ما إن أنهى الرئيس السوري كلمته بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، والتي أثنى فيها على التجربة الخليجية مُبدياً الاحترام للتجربة المصرية والعراقية، حتى انهال عليه أبواق الإعلام المصري بلكنة شوارعية وبأشنع الألفاظ والأوصاف، مع أن الرجل كان في غاية اللباقة والأدب في الكلام.

استوقفتني الحادثة على بساطتها، وأعادتني بالذاكرة ستين عاماً للوراء حينما كان المجتمع المصري يمطر على محيطه العربي والإسلامي قيماً سلوكية وجمالية.

اجتمع في ذات العصر أعلام الفكر والأدب والسياسة والريادة والجمال من المازني للعقاد لطه حسين للمنفلوطي لأحمد شوقي لحافظ إبراهيم لسيد درويش للسنباطي لأساطين الفن والشعر والأدب، والقائمة تطول وتطول وصولاً لذلك الجمهور الراقي الذي ما زالت صورته جاثمة في مخيلاتنا مع حفلات السيدة أم كلثوم وغيرها من أعلام الفن الراقي في تلك الحقبة.

بحثت عن السر وراء الظاهرة العجيبة التي أعطت مصر تلك القوة الناعمة المؤثرة في محيطها في ذلك الزمن، فلم أجد سوى الطبقة الوسطى المحترمة التي كان قوامها أكاديميين ومثقفين وأصحاب مهن حرة من أطباء ومهندسين وقضاة ورؤساء دواوين ومدرسين، بما انطوت عليه تربيتهم من قيم سلوكية وجمالية متوارثة يعتدون بها ويحافظون عليها.

السؤال المطروح:

ما الذي حدث بعد أكثر من ستين عاماً؟ ولماذا أصبح المجتمع المصري عقيماً مشوّهاً سياسياً وإعلامياً وفنياً وسلوكياً وعلى جميع المستويات؟ ولا أعتقد أني بحاجة لسرد الأمثلة على ذلك من فناني اليوم وإعلامييه وسياسييه وحتى فيسبوكييه.

ثم ما هو السر في حالة الإذعان للتفريط الأعمى بالمشروعية الدستورية والقانونية، واستمراء ما آل إليه الحال، والاكتفاء برغيف العيش من خشاش الأرض في مقابل السلامة؟

الحقيقة أنها ذات الطبقة الوسطى التي تم استبدالها إبان مرورها بما كان يعرف بـ”مرحلة الانفتاح” في عهد الرئيس السادات، بعد قطع العلاقة مع المعسكر الشرقي وطرد الخبراء الروس من مصر وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، ومن ثم السقوط الحر في الحضن الغربي وتشريع الأبواب على التطبيع القسري مع إسرائيل.

في هذه المرحلة تمت عملية إعدام اجتماعي للطبقة الوسطى بقيمها وأخلاقها وأعرافها، فسلِبت من أيدي المحامين والأكاديميين وأساتذة الجامعات وكبار الموظفين وغيرهم من الطبقات الفخمة المحترمة، وحلّ محلها طبقة وسطى قوامها المهربون والمنتَحلون والشطّار والمرتشون والمنتفعون والانتهازيون والمدلّسون، على خلفية أصوات القهقهات البلهاء التي كان يطلقها الجمهور المصري، ومن خلفه العربي، على مشهد المدرس في مسرحية مدرسة المشاغبين الذي كان يرقص ويدب بقدميه وهو شبه عارٍ، والطلاب يتحلّقون من حوله ويتحرشون به جنسياً بالخيرزان، وفي كل سانحة يهدده عادل إمام بالضرب وهو يتوارى بالزاوية مثل الكلب الحزين.

في تلك المرحلة انتشرت في الشارع المصري أنماط الفهلوة والشطارة والحذلقة، وانتشرت بين الناس المصطلحات الجديدة المستمدة من تلك الشخصيات النمطية والتي ساهمت السينما في ترسيخها، حتى أصبح البلطجي اليوم أحد دعائم الاستقرار السياسي.

لا أريد التوسع أكثر بالشرح، لأن المقارنة بين مجتمع الماضي في مصر مخيفة فعلاً.

مربط استيقافنا من استعراض التجربة المصرية:

أننا اليوم في سوريا نقف على أعتاب مرحلة انفتاح نودّع فيها الفلك السوفيتي الذي كنا ندور حوله لأكثر من ستين عاماً، ونستعد للدخول بقوة إلى عالم المال والأعمال واللبرلة الغربية استعداداً لإعادة الإعمار.

وأنا كمواطن سوري من حقي أن أخشى على نفسي وأهلي ومجتمعي ووطني من النموذج المصري، مع احترامي ومحبتي وتقديري للشعب المصري العظيم وثقتي أنه سيتجاوز الطامة التي وقع فيها يوماً، وأتمنى أن يكون هذا اليوم قريباً.

لكن من حقي أن أتعلم من تجربته وأن أحتاط من سوء المنقلب.

