منذ انطلاقة الثورة، خرج الشعب السوري من أجل قيم العدالة ورفع الظلم وتحقيق الكرامة، وقد شكلت هذه القيم دائماً البوصلة التي توجه مسار الدولة السورية الجديدة. وتشكل العدالة الانتقالية أحد ركائز هذا المسار، لما تمثله من وفاء لقيم الثورة، وحفظ حق الشهداء، وإعادة بناء الدولة والمجتمع ليتمكن جميع أبنائها من التعايش، والمضي نحو الاستقرار والبناء.
العدالة الانتقالية مبدأ دستوري التزمت به الدولة على كل الصعد، وظهر واضحاً في الإعلان الدستوري، وقد تجسّد هذا الالتزام عملياً من خلال إجراءات واسعة وواضحة، منها إطلاق هيئة وطنية للعدالة الانتقالية ولملف المفقودين، وكذلك عبر المؤسسة القضائية ووزارة العدل، التي تشكل أحد أعمدة هذا المسار.
الإنجازات والإجراءات العملية
من الإجراءات التي تم اتخاذها:
• السير الجاد في إصلاح البنية المؤسساتية للقضاء وضمان استقلاله، وإعادة تنظيم المحاكم لضمان الكفاءة واستمرارية العمل القضائي.
• إعادة القضاة المنشقين ضمن إطار قانوني منظم، بما يعزز كفاءة واستقرار الجهاز القضائي.
• التنسيق مع وزارة الداخلية لملاحقة مئات المتورطين بانتهاكات جسيمة، والإحالة إلى القضاء.
• إنهاء العمل بالأحكام والإجراءات الاستثنائية، ورد الاعتبار لمئات الآلاف من المواطنين، وإزالة ملايين الإجراءات التعسفية السابقة، بما يعكس الالتزام بالعدالة وحماية الحقوق.
• فتح باب الانتساب للقضاء الجديد عبر المعهد العالي للقضاء لتأهيل جيل قضائي مهني مستقل بعد استبعاد القضاة المتورطين بانتهاكات لشرف القضاء وحقوق الإنسان.
• تجهيز البنية التشريعية المناسبة وحفظ وتوثيق الأحكام الجائرة للمحاكم الميدانية السابقة، للمساعدة في كشف مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين.
• تعزيز التعاون مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والدولية، من خلال بعثات عمل وورش تدريبية وتبادل الخبرات والمعلومات، لضمان مسارات متسقة وفاعلة للعدالة الانتقالية.
• متابعة الملفات الحساسة، بما في ذلك أحداث الساحل ولجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء، وملف المفقودين، مع حفظ الأدلة والوثائق لضمان عدم ضياع الحقوق.
• معالجة ملفات العقارات، عبر تشكيل محاكم متخصصة ومراجعة الأحكام السابقة لضمان حقوق أصحاب الملكية واستعادة العدالة أمام المصادرات التعسفية.
• التعامل مع الجمهور بكل شفافية، وكشف الإجراءات المتعلقة بالمحاكمات لضمان الثقة والشفافية.
كل هذه الإجراءات تعكس التزام الدولة بمسار قانوني ومؤسساتي متدرج، يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية ويطمئن المواطنين بأن حقوقهم محفوظة، وأن كل تجاوز سيحاسب عليه القانون.
تصحيح المفاهيم والصور النمطية
رغم وجود بعض الإشكاليات المتعلقة بالصور النمطية والمقاربات المبسطة لمفهوم العدالة الانتقالية، من المهم التأكيد أن الهدف الحقيقي للمسار ليس الانتقام ولا الإفلات من العقاب، بل تحقيق العدالة لكل المواطنين، بما يعزز الثقة بمؤسسات الدولة، ويسهم في كشف الحقيقة وحق الضحايا وحفظ الذاكرة وحماية الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يطرح البعض تساؤلات متكررة حول مستقبل العدالة الانتقالية، محملاً الدولة مسؤولية التأخير، وهذا الحديث مفهوم وطبيعي في ظل حجم الألم والقلق لدى الضحايا والمواطنين، ومن المهم توضيحه بشفافية دون تحميل أي طرف نوايا سلبية.
الالتزام العملي للوزارة
بصفتي وزير العدل، من واجبي أن أوضح أن هدفنا كان ولا يزال تحقيق العدل، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من تورط بانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري. وقد تجسّد هذا الالتزام عملياً من خلال الإجراءات الواضحة والمتعددة التي تم ذكرها، والتي تعكس حرص الدولة على العدالة وسيادة القانون، وما سبق من حديث يسلط الضوء على جانب بسيط من الأعمال المبذولة.
إن أحد أوجه الخلل في النقاش يكمن في ربط العدالة الانتقالية بصور جامدة أو مقارنتها بصورة مباشرة مع تجارب أخرى. ورغم اختلاف الوقائع والأسباب والنتائج من حالة إلى أخرى، فإن الزج الدائم بهذا المفهوم لا يخلو من تبسيط مخلّ، وقد يخفي أحياناً مقاربات لا تخدم المصلحة العامة، دون مراعاة خصوصية الحالة السورية المثقلة بتركة ضخمة من الانتهاكات واهتراء المؤسسات والتحديات الكبيرة التي واجهتها ولا تزال الدولة، من تدخلات خارجية ووجود مجموعات مسلحة خارجة عن القانون لا تزال متمردة على الشرعية ومستقوية بالخارج.
ومن الطبيعي أن يبقى المسار غير مكتمل طالما كانت بعض هذه التحديات قائمة، إذ إن إخضاع الجميع لسلطة الدولة وسيادة القانون يحتاج وقتاً وجهداً تراكمياً، حتى تستطيع الدولة التركيز على مهامها الأساسية وبسط عدالتها، ولا ننسى ما حصل في العام المنصرم من نقاشات وجولات مطولة حول رفع العقوبات، دون بروز دعم دولي فعلي حقيقي لتأمين الموارد والمعلومات المطلوبة لإعادة الإعمار ودعم صناديق جبر الضرر وكشف الحقيقة.
البعد الأخلاقي للعدالة الانتقالية
المسار الذي يمضي اليوم يبرز الانتصار الأخلاقي للثورة السورية في إعادة بناء دولة تقوم على الحقوق والإنصاف والعدالة، بعيداً عن أي دوافع للانتقام أو الإفلات من العقاب، ومسير متوازن يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود.
إن واجب النخب والمعنيين والمؤثرين تسليط الضوء على هذه المقاربة ومساعدة المؤسسات ودعمها، بدلاً من الضغط والتسرع الذي قد يؤثر على حالة الاستقلالية المطلوبة، ويصنع جواً من القلق والتحريض غير المقصود، الذي قد يعرقل المهمة بدلاً من إتمامها. فالعدالة لها متطلباتها وظروفها القانونية والحقوقية، وتحتاج إلى إتمام أدواتها وعوامل نجاحها.
لا بد من بث الأمل والتفاؤل، فكما انتصرت الثورة في معركة إسقاط النظام، سننتصر في معركة البناء ومعركة العدالة ومعركة الوحدة. بالوعي، والاستمرار، والثقة، والتعاون، والشفافية، ندخل عام 2026 ونحن على يقين بأن رواق العدالة سيمتد أكثر وأكثر، ويتجلى ويظهر بشكل واضح، بعد اكتمال فترة التأسيس والتحضير، وحينها سيتم الانطلاق بقوة وثبات.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.