شكلت الثورات العربية ضد أنظمة القمع صرخة كبرى من أجل الحرية و”دولة القانون”. غير أن الواقع المرير الذي تلا هذه الانتفاضات أثبت أن الهدم—على صعوبته—هو الجزء الأسهل، أما البناء فهو المعضلة الكبرى. إن الخطورة الحقيقية التي تواجه المجتمعات الخارجة من عقود الاستبداد تكمن في الاعتقاد الساذج بأن الانتقال إلى دولة القانون هو مجرد قرار سياسي يُتخذ بين عشيّة وضحاها، وليس مساراً تربوياً وثقافياً طويلاً.
تكمن الكارثة الأولى في أن مفهوم “الحرية” في مخيّلة المجتمعات العربية شُوّه بفعل عقود من الكبت، فتحول لدى البعض من “مسؤولية وواجبات” إلى “انفلات من أي سلطة”، في مجتمعات تجذر فيها الفساد لدرجة أنه أصبح جزءاً من الدورة الاقتصادية والاجتماعية اليومية، فمن المستحيل تحوّل المواطن بين عشيّة وضحاها لمواطنٍ ملتزمٍ بالقانون بمجرد سقوط النظام. فالحكومات وأجهزتها، في نهاية المطاف، ليست كائنات هبطت من الفضاء؛ بل هي إفراز طبيعي من نسيج هذا الشعب وثقافته.
وعندما يتعود مجتمع كامل على الالتفاف فوق القانون كوسيلة للعيش، فإن غياب “العصا” الرادعة فجأة، دون بديل من “الوعي الذاتي”، يؤدي إلى سيادة منطقِ الغاب لا قانون الدولة. إذا نظرنا إلى الحالة السورية كنموذج، نجد تجسيداً دقيقاً لهذه الفجوة الثقافية. في أدبيات دولة القانون، يُعتبر رجل الأمن أو الشرطي “موظفاً في خدمة الشعب”. هذا المفهوم الراقي، عندما أُسقِط فجأة على واقع مشحون بالانتقام وغياب الوعي المدني، تحول إلى ممارسة مشوهة.
المفارقة المؤلمةبدأت عندما تحول سلوك بعض أفراد المجتمع تجاه رجال الأمن من الخوف المطلق إلى الاستعلاء التام، لدرجة التعامل معهم كـ “خدم” بالمعنى المهين، وتوجيه الإهانات لهم تحت مسمى “نحن الأحرار وأنتم في خدمتنا”. هذا الفهم القاصر يغفل تماماً أن “خدمة الشعب” تعني السهر على تطبيق القانون وحماية النظام العام، وليست رخصة للمواطن ليمارس قمعاً مضاداً. وفي المقابل، عندما يُطالب رجل الأمن بأن يكون مثالياً، وراقياً، ومقيداً بقوانين صارمة في بيئة شعبية غير منضبطة وتتعامل معه بعدائية، فإن النتيجة الحتمية على المدى البعيد هي واحدة من مصيبتين:
انكفاء الأمن وعزوفه عن أداء دوره: خوفاً من المحاسبة أو الإهانة، مما يؤدي إلى انفلات أمني مرعب وانتشار الجريمة.
انفجار قادم أشد عنفاً: تولد احتقان وهزيمة نفسية لدى الأجهزة الأمنية تدفعها عاجلاً أم آجلاً للارتداد نحو العنف المفرط لاستعادة هيبتها، وبذلك نعود إلى نقطة الصفر (دولة الأفرع الأمنية).
ثمة وجه آخر، لخطورة تطبيق القانون بمعناه الدقيق دون “رؤية سياسية واجتماعية” مرنة في الحالة السورية. تشير الإحصاءات إلى أن نظام الأسد قتل ما يزيد عن مليون سوري وهجّر أكثر من 15 مليوناً بين نزوح ولجوء. إذا افترضنا جدلاً انتصار الثورة وإعلان “دولة القانون” بمفهومها الجنائي الصارم، فإن تطبيق القانون بمعناه الحقيقي يلزم السلطة الجديدة بمحاسبة ومحاكمة كل من تورط في سفك الدماء، أو تلطخت يداه بالتقارير الكيدية، أو ساند آلة القتل والميليشيات، أو حتى قدّم دعماً لوجستياً أواقتصادياً للنظام.
وهنا نصطدم بالرقم الصادم: إن ملاحقة هؤلاء وتطبيق العقوبات القانونية (التي تصل للإعدام أو السجن المؤبد في حالات القتل العمد والخيانة العظمى) على الكتلة البشرية التي وقفت مع النظام، يعني باختصار اضطرار الدولة الجديدة لإعدام أو سجن مليون سوري آخرين على الأقل. هذا السيناريو يضع “دولة القانون” الناشئة أمام مقصلة أخلاقية وعملية؛ فهل تبدأ عهدها بنصب المشانق لمليون مواطن باسم العدالة؟ أم أن التطبيق الأعمى للقانون سيفجر حرباً أهلية انتقامية لا تنتهي؟
إن هذا الواقع يثبت مجدداً أن الانتقال لا يمكن أن يكون حرفياً، بل يحتاج إلى نموذج “عدالة انتقالية” مدروس (كالمثال الرواندي أو جنوب الأفريقي) يقوم على المصالحة الوطنية والمساءلة الانتقائية للرؤوس الكبيرة، مع تجميد العقوبات القصوى بحق القواعد الشعبية المتورطة، لتجنب تحويل القانون إلى أداة إبادة جماعية باسم الحق.
إن القوانين الحبرية لا تصنع ديمقراطية إذا كانت العقول ما زالت محكومة بعقلية “المستبد الصغير”. الانتقال العشوائي وغير المدروس نحو “دولة القانون” في مجتمع منهك ثقافياً واقتصادياً هو انتحار سياسي. المطلوب ليس خطابات حماسية عن الحرية، بل رؤية وطنية وخطة استراتيجية متدرجة. نحتاج إلى مرحلة انتقالية تُعاد فيها هيبة الدولة بالتوازي مع نشر الثقافة المدنية.
يجب أن يتعلم المواطن أن حريته تنتهي عند حدود حرية الآخرين، وأن كرامة رجل الأمن من كرامة القانون الذي يمثله. إن دولة القانون ليست هبة تُمنح، بل هي بناء مجتمعي تراكمي، وإن لم نحمِ مؤسسات الدولة من مراهقة الحرية العشوائية، فإن البديل لن يكون الديمقراطية، بل الفوضى المطلقة التي ستبكي السوريين والعرب على أيام الاستبداد.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.