وعليه: علينا كسوريين “قيادة وشعباً” أن نسلط الضوء على ما خفي من تجارب من سبقونا ونتعلم منها، ومن ثم نحدد مسارنا منذ البداية كي لا نندم مستقبلاً حين لا ينفع الندم.

إن القول اليوم إننا نبدأ من الصفر أو مما هو تحت الصفر يحمل في طياته خطأ واضحاً، لأن لدينا في سوريا تراث الدولة الوطنية الذي تركه لنا الآباء المؤسسون للجمهورية السورية بشرعيتهم الدستورية والقانونية التي أفرزها رعيل الكتلة الوطنية، في عهد الدولة الوطنية التي أنجبت لنا القوانين الوضعية السارية والراسخة حالياً باعتبارها نفعاً خالصاً للناس.

ومع الأسف ما زال لدينا أدران الشرعية الثورية التي فرضها علينا العسكر صبيحة 8 آذار 1963، الذين استولوا على السلطة في سوريا بذراع ودعم خارجي على مر التاريخ السوري الحديث، بدءاً من حسني الزعيم وانتهاءً بحافظ الأسد وأولاده.

الشرعية الثورية التي فرخت لنا ترسانة شيطانية من القوانين والتشريعات المقيّدة للحريات، والتي مع الأسف ما زال معظمها سارياً حتى تاريخه.

وعليه فأنا اليوم أوجه خطابي هذا أولاً وقبل كل شيء إلى السيد الرئيس أحمد الشرع، الذي أحبه السوريون وعلقوا عليه الآمال، وأقول له:

ورد في خطابك إبان الإعلان الدستوري ما يلي:

“مرّ التاريخ السوري بثلاث مراحل: الاستعمار الفرنسي، ومن ثم التيه السياسي، ومن ثم حكم العسكر”… انتهى الاقتباس.

وأنا أقول لك يا سيادة الرئيس:

إن مرحلة الدولة الوطنية على يد الآباء المؤسسين للدولة السورية لم تكن في يوم من الأيام مرحلة تيه سياسي، وإنما مرحلة يقين دستوري وتشريعي مؤسساتي، والتاريخ يشهد.

وهو ما أفضى إلى دولة وطنية تعددية توافقية بين مختلف مكونات الشعب السوري… لذلك تم استهدافها على يد المؤسسة العسكرية بذراع ودعم خارجي.

“لطفاً: كتاب لعبة الأمم لمؤلفه مايلز كوبلاند.”

وإن خلاصنا اليوم يتموضع في اعتماد تِلاد الآباء المؤسسين والبناء عليه، لا في التنكر له وهجرانه واعتماد سياسة البناء من الصفر وكأن التاريخ السوري بدأ صبيحة الثامن من ديسمبر، وكل ما سبقها إلى مزابل التاريخ.

إن تِلاد الآباء المؤسسين بشرعيته الدستورية والقانونية وقيمه وأعرافه وقوانينه وسلوكياته ونموذج الرجل العام العفيف النزيه – ما فوق مستوى الشبهات – والذي يترافق معه المؤمن بكل تلك المنظومة السالف ذكرها، والذي طالما حرمنا منه العسكر وأولادهم لأكثر من ستين عاماً، هو الضامن الوحيد ألا نتوه خلال مرحلة الانفتاح الاقتصادي المرتقبة، لأننا من خلالها سنحافظ “ذاتياً وليس قهرياً” على الطبقة الوسطى السورية المحترمة أو ما تبقى منها، وسنبني عليها قيماً وأعرافاً وسلوكيات محترمة وجميلة، وسندعمها كي تكون ضامناً لنا من أن لا نشذ أو نتوه أو نفقد البوصلة الوطنية.

لأننا باختصار لا نريد أن نجد أنفسنا بعد أربعة أو خمسة عقود في حالة من التيه والهذيان الاجتماعي والسياسي والعقدي والسلوكي والجمالي والإنساني.

الأمر الذي يوجب على إدارتكم الكريمة حثّ الخطى لحل مشكلة أزمة الثقة ببعض المكونات المهمشة حالياً، وعلى رأسهم أبناء المدن من دمشقيين وحلبيين وحماصنة وحمويين وغيرهم، ومنحهم دورهم لبث الثقة لدى باقي المكونات.

لقد آن الأوان يا سيادة الرئيس لهذا الاستحقاق، بعد ما يقارب السنة على التحرير، وأنا لم أكتب لك هذه السطور إلا بعد أن تلمست بنفسي مدى تعلق السوريين بكم وبمشروعكم، فلا تخيّب أملهم يا سيادة الرئيس.

إن قيم الشرعية الدستورية والقانونية التي تركها لنا الآباء المؤسسون بعهد الدولة الوطنية هي المقدس المشترك الذي لا خلاف عليه بين جميع مكونات الشعب السوري، والذي يمكن البناء عليه.

وإن اعتمادها كهدف استراتيجي ضمن رؤية مستقبلية، ومن ثم البناء عليها وتطويرها بما يتناسب مع روح العصر، يضعنا جميعاً على سكة قطار واحدة تقودنا إلى بر الأمان، والله ولي التوفيق.

المحامي مهند الحسني
رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان “سواسية”