مع تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن في ظل التظاهرات الاحتجاجية ضد النظام الإيراني، التي تصدت لها أجهزة الأمن، مما أدى لوقوع مئات القتلى، يترقّب الأميركيون قرار الرئيس دونالد ترامب النهائي بإسقاط النظام الإيراني بعد إصداره سلسلة قوية من التهديدات بالتدخل.

بلغت الحصيلة الإجمالية لقتلى الاحتجاجات غير المسبوقة التي تشهدها إيران للأسبوع الثالث على التوالي 2571 شخصا، وفق ما ذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا”، وسط توقعات لمنظمات حقوقية بارتفاع أعداد الضحايا جراء القمع الوحشي الذي تنفذه قوات النظام الإيراني وتهديداتها بإعدام المتظاهرين.

وأضافت “هرانا”، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، أنها تحققت حتى الآن من مقتل 2403 متظاهرين، و147 شخصا مرتبطين بالحكومة الإيرانية، و12 شخصا دون سن الثامنة عشرة، وتسعة مدنيين لم يشاركوا في الاحتجاجات. فيما أقر مسؤول إيراني بمقتل نحو ألفي شخص، لتكون المرة الأولى التي تعترف فيها سلطات النظام بسقوط هذه الأعداد في شتى أنحاء البلاد.

وأفادت الوكالة أيضا بأن عدد المعتقلين بلغ 18 ألفا و434 شخصا خلال 17 يوما من الاحتجاجات، التي أفادت تقارير إعلامية بأنها امتدت إلى 180 مدينة وبلدة في جميع المحافظات الإيرانية الـ31. وبعد أن بدأت بسخط عارم من انهيار العملة الإيرانية وارتفاع تكاليف المعيشة، توسعت لاحقا لتشمل المطالبة بتغيير النظام، ليواجه الأخير أحد أكبر التحديات منذ عام 1979.

وحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإيرانيين على مواصلة الاحتجاجات وتذكر أسماء من يرتكبون انتهاكات بحقهم، قائلا إن “المساعدة في الطريق”.

وفي منشور له على منصة “تروث سوشيال”، خاطب ترامب المحتجين الإيرانيين بالقول: “أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج.. سيطروا على مؤسساتكم!!!… المساعدة في الطريق”، دون إعطاء تفاصيل عن ماهية هذه المساعدات.

كما تعهد الرئيس الأميركي باتخاذ “إجراء قوي للغاية” إذا أقدمت السلطات الإيرانية على إعدام أشخاص أوقفوا في المظاهرات، مشيرا إلى إلغاء كل الاجتماعات مع مسؤولين إيرانيين إلى أن يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين.

وكانت الخارجية الأميركية ذكرت في منشور لها على منصة “إكس” الثلاثاء أن السلطات الإيرانية تخطط لإعدام المتظاهر عرفان سلطاني الأربعاء، متحدثة عن اعتقال “أكثر من 10600 إيراني من قبل نظام الجمهورية الإسلامية لمجرد مطالبتهم بحقوقهم الأساسية”، مضيفة أن “عرفان سلطاني، البالغ من العمر 26 عاما، والذي صدر بحقه حكم الإعدام في 14 كانون الثاني/يناير، هو من بينهم”.

وجاء منشور الخارجية الأميركية في أعقاب تصريح رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني بأن الأولوية ستكون لمحاكمة ومعاقبة المسلحين ومن ارتكبوا “هجمات إرهابية”، على حد وصفه، خلال الاحتجاجات.

وأعلن ترامب الثلاثاء عن خطة لفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل مع إيران، في الوقت الذي يناقش فيه خيارات أخرى تشمل التدخل العسكري. فيما وجهت الخارجية الأميركية تحذيرا لأي من مواطنيها الموجودين داخل إيران حاليا بضرورة المغادرة.

تنديد أوروبي
وفي إطار الردود الأوروبية على الانتهاكات الصارخة في إيران، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس للصحفيين في مدينة بنغالور جنوب الهند خلال زيارة رسمية: “أفترض أننا نشهد الآن الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام”.

