استعادة مشروعية النظام الإيراني
وقّع الرئيسان الأميركي والإيراني رسمياً نصّ مذكرة التفاهم بين البلدين، وافتتحا مرحلة جديدة في العلاقة ستشهد تفاوضاً ومدّاً وجزراً حول العديد من الأمور. ويُظهر نص التفاهم نجاح النظام الإيراني في تحويل الحرب التي نجا منها، رغم الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي مُني بها، إلى مناسبة لاستعادة مشروعيّته الدولية ولإعادة صياغة علاقته بالإقليم وبواشنطن.

وإن قارنّا ما أُعلن من أهدافٍ للحرب الإسرائيلية الأميركية على لسان تل أبيب وواشنطن، بالنتائج الميدانية وببنود التفاهم، أمكن لنا التذكير بما يلي:

إسقاط النظام أو تغييره على الطريقة الفنزويلية: أمرٌ لم يحصل، وجاء التفاهم ليطوي صفحة الكلام بالموضوع لفترة ستكون طويلةً، عبر رفع الحصار ورفع العقوبات والتعهّد بإعادة أموال طهران إن تقدّمت المفاوضات في الستين يوماً المقبلة.
تدمير البرنامج النووي: أمر لم يحصل أيضاً، علماً أن ترامب كان قد أعلن عن إنجازه في حزيران 2025، ثم أعلن عن إنجازه مجدداً في آذار 2026، فإذا بالمفاوضات تعود إلى ما كانت عليه قبل الحربين الأولى والثانية، مع تعهّد إيراني بعدم السعي مستقبلاً لامتلاك سلاح نووي، وهو أمر يتماشى أصلاً مع فتوى سابقة للمرشد الراحل علي خامنئي تحرّم النووي العسكري.
تدمير البرنامج الباليستي وسائر البرامج العسكرية الكبرى:، وهو أمر لم يحصل بدوره، لا بل أعادت إيران (بمساعدة الصين) بناء ما تضرّر من برامجها، وسقط الحديث عن الموضوع برمّته في الاتفاق الجديد.
تدمير أذرُع إيران الإقليمية، مع التركيز على حزب الله: وهو أمرٌ لم يكن في أي حال ليتحقّق، لأسباب مجتمعية لبنانية، ولَو أن حزب الله تعرّض لخسائر عسكرية كبيرة. ونصّ التفاهم على وقف النار معه في لبنان، بما أنهى الكلام عن «إزالته». وليس تصريح ترامب حول فشل إسرائيل في التعامل مع الحزب وقتلها الكثير من المدنيين وطلبه العجائبي والإجرامي إلى الرئيس السوري أحمد الشرع تولّي الأمر سوى دلالة على تخبّطٍ غير مسبوق في السياسة الأميركية المعلنة أو المضمرة.
أسباب نجاح النظام الإيراني
والحقّ أن نجاة النظام الإيراني ونجاحه المرحلي في الحصول على تفاهم أفضل ممّا كان معروضاً عليه قبل الحرب، مردّه الأساسي أربعة أمور.

الأوّل، القصور غير المفاجئ في فهم ترامب وفريق عمله للسياسات الدولية وموازين القوى الإقليمية وجهلهم بإيران. وهو جهل ظنّ نتنياهو الممتلئ غروراً أن بمقدوره استغلاله لتوجيه ترامب وتوريط القوة العسكرية الأميركية في حرب مفتوحة إلى حين تحقيق مبتغاه.

الثاني، تحويل إيران مسار الحرب حين أقفلت مضيق هرمز من مسار عسكري تتحمّل هي معظم أعبائه إلى مسار اقتصادي تُحمّل العالم بأسره أعباءه، وتضغط من خلاله على الاقتصاد الأميركي تحديداً الذي يعني لناخبي ترامب أكثر ممّا يعنيهم أي أمر آخر. فصار «الإنجاز» الأبرز بالنسبة لترامب اليوم هو إعادة فتح هرمز الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل الحرب.

الأمر الثالث، تعميم إيران الأضرار الحربية على دول الخليج العربية لإظهار هشاشتها الأمنية والاقتصادية في حال استمرّت الحرب أو تجدّدت، بما يدفعها إلى المطالبة بوقف العمليات العسكرية عوض التشجيع على شنّها على ما كان يفعل بعضها، لا سيّما الإمارات؛ إضافة إلى أنّ الأثر الاقتصادي عالمياً لاضطراب مستديم في منطقة الخليج كبير، ليس على أسواق الطاقة وحسب، بل أيضاً على الأسواق المالية وعلى النقل والتأمين وأسعار سلع تمرّ بالخليج آتية من آسيا لتغذية الأسواق الغربية.

ولعلّ بند التفاهم القاضي بدفع مبالغ قد تصل إلى 300 مليار دولار إلى إيران ضمن ما سُمّي «إعادة الإعمار وتطوير الاقتصاد»، وهو أهمّ مطلب إيراني كان عنوانه «التعويضات»، وفيه إقرار بالعدوان من قبل الأميركيين ولَو وِفق مسمّى مختلف، سيتسبّب بفضيحة في الخليج إن عمد ترامب إلى دعوة دوله للمساهمة بهذه المبالغ أو تحمّلها بالكامل. وهذا قد يعني في المحصّلة أن أميركا وإسرائيل شنّتا حرباً، دفع العالم ثمن تبعاتها الاقتصادية، وستتحمّل دول الخليج العربية التي تعرّضت للقصف والخسائر بسبب إيوائها القواعد الأميركية جزءاً من كلفة التعويض عنها، لإيران.

