بحسب المفكر الجزائري مالك بن نبي؛ فإن نجاح ثورة ما أو فشلها يتحدد بقدر ما تحتفظ بمحتواها أو تضيعه في الطريق، فالثورة مسار تاريخي طويل يشمل ما قبل الثورة، والثورة نفسها، وما بعدها. وهذه المراحل تمثل نمواً عضوياً وتطوراً تاريخياً مستمراً، فإذا أصاب الخلل واحدة منها؛ فقد تكون النتيجة أقل بكثير من حجم التضحيات ومخيبة لآمال من أخلص للثورة.
ويضرب بن نبي مثلاً بالثورة الفرنسية، فقد سبقتها مرحلة من التمهيد الفكري والثقافي تمثلت في أفكار جان جاك روسو والكتّاب الموسوعيين. وبذلك فلم تكن الثورة حدثاً منفصلاً عن سياقها، وإنما نتيجة تراكم فكري واجتماعي جعل تغيير النظام السياسي ممكناً ومفهوماً.
لكن بن نبي يرى أن الخلل الذي لحق بالثورة الفرنسية وقع عندما فُتح الطريق أمام أشباه الثوريين، فتمكنوا من السيطرة عليها وتحويل رصيدها إلى وسيلة لبناء مجدهم الخاص، حتى انتهى بها المطاف بين يدي نابليون الذي أعاد توظيف الثورة في مشروع شخصي تحت لواء الإمبراطورية.
في الواقع السوري لا يعني عدم وجود تنظير فكري ممهد للثورة السورية شبيه بالذي وجده بن نبي في الحالة الفرنسية دليلاً على غياب الوعي السياسي عند السوريين. فقد تشكل هذا الوعي من مصادر متعددة، كان التاريخ أبرزها، فعصور القوة والازدهار والإنجازات الحضارية ليست حكايات للتسلية، بل هي معيار يقارن الإنسان من خلاله بين ما كان عليه من قبل وما أصبح عليه من بعد.
وكذلك فإن المقارنة مع الدول الأخرى تجعل كثيراً من المطالب التي تبدو في ظل الاستبداد بعيدة أو مستحيلة مطالب واقعية قابلة للتحقق، فالشعوب التي تتمتع بالحرية والعدالة والمؤسسات تقدم دليلاً عملياً على إمكان وجود واقع مختلف يمكن التشوّف إليه.
ومن هنا يمكن فهم الثورة السورية بوصفها نتيجة لتراكم طويل من الوعي بالاختلال بين ما ينبغي أن تكون عليه الدولة وما كانت عليه فعلاً. ولم يكن هذا الوعي بالضرورة في صورة نظرية سياسية مكتملة، لكنه كان حاضراً في إدراك الظلم، ورفض الاستبداد، والرغبة في دولة تحفظ الكرامة والحقوق، وفي إدراك أن استمرار الوضع القائم ليس قدراً تاريخياً.
أما مرحلة ما بعد الثورة؛ فهي المرحلة الأكثر حساسية لأنها مرحلة انتقال الثورة من فعل الاحتجاج والتغيير إلى بناء الدولة. وهنا تظهر مشكلة أشباه الثوريين بصورة أوضح. وهؤلاء -كما قال أحدهم- يظهرون عندما تنتهي الحروب ويرتقي الشهداء وتتوقف التضحيات، فيخرج هؤلاء الجبناء للحديث عن بطولاتهم السرية التي لا يعرفها أحد، ولعل أحدهم إن لم يصل إلى ما أراد صرخ قائلاً “ما لهذا خرجنا” وهو الذي لا يعرف عنه خروج ولا دخول! والمشكلة في هذه الظاهرة ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية أيضاً، لأنهم قد ينجحون بالوصول إلى بعض المناصب.
وفي هذه المرحلة قد يختلط الثائر بـ(المكوّع)، والحريص بالمتسلق، والباحث عن تمكين البلد بالباحث عن مجد شخصي. وسيظهر كثيرون وهم يبيعون عسلاً، ويبدون الود للثورة، ويقدمون الدعم لأهلها، بينما تُغلَّف الأطماع الشخصية والتطلعات إلى النفوذ بغلاف الحرص على البلد والمصلحة العامة.
ولذلك فإن معيار الاختيار الصحيح لا ينبغي أن ينخدع بكل متمسح بالثورة، وإنما بمدى قدرته على الإخلاص لمبادئها. فالواقع بعد سقوط النظام مختلف، إذ قد يأتي الخطر اليوم ممن يتمسح بالثورة بعد أن صارت هي نفسها السلطة. وهنا تظهر قيمة تحذير بن نبي من «أشباه الثوريين» أولئك الذين يدخلون على الثورة بعد أن تنضج ظروف الانتصار، فيستفيدون من رصيدها التاريخي، ثم يشرعون في استغلالها بما يخدم مواقعهم ومصالحهم.
ولذلك فإن أهم ما ينبغي الحفاظ عليه بعد الانتصار هو القيم التي أعطت الثورة مشروعيتها أصلاً، لا مجرد رموزها وشعاراتها -على أهمية ذلك وقيمته- الأمر الذي يتطلّب تحويل المبادئ التي خرج الناس من أجلها إلى قواعد مستقرة في الدولة، تستقر في حقوق لا تتغير بتغير الأشخاص، ومؤسسات لا تقوم على الولاء، وخدمات عامة لا تتحدد بالقرب من السلطة، ومساواة يستفيد منها كل من تحققت فيه الشروط والتزم بالقانون.
ودولة هذا حالها تتسع للجميع، ولذلك يُنتظر ممن شارك في الثورة، أو عمل مع منجزها بعد 8-12-2024، قدر خاص من الإخلاص للمبادئ التي قامت عليها، وألا تتحول علاقته بالثورة إلى وسيلة لاكتساب النفوذ ثم الانفصال عن القيم التي سعت إليها.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.