قبل قرن ونيف، كان نفر كبير من السوريين ينتظرون الأمريكيَّين: كينغ وكرين عام 1919 ليساعدوهم في تحديد اختياراتهم في الدولة السورية، واليوم ها هو السيد توماس باراك يبذل جهوداً كبيرة لكي تستعيد سورية حضورها في المشهد الدولي.

تغيرت في هذه الفترة الزمنية مراكز القوى والرؤساء والحدود، وأنشِئت إسرائيل، وسقطت أنظمة، واحْتُلَّ الجولان، ومر على سوريا عدد كبير من الرؤساء، لكن السؤال الذي ظل مفتوحاً، على نحو يثير الحذر: ماذا يمكن لأمريكا أن تفعل لسوريا، وماذا تريد أمريكا منها؟ وما الثمن؟

بعد الحرب العالمية الأولى ونهاية الدولة العثمانية، جاء السياسيان: هنري كينغ وشارلز كرين في مهمة انبثقت عن رؤية الرئيس الأمريكي ويلسون التي ترى أن من حق الشعوب تقرير مصيرها. وفي عام 2025 جاء توماس باراك، تحقيقاً لسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليتناقش مع السوريين والأتراك والإسرائيليين ودول المنطقة عن أي مستقبل يبحثون وما هي العلاقات الناظمة للجيران!

في عام 1919 كانت سوريا خارجة من إمبراطورية (سلطنة) عمرها مئات السنوات، وكان السوريون يسعون إلى بناء دولة، وفي عام 2026 تخرج البلاد من نظام استمر أكثر من نصف قرن ويسعى أبناؤها لإعادة بناء دولتهم كما يليق بهم، ثمة تشابه بين اللحظتين، غير أن التباين بينهما كبير أيضاً.

حين وصلت لجنة كينغ-كرين إلى المنطقة، كان السوريون يعرفون ما يخيفهم: لا يريدون استعماراً فرنسياً، أو إنكليزياً، لا تقسيم لبلدهم، وقتها كانت الولايات المتحدة ينظر إليها باعتبارها قوة بعيدة عن الإرث الاستعماري الأوروبي المباشر في المنطقة.

المؤتمر السوري العام في تموز 1919 كانت مطالبه واضحة: استقلال سوريا وحكم دستوري، وقد حبّذ كثير من السوريين المساعدة الأمريكية. وكانت أمريكا يومذاك بعيدة جغرافياً، وقريبة ومفضلة في مخيلة عدد كبير من الساسة السوريين بسبب المبادئ الـ14 للرئيس الأمريكي الـ 28!

لكن مصير سوريا كان قد قرره كل من سايكس وبيكو، باتفاق سري، بالتشاور مع روسيا من أجل تقاسم النفوذ قبل مجيء لجنة الرئيس الأمريكي بثلاث سنوات، ليتابع مؤتمر سان ريمو إقرار الانتداب رسمياً عام 1920 وتشرعنه عصبة الأمم المتحدة 1922.

علق السياسيون السوريون آمالاً كثيرة على أمريكا أيام الانتداب الفرنسي كذلك وأيام الاستقلال، إلا أنها ومع إنشاء إسرائيل بدأت صورة أمريكا تتشظى، خاصة مع نشوء القوة السوفييتية الجاذبة والأقرب إلى مطالب الدول العربية آنئذ، ومع صعود البعث اتسعت المسافة مع الأمريكيين قبل أن تعود قنوات الاتصال بعد حرب تشرين ومسار فك الاشتباك عام 1974.

وأسهمت في التسعينيات سوريا في التحالف ضد العراق وكانت جزءاً من مؤتمر مدريد.. وبعد عام 2003 عاد التوتر بقوة، إلا أن النظام السابق استطاع امتصاصه، ثم جاءت الثورة السورية عام 2011 والعقوبات ومأساة داعش، وإنشاء قسد وحلها والوجود العسكري الأمريكي، فأخذت العلاقة منحى إدارة ملفات أمنية وسياسية متشابكة. ومع سقوط النظام البائد أواخر عام 2024 دخلت العلاقة طوراً جديداً، أخذ يطرح قضايا مختلفة: هل ستتمكن واشنطن ودمشق من الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء علاقة بين الدولتين؟

نعم، تغير العالم كثيراً خلال ذلك القرن، فقد كانت فرنسا وبريطانيا القوتين الأكثر حضوراً مشرقياً، وتركيا تداوي جراحها، فيما كان المشروع الصهيوني في بدايات تحوله وفلسطين من أكثر القضايا التي تقلق السوريين.

