هناك لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها الكوميديا قدر لا مهرب منه ، فالسوري اليوم يعيش واحدة من تلك اللحظات، لحظة يطل فيها شيخان يطالبان بالعلمانية، و جنرالان يبشران بالديمقراطية، كمعارضة تعيش قمة عطائها الفكري في بيانات تنشر على الفيسبوك.
إنه زمن لا يحتاج إلى تحليل سياسي، بل إلى طبيب نفسي يشرح كيف وصلنا إلى مرحلة صار فيها صاحب العمامة المذهبية مفكر حداثي ،و كيف أصبح الجنرال بأوسمته حامل لرسالة الحرية، و كيف أمسى ابن النظام الذي صرخنا ضده يريد أن يصبح قائد للشعب الذي ثار ضد أبوه..
جنوباً نجد شيخاً أمضى عمره يقيس المواقف بميزان الطائفة، يخطب، يعظ، يبارك، يربّي جمهوره على فكرة “نحن وهُم”.
ثم فجأة ، يصبح الليبرالي الأول في سوريا ، يطالب بالعلمانية، وبفصل الدين عن الدولة، وكأن لقب شيخ العقل ليس بطاقة تعريف طائفية بل شهادة دكتوراه في الفلسفة السياسية..
والشيخ الساحلي، الذي عوّدنا على بياناته المحشوّة بالإنشاءات الطائفية المعلّبة، بياناته التي تشبه خطابات كُتبت في القرن الماضي ثم نُفِض عنها الغبار على عجل ، يشرح لنا لماذا يجب أن تكون الدولة “فوق المذاهب”، وهو ذاته الذي يحمل لقب مذهبي كفيل لوحده بإلغاء أي معنى للعلمانية.
و الجنرال الذي قرّر أن يعطي العالم درس في الديمقراطية، الذي اختار أن يدرّسها بالطريقة الوحيدة التي يفهمها ، طريقة البوط و البدلة العسكرية المستوردة.
فالديمقراطية عنده ليست نظام حكم، بل ملصق لامع يضعه على اكتاف افراد ميليشيا تتنقّل بين المدن بالسلاح، وتفاوض الدول بابتسامة محسوبة، وتحكم القرى ببيانات تُكتب في غرف العمليات لا في صناديق الاقتراع.
إنه نموذج الديمقراطية المسلّحة، صندوق الاقتراع في جيبه اليمين، والمسدس في جيبه اليسار، والتصويت يتم دائماً برفع اليدين معاً..
أمّا الجنرال الباريسي الآخر…
ابن ذلك البيت الذي كانت تخرج منه التعليمات بالحبر الأسود وتُنفَّذ بالدم، ابن جنرال ملأ السجون والقبور، يطل ببدلته الأنيقة ليحدّثنا عن “الانتقال الديمقراطي” وكأنه لم يكبر فوق أنقاض دولة دهسها أباه.
والمفارقة الكوميدية ؟
أنّ الرجل يريد أن يحكم الشعب الذي هتف ضد عائلته، ويريد أن يعيد ترتيب سوريا من جديد بعد أن سقط النظام الذي كان أبوه عموده الفقري، ثم يخرج علينا ليقترح بكل ثقة باريسية أن يبدأ السوريون صفحة جديدة من تحت قيادته هو..
مشهد سوريالي يحتاج إلى مترجم لفكّ شيفرته ، فالجميع يريد “دولة علمانية بلا طوائف ، شرط أن تبقى الزعامة له.
ويريدون “حكماً مدنياً” ، شرط أن يبقى السلاح في حضنهم لا في حضن الدولة.
ويريدون “ثورة تحكم” ، شرط أن يبقوا هم أنفسهم أبناء النظام الذي ثار الناس عليه، و كأنّ الثورة كانت بروفةً طويلة لعودتهم، لا صرخة لطردهم.
وهكذا…
تبدو المعارضة في سوريا وكأنها بروفا لمسلسل فانتازيا من مسلسلات نجدت أنزور:
سيناريوهات بلا منطق، شخصيات تتصارع على هوية البواسل وعلى عرش الكواسر في الوقت ذاته، وكأنهم نجوم أوراق الزمن المر الباحثون عن مجد انتهى قبل أن يبدأ، ويعيدون تمثيل نهاية رجل شجاع كل يوم بلا شجاعة، ويتخبطون مثل إخوة التراب في صراع لا يفهمه حتى التراب نفسه، فالموت هنا لا يبدو بعيداً، فهو الموت القادم إلى الشرق في كل تصريح و في كل بيان، بينما الكواسر والبواسل والجوارح يطيرون بلا مسار، كأنهم شخصيات من آخر الفرسان تبحث عن بطولات وهمية، والبحث عن صلاح الدين في مسرحهم لا ينتهي أبداً، لأنه مجرد حلم في نص لن ينتصر فيه بطلهم..




Comments are closed for this post.