أما الأمر الرابع، فيرتبط بالداخل الإيراني، أي بالحركات الاحتجاجية على النظام التي قُمعت بوحشية قبل الحرب، والتي راهن عليها الجهلة في الإدارتين الأميركية والإسرائيلية وفي ظنّهم قدرتها على التحرّك من جديد لقلب النظام إن هم قتلوا قادته وأركانه. فإذا بها انقسمت على نفسها بين مهلّل للحرب في أيامها الأولى ثم محبط منها، وبين معارض لها لا يرى تغيير النظام ممكناً بواسطة القصف والقتل والتدمير. وهو الأمر نفسه الذي سرى على معارضي النظام في الخارج، إذ رفض بعضهم الحرب واعتبرها موجّهة من قبل مجرمين دوليّين ضدّ الأمّة الإيرانية وليس ضد النظام. ولم يبقَ من موالين لها ومطالبين باستمرارها سوى مؤيّدي إبن الشاه المخلوع وبعض الموهومين بنهاية عسكرية للصراع.

هل هذا يعني أن الحرب انتهت إلى غير رجعة، وأنه بمقدور النظام الإيراني إعلان الانتصار؟

لا يمكن الجزم بذلك من منظور استراتيجي طويل الأمد، لأنّ خسائر النظام كبيرة وتحدّياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لن تختفي بمجرّد حصوله على أموال يستطيع توزيعها لإرضاء قاعدته الشعبية وشدّ عصبها، وتدعيم أجهزته الأمنية والعسكرية لقمع أي حراك جديد ضدّه. فالهوّة ستظلّ عميقة بين النظام وجزء من المجتمع، والقدرة على الإنفاق خارج إيران لإعادة بناء النفوذ في العراق أو دعم حزب الله عسكرياً في لبنان دونها صعوبات، وسيحاول الأميركيون والإسرائيليون الحدّ منها قدر المستطاع.

لكن يمكن القول إنه على المدى القصير، أحرز النظام مكاسب سيحاول تكريسها في المفاوضات المقبلة حول تفاصيل المسألة النووية والعقوبات وتسديد التعويضات، وسيماطل كالعادة كلّما تعرّض لضغط أو لإنذارات زمنية، خاصة أن مهلة الشهرين قابلة للتمديد على ما ورد في نص التفاهم نفسه، بما سيجعل المدى المتوسّط أيضاً بمتناوله.

لبنانيًا
لبنانياً، يبدو العمران الجنوبي وأهله، أول الخاسرين في هذه الحرب، إذ دمّرت إسرائيل عشرات ألوف المساكن والمؤسسات وأبادت عشرات القرى والبلدات وبناها التحتية، وبات أكثر من ربع الجنوب محتلاً وأهله مهجّرين بلا ضمانات عودة قريبة. كما أصيب حزب الله بخسائر جسيمة في كوادره وبنيته العسكرية، ونُكبت بيئته الاجتماعية وبات الطموح هو الوصول إلى وقف إطلاق نار، ليس من المضمون حتى الآن ألا يكون شبيهاً بذلك الذي ساد بعد تشرين الثاني 2024، بمعزل عن كلّ مكابرة.

ولبنانياً أيضاً، خسر «مشروع بناء الدولة» مرة جديدة، وهو لم يكن محمولاً أصلاً سوى من بضعة أفراد في الحكومة ورئاستها، وأفضى التمنّع عن قراءة الواقع والمراهنة على دونالد ترامب إلى التسليم بالتفاوض بأمرته بلا شروط وبلا دعاوى على إسرائيل وبلا طلب تعويضات وبلا تنسيق كافٍ مع باكستان وتركيا والسعودية ومصر وقطر لتقوية الموقف اللبناني. واعتُمدت لغة عدائية تجاه إيران وشبه مهذّبة تجاه إسرائيل، بما عمّق الانقسامات السياسية والطائفية.

هكذا، يمكن القول إننا مقبلون لبنانياً على توتّرات وأزمات تشبه في بعض أوجهها تلك التي عاشها البلد بعد حرب تموز العام 2006، مع فارق في حجم الدمار والخسائر، ومع احتلال إسرائيلي للأرض يتحجّج بسلاح حزب الله، الذي سيتحجّج في المقابل بالاحتلال للتمسّك بالسلاح.

فهل ستفيد الدعوة، من جديد، بعد كل ما جرى إلى التفكير في سبل الخروج من التشنج والتخوين والاتهامات والتعسكر الطائفي، وإلى البحث في مسارات سياسية مختلفة تقي البلد المزيد من الخراب والانهيار، وتُفضي إلى بحث في قرارات الحرب والسلم وتملّك السلاح ومقاضاة إسرائيل على جرائمها والإصرار على انسحابها في أي تفاوض مباشر لم يعد من حاجة له إن لم يكن أساساً حول هذا الانسحاب؟ بالتأكيد. وذلك يتطلّب قبل أي شيء قول الأمور كما هي، وعدم الخوف من أي ابتزاز. فالكارثة حلّت، ومثيلاتها على الطريق إن انعدم القول والفعل لمواجهتها، أو على الأقل محاولتهما.

ميغا فون