تراجعت اليوم فرنسا وبريطانيا عن موقعهما القديم، وأصبحت الولايات المتحدة القوة الأكثر تأثيراً في المعادلات الدولية للمنطقة، وأصبحت إسرائيل قوة عسكرية على الحدود السورية تحاول التأثير في الخرائط الداخلية للآخرين، وتركيا غدت لاعباً إقليمياً مهماً في الملف السوري.

لم يكن موقع سوريا خارج حسابات الطاقة الأمريكية؛ ففي منتصف القرن العشرين عبرها خط التابلاين حاملاً النفط من السعودية إلى صيدا، فيما تولى خط كركوك بانياس إيصال النفط العراقي إلى بانياس، فصارت الجغرافيا السورية جسراً يربط بين نفط الخليج والأسواق الغربية.

واليوم مع مشروع الأنابيب التي تنقل نفط العراق إلى بانياس، بتشجيع أمريكي عبر شركة شيفرون وشركائها، بطاقة تبلغ نحو مليوني برميل يومياً يعيد التاريخ ذاته. والهدف بالتأكيد يتجاوز الاقتصاد السوري والعراقي؛ لأن واشنطن والغرب عامة تريد وجود خطوط متعددة لتنويع طرق تصدير الطاقة وبالتالي تقليل الارتهان لمضيق هرمز وخلفه المشكلة الإيرانية.

وهكذا تعود سوريا إلى الحسابات الأمريكية من بوابة قديمة متجددة لتقول: لست صاحبة النفط الأكبر في المنطقة، إلا أنني الجغرافيا التي يمكن أن يعبر نفط الآخرين منها إليكم!

لا يلتقي توماس باراك الدبلوماسية السورية ليسأل: أي دولة يريدون؟ بالطريقة التي فعلها كينغ وكرين! فالدولة موجودة، إلا أنها خارجة من تجربة مؤلمة، وتحتاج إلى بناء مؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الدولية. ويتحرك اليوم باراك في مشهد تتداخل فيه تركيا وإسرائيل وإيران وروسيا، إضافة إلى قضايا العقوبات والإعمار والاستثمار والطرق الدولية.

سورية عام 2026 تنتظر من واشنطن المساعدة في التعافي الاقتصادي، والمنظومة المالية الدولية، وتشجيع الاستثمار، ودعم سيادة البلاد ووحدتها، وممارسة دور يحد من الاعتداءات الإسرائيلية وتوغلاتها المتتالية.

لذلك تتعامل أمريكا اليوم مع سوريا من نوافذ شبكة مصالح واضحة ومعقدة: أمن إسرائيل، والعلاقة مع تركيا العضو في الناتو، ومكافحة الإرهاب، ومنع عودة النفوذ الإيراني، ومعبر للنفط والغاز. وهنا ربما تكمن “مفارقة القرن” بين أمليْن: إقامة الدولة السورية، واستعادة الدولة!

وبين الأمليْن تعلم السوريون (ربما)، وضحوا بعشرات آلاف الشهداء، أن الدول الكبرى لا تتحرك وفق المبادئ، إنما وفق المصالح، والعالم من جهته شاهد أن سوريا بلد من الصعب ترتيبه من الخارج فقط، بل لا بد من إسهام أهلها.

سيذهب المبعوثون ذات يوم، وتبقى الدول وشعوبها، وبات السوريون وسواهم من دول المنطقة بحاجة إلى البحث عن إجابة للسؤال المعتق: لماذا، بعد أكثر من مئة عام، لا نزال نحتاج إلى مبعوث من القوة الكبرى كي نناقش معه علاقتنا بجيراننا؟ الإجابة غير ضرورية، المهم ألا تكون المنطقة بحاجة مبعوث آخر بعد مئة عام أخرى! كي لا يعيد التاريخ نفسه لأنه لا يحبّ الإعادة والراسبين!

صحيفة الثورة السورية