“إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة… فلا بدّ أن يستجيب القدر”.
بالنسبة للسوريين
لم يكن هذا البيت مجرد مقدّمة لخطاب أو افتتاحية لمناسبة وطنية. وانما، وطوال 14 عاماً من الألم والخذلان، كانت كلمات أبي القاسم الشابي أشبه بما تبقّى للسوريين من يقين، حين بدا القدر نفسه كأنه غادر البلاد.

اليوم، بعد عام على معركة “ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد، أعود إلى هذا البيت لأنّه يختصر سؤال السوريين الأبدي: كيف ينجو شعبٌ حُوصِر حتى الخنق، ثم ينهض بهذا الشكل المذهل؟ كيف لبلد عاش كل هذا الليل أن يستعيد فجراً في لحظة بدت مستحيلة؟

الاحتفال… وقلوب الجزيرة التي بقيت خارج المشهد
نعم، خرج السوريون أمس إلى الساحات. رأينا دمشق كما لم نرها منذ عقود، ورأينا حلب تستعيد شيئاً من روحها، وحمص تنفض غبار الحرب عنها. لكن الصورة لم تكن كاملة، ولن تكون. فهناك في الجزيرة السورية، السوريون يشاهدون الاحتفال بدموع حقيقية… ليس دموع فرح، بل دموع من يشعر أنّ بلده تحرر دون أن يُسمح له بأن يتنفس الحرية معه.

في الحسكة والرقة، منع الناس من رفع علم الثورة، من الاحتفال، من مجرد الانضمام إلى سياق الفرح العام. بعضهم اعتُقل، وبعضهم قُتل. وهنا، أمام هذا الظلم تحديداً، يتبدّى الفارق بين “سوريا التي تحررت” و”سوريا التي تنتظر دورها في التحرر”.

الانتصار الذي بدأ كشرارة في ريف حلب
حين انطلقت معركة “ردع العدوان” في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم يكن أحد يتوقع أن تتوالى الأحداث بهذه السرعة. الغرباء عن سوريا كانوا يرونها مجرد معركة عسكرية. أما نحن، أبناء هذا الجرح المفتوح، فكنّا نعرف أن الأمر أكبر من ذلك.

كانت لحظة انتفاض ريف حلب الغربي شرارة مختلفة. استعادت الفصائل 18 قرية في يوم واحد. قُطع الطريق الدولي. ارتبك النظام. ظهرت الشقوق في جسده للمرة الأولى منذ سنوات. ومع سقوط سراقب، أصبح الانهيار مسألة وقت.

حلب… المدينة التي صنعت نقطة التحول
حين دخل المقاتلون إلى حلب بعد يومين، أي يوم 29 / 11، شعرتُ ككثيرين أن التاريخ يشطب صفحة ويكتب أخرى.

حلب التي ذاقت أقسى حصار في القرن الحديث، ها هي تعود وتُفتح من جديد.
ومعها تغيّر كل شيء.
كل شيء.

من حماة إلى حمص… وصولاً إلى انتفاضة الجنوب

تحررت حماة، ثم حمص، ثم تحرك الجنوب بطريقة لم يتوقعها أحد. خلال ساعات فقط، تحررت درعا. وهذا وحده كان كافياً ليقول لنا إن النظام لم يعد يقاتل، لم يعد يحكم، لم يعد يملك حتى القدرة على الهروب المنظم.

8 ديسمبر… حين انكسر القيد فعلاً
في السادسة و18 دقيقة من صباح ذلك الأحد، انهار النظام. لحظةٌ لا تشبه سقوط الأنظمة في كتب التاريخ. لحظة صراخ، ودهشة، وبكاء، وضحك في آن واحد.

وفي الوقت نفسه، خرج آلاف المعتقلين من جحيم صيدنايا، بينما بقي مصير آلاف آخرين معلقاً بين ذاكرة الألم وغياب الحقيقة. كان المشهد أقرب إلى القيامة الصغيرة… قيامة الذين عادوا من الموت، والذين لم يعودوا بعد.

هل نحتفل؟ أم نحاسب؟ أم نكمل الطريق؟
عام كامل مرّ. البعض يحتفل. البعض ينتظر. البعض ما زال يدفن أبناءه أو يبحث عن مفقوديه. الحقيقة أننا كسوريين لم نصل بعد إلى نهاية الطريق. لم نحقق العدالة، ولا استعدنا كل الأرض، ولا اكتمل بناء الدولة الجديدة التي نحلم بها.

لكن هناك شيء تغيّر. شيء يشبه استعادة الكرامة. شيء يشبه أن نتنفس دون خوف. شيء يجعلنا نصدق، ولو بحذر، أن مستقبل سوريا هذه المرة قد يُكتب بأيدي السوريين.

القدر استجاب… لكن الليل لم ينجلي تماماً بعد
نعم، تحققت أمنية الكسر الأول. انكسر القيد الأكبر. لكن الليل ما زال طويلاً فوق المناطق التي لم تلتحق بالتحرر. ومع ذلك، فإن دروس عام واحد تقول إن الشعب قادر على فرض اتجاه التاريخ، مهما تراكم عليه الخراب.

وبينما تتردد في الذاكرة أبيات الشابي، يبقى البيت الأخير الأكثر التصاقاً بوجدان السوريين اليوم:

“ولا بدّ للقيد أن ينكسر…”

وما دام الشعب يريد الحياة، فهذه البلاد مهما طال ليلها ستشهد فجراً آخر.
ربما أبطأ… لكنه آتٍ.