يحقق النسيان الهدف السياسي والاجتماعي منه دون عوائق، بما يسمح بتعدد السرديات داخل إطار وطني مفتوح وسردية عامة جامعة، ويجب أن نضع دائما في اعتبارنا أن بناء الذاكرة الوطنية ليس عملا معرفيا تقليديا، ولا هو عمل أكاديمي صرف، وإنما هو عمل سياسي بالدرجة الأولى، والتفاوض جزء من مقتضيات السياسة.
هناك جوانب من الذاكرة السورية لا يجب إبقاؤها حيّة في المجال العام، لأنها تعيق إعادة بناء الجماعة السياسية، وهي من قبيل تفاصيل الثأر اليومي، فاستحضار الوقائع الصغيرة بوصفها أدوات اتهام متبادل يُبقي المجتمع في حالة استنفار دائم. وكذلك اللغة التعبوية: فالمفردات التي تحوّل الألم إلى هوية مغلقة (خيانة، تطهير، انتقام، مؤامرة كلية) يجب أن تُفكَّك وتُهمَّش، وأخيراً القراءات التبسيطية للفاعل والضحية: فاختزال الصراع في ثنائية أخلاقية صافية يمنع أي سردية وطنية مركبة.
النسيان سيكون بطيئًا، وجيليًا (الجيل الأول يتناسى ولا ينسى، الجيل الثاني يتفهم التناسي، الجيل الثالث ينسى وتتحول الذاكرة إلى معرفة تاريخية) وغير معلن، وسيحدث عندما تنتقل البلاد وتبدأ مسارا صاعدا نحو المستقبل الذي يحقق تطلعاتها في الازدهار، حين يشعر السوريون أن معاناتهم ستنتهي وان مصيرا مشتركا لا مفر منه يجمعهم، عندها يمكن أن تنتقل أجزاء من الذاكرة من الشارع إلى الأرشيف وإلى المعرفة التاريخية، ومن التعبئة إلى الفهم.، ويصبح الماضي حاضرًا بوصفه درسًا، وليس جرحًا مفتوحًا.
سيبقى الماضي حاضراً، لا توجد سرديات وطنية بدون الماضي، هكذا تبنى الدول، لكن لا تبنى دول مستقرة بدون ذاكرة وطنية، ولا بدون سردية وطنية موحدة، ولا بدون تحويل الذاكرة من ذاكرة تُشعل الصراعات إلى ذاكرة تحث للتقدم نحو المستقبل، ولا بدون النسيان الذي لا يقوم على الإنكار، ولا على الثأر، بل على الاعتراف والمعرفة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.