كان بشار الأسد يعيش في لندن مطلع التسعينات. يتعلم في المختبرات ويقتل وقته في المقاهي والملاهي. لم يكن “الدكتور” يرى نفسه سياسيا، ولا أن يكون حاكما. هو الابن الثاني للرئيس. في تلك السنوات كان الوريث المنتظر هو شقيقه الأكبر “الفارس” باسل، الذي زُرع بعناية في ثكنات الجيش وقاموس الحزب. لكن حادث السيارة الذي أودى بحياته في عام 1994 على طريق المطار فتح فجأة طرقا لم تكن في الحسبان.

استُدعي بشار من لندن، ودخل بسرعة مدرسة الخلافة وارتدى النياشين وفُصّلت له القواميس. ومع وفاة الأسد الأب عام 2000، لم يذهب الكرسي إلى أحد نواب الرئيس، كما لم تذهب الرتب إلى قادته العسكريين، ولا المناصب إلى رفاقه الحزبيين. عُدل الدستور على مقاس بشار كي يهبط في كرسي القصر.

هكذا تحولت سوريا عملياً إلى “جمهورية وراثية” أو “جملوكية”. ولم يكن ذلك تعديلا في النصوص بل قرار غيّر المسارات. تنصيب دق إسفيناً في سفينة نظام قفز منها الرفاق المؤسسون. وفي عام 2011 انفجرت الاحتجاجات وتحولت إلى شلالات من الدم وكومات من الـجماجم وبحور من الأشلاء. وبعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار والتشظي والعزلة، هرب الأسد الصغير في 2024 وانتهت سلالة خطفت “الجمهورية” لأكثر من نصف قرن.

سوريا ليست إيران. و”السيد الرئيس” ليس “المرشد الأعلى”. و”قائد المسيرة” ليس “الولي الفقيه”. لكن العطب لا يتعلق بما يُورّث بقدر ما يتصل بطبيعة الوريث

لندن، التي كانت في الحالتين محطة عابرة في حياة الاثنين ومكاناً للعلاج، تحولت إلى بداية لمسار وسيرة. مع ذلك، تبقى الفروق كبيرة بين النظامين اللذين ارتبطا بعلاقة تحالف. فسوريا ليست إيران. و”السيد الرئيس” ليس “المرشد الأعلى”. و”قائد المسيرة” ليس “الولي الفقيه”. لكن العطب في التوريث لا يتعلق بما يُوَرَّث بقدر ما يتصل بطبيعة الوريث. هنا لم يصل إلى السلطة رجل صنع نفسه عبر المنافسة أو الخبرة، بل ابنٌ وُلد داخل عالم من الامتيازات والمال والنفوذ، بعيدا عن الاختبارات والمؤامرات. وحين يجد الوريث نفسه فجأة على قمة الدولة، يصبح عليه إدارة نظام معقّد وسط أعاصير من التحديات قبل أن يكون قد اختبر فعلياً حدود السلطة أو مخاطرها.

هذه المفارقة لا تخلق فجوة وحسب، بل تفتح أيضاً شقوقاً داخل النظام نفسه. فالأنظمة السلطوية لا تقوم عادة على شخص واحد يدير التوازنات، بل على تحالف واسع من الضباط والبيروقراطيين ورجال الأمن والحزب وشبكات المصالح. هؤلاء بنوا النظام مع “القائد الأول” و”المرشد الأعلى” وتوقعوا أو توهموا أن يكونوا شركاء في مستقبله.

حتى لو نجح مجتبى خامنئي في البقاء سنوات طويلة في الحكم، فإن الطريقة التي وصل بها إلى السلطة ستترك جرحاً سياسياً عميقاً داخل النظام نفسه

لكن عندما تنتقل السلطة إلى الابن، يصبح الرفاق تابعين، والشركاء رعيةً في بلاط الوريث، والجنرالات متقاعدين في أروقة الثكنات، والطامحون عراةً من الوهم. ومن تلك اللحظة تبدأ الانشقاقات الصامتة داخل النظام، حيث يتحول الطموح الشخصي شعورا بالمهانة والتهميش. لهذا السبب كثيراً ما تبدو الجمهوريات الوراثية مستقرة ظاهرياً لكنها هشة وراء الجدران. فهي تبدو قوية لأن السلطة تركزت في يد عائلة، لكنها في الوقت نفسه تهز شبكة التوازنات التي أبقت النظام متماسكاً والعداوات مضبوطة.

مع ذلك، لا يعمل التاريخ دائماً وفق مسار واحد والأنظمة لا تنسخ بعضها. فبشار الأسد، الذي بدا في بداية حكمه وريثاً مؤقتاً، أقام على سيف السلطة أربعة وعشرين عاماً. وقد يتمكن النظام الإيراني- المعجون بذخيرة عقائدية أكثر من النظام السوري- من تثبيت الانتقال وإعادة إنتاج نفسه.

لكن حتى لو نجح مجتبى خامنئي في البقاء سنوات طويلة في الحكم ونجا من مراوح الاغتيال، فإن الطريقة التي وصل بها إلى السلطة ستترك جرحاً سياسياً عميقاً داخل “الجملوكية الإسلامية”. فكل توريث في نظام يرفع شعار الجمهورية يفتح سؤالاً صعباً حول الشرعية .

الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة سوريا ليس أن “الجملوكية” تسقط سريعاً بالضرورة، بل أن التناقض الذي تولده داخل “الجمهورية” يبقى حياً حتى عندما يبدو كل شيء مستقراً.

مجلة المجلة