أطلق “حلف مكّة للدفاع المشترك”، من لحظة إعلانه رسمياً ولا يزال يشغل حتى الآن نقاشات حكومية داخلية وإقليمية، لم تظهر كلّها في العلن، وذلك في شأن الاصطفافات التي يقترحها وطريقة التواؤم معها، علماً بأن حرب إيران التي لم تنتهِ بعد لا تتيح رؤية واضحة الى مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة. وغداة ولادة هذا الحلف أثيرت احتمالات عدة لتشكيل أحلاف أخرى، بحسب التحليل العام للعلاقات بين الدول الخليجية والعربية ودول الجوار الإقليمي.

وأدّت صفقة دفاع جوي غير مسبوقة بين إسرائيل واليونان الى اعتبار أن الدولتين سارعتا الى حسم مفاوضات طويلة بينهما وإعلان “مشروع درع آخيل”، لأنهما في صدد بناء تحالف جديد يُفترض أن يضم أيضاً قبرص اليونانية، وثمّة تكهنات كثيرة حول امكان توسّعه، ليشكّل بالتالي نوعاً من الردّ على وجود تركيا في “حلف مكّة”.

في المقابل فُسّرت عبارة للرئيس الصيني، خلال زيارته للقاهرة أخيراً، على أن بكين تدعم الحلف الذي يضمّ تركيا والسعودية وباكستان، خصوصاً أنه استخدم العبارة نفسها التي اعتُمدت في اجتماع إسطنبول لتوصيف أهداف “حلف مكّة”. إذ قال شي جين بينغ إن الصين “تدعم دول المنطقة في بناء بنية أمنية جديدة”، ودعا الى “رفض التدخل الخارجي في الشرق الأوسط”، من دون أن يدخل في التفاصيل. وتقيم الصين علاقات جيّدة ومتنوّعة مع الدول الثلاث، وقد ظهر أحد مفاعيلها في الحرب الخاطفة بين باكستان والهند (نيسان/ أبريل 2025)، كما أنها ترتبط بـ “اتفاق تجاري استراتيجي” مع إيران يوصف بأنه بمثابة “شريان حياة” لها في مواجهة العقوبات الأميركية، قبل الحرب وخلالها. وربما تنظر بكين وغيرها بإيجابية الى إمكان انضمام إيران الى الحلف الثلاثي الناشئ أو أي منظومة إقليمية أخرى، علّ ذلك يحتوي مغامراتها.

فكرة المنظومة الأمنية الإقليمية هذه طُرحت أواخر تسعينات القرن الماضي بهدف اخراج المنطقة من التداعيات المباشرة للحرب العراقية- الإيرانية (انتهت في 1988)، ثم نوقشت بشيء من التوسّع بعد سقوط النظام العراقي السابق (2003). غير أنها لم تتحقق، تحديداً لأن إيران كانت بدأت تنفيذ أجندة مدّ نفوذها في المحيط العربي، ومنحها تغلغلها العراق (بتفاهم سرّيٍ- علنيٍ مع الولايات المتحدة) دفعاً مهماً، كما أنها دخلت في دوامة أزمة برنامجها النووي الذي أقلق دول مجلس التعاون الخليجي مقدار ما استثار واشنطن وإسرائيل والدول الأوروبية. وبعد توقيع الاتفاق النووي (2015) أعيد عرض الفكرة، بتشجيع أميركي هذه المرّة، وباستنتاجات متسرّعة لباراك أوباما الذي ظن أنه يستطيع البناء على “الاتفاق” الذي اعتبره أهم إنجازاته الخارجية، لكن المرشد السابق علي خامنئي أطاح توقعاته، فيما كانت دول مجلس التعاون مستاءة من “الاتفاق” ومن اطروحات اوباما.

“الأمن والتعاون” هما أبرز عناوين “حلف مكّة” الذي أكّد أعضاؤه أنهم منفتحون على انضمام آخرين، ومثلما أنشئت “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” منتصف سبعينات القرن الماضي بهدف احتواء جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ذهب بعض التحليلات الى أن الحلف الجديد قد يكون الإطار الذي يمكنه استيعاب إيران بعد الحرب، خصوصاً أن الدول الثلاث توسّطت ولا تزال من أجل إنهاء الحرب. وكما فهمت إسرائيل أنها غير مرحّب بها في هذا الحلف، تحديداً بسمعتها الراهنة وبسبب فظاعات الحرب على غزّة ورفضها أي مشروع سلام، فإن إيران أدركت أنها قد تكون “مدعوة” للانضمام. ومع أن أحد موظفيها الإعلاميين كُلّف بإعلان أنها تلقت مثل هذه “الدعوة”، إلا أن طهران لم تحرص لاحقاً على إبرازها ولم تؤكّدها أي جهة، وعلى افتراض أنها قد تُدعى فإن ذلك سيكون وفقاً لشروط ومعايير لم تُحدّد بعد.

فجأة، خرج مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي بـ “مبادرة للأمن الخليجي المشترك” وافق عليها قادة “الاطار التنسيقي” ولم تتبنّاها الحكومة. وهي تقوم على صيغة 6+2 التي طُرحت سابقاً لتضمّ دول مجلس التعاون الخليجي مع العراق واليمن، لكن النسخة الجديدة تُحِلّ إيران محل اليمن. حاول العراق دائماً الدفاع عن “حياده” بين أميركا وإيران، وتطمح “المبادرة” الى “معالجة أزمة الثقة” بين دول الخليج وإيران، كذلك “انتهاج سياسة خارجية متوازنة تسهم في خفض التصعيد واحتواء الأزمات” و”منع استخدام أراضي الدولة لتهديد دول الجوار”. لكن مشكلة أي طرح عراقي أنه لا بدّ أن يحمل بصمات إيران أو ايحاءات منها، هذا إذا لم يكن بصياغتها.

عشية مغادرة قوات الولايات المتحدة و”التحالف الدولي” الأراضي العراقية، ربما ترمي هذه “المبادرة” الى استباق الوضع الجديد بإيجاد معادلة تحتاج اليها بغداد لتبني عليها توازنها الداخلي. وقد تكون أيضاً رسالة إيرانية غير مباشرة تعبّر عن عدم ارتياحها الى “حلف مكّة” وتشير الى صيغ سبق أن طرحتها على دول مجلس التعاون ولا تزال تفضّلها برغم أنها لم تلق قبولاً. فإيران ترفض أن تؤطّر في منظومة لم تشارك في تأسيسها ولا تكون لها الصدارة فيها.

النهار العربي