وأضاف المستشار الألماني: “عندما لا يستطيع نظام ما البقاء في السلطة إلا بالعنف، فإنه يكون قد وصل فعليا إلى نهايته”.

من جانبه، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو طهران إلى التوقف الفوري عن قمع المتظاهرين، وقال: “ما نعتقده هو أن هذا هو أشد قمع في تاريخ إيران المعاصر، ويجب أن يتوقف فورا”.

وأمس أعلن بارو استدعاء باريس السفير الإيراني لديها، للتنديد بـ”عنف الدولة الذي طال المتظاهرين المسالمين في شكل عشوائي”، مذكرا بأن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تعهدت بفرض عقوبات “سريعة” على طهران.

وإلى جانب فرنسا، استدعت كل من بريطانيا وإسبانيا وفنلندا سفراء إيران لديها احتجاجا على قمع السلطات الإيرانية الدامي للمحتجين، مؤكدة أنها لن تتسامح مع هذا الأمر، ومشددة على وقوفها إلى جانب الشعب الإيراني.

مكاسب إسقاط “ولاية الفقيه”
وفي حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، قال مهدي عقبائي، وهو عضو في “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية”، إن “الانتفاضة الحالية في إيران انطلقت من إضراب البازار في طهران أواخر كانون الأول 2025، بعد انهيار غير مسبوق للريال وانفجار الأسعار”، مضيفا أنها “تحولت خلال أيام إلى حركة شاملة شملت عشرات المدن الكبرى والصغرى، من مشهد وأصفهان والأهواز إلى كرمانشاه وتبريز، مع آلاف الشهداء والجرحى وآلاف المعتقلين وتحت شعار واحد يتكرر: إسقاط نظام ولاية الفقيه، لا مجرد تغيير حكومة”.

وتابع عقبائي: “إذا أثمرت هذه الانتفاضة عن تغيير النظام، فإن ما سيجنيه الشعب الإيراني أولا هو قيام جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة صناديق الاقتراع، وتعددية حزبية، وفصل حقيقي للدين عن الدولة، كما يطرحه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في برنامجه ذي النقاط العشر”.

ويوضح أن هذا يعني أيضا نهاية أحكام الإعدام والمحاكم الثورية والتعذيب، وبناء قضاء مستقل يضمن حريات التعبير والصحافة والتنظيم والتظاهر، مع مساواة كاملة بين المرأة والرجل ورفع كل أشكال التمييز القومي أو المذهبي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يبين عقبائي أن إسقاط النظام سيعمل على إيقاف نزيف ثروات الإيرانيين على الميليشيات في العراق ولبنان واليمن، ومثلما فعل أيضا عندما دعم الديكتاتور السوري في قتل شعبه، لتوجه الموارد إلى تحسين الأحوال المعيشية وتوفير فرص العمل وتطوير البنى التحتية داخل إيران، إضافة إلى تحول البلاد من مصدر توتر إلى جار مسالم غير نووي.

بناء الدولة الحديثة
من جانبه، يقول الباحث السياسي مصطفى النعيمي في حديث مماثل للصحيفة إن الشعب الإيراني اليوم يتوق إلى لحظة تحريره من نظام القمع والاستبداد الذي حكم البلاد بالحديد والنار، وسيشكل سقوط النظام القائم تحولا جذريا في بناء هوية الدولة الحديثة.

وأضاف أن تغيير النظام اليوم يعني بالنسبة لشرائح واسعة من الشعب الإيراني تفكيك هيكلية “ولاية الفقيه” والانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية.

وتابع أنه سياسيا يطمح المحتجون إلى إلغاء “مجلس صيانة الدستور” الذي يقيد حق الترشح، والوصول إلى نظام يضمن التعددية الحزبية، مبينا أن الواقع التاريخي يشير إلى أن سقف المطالب ارتفع بشكل حاد. فبينما كانت احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009 تنادي “أين صوتي؟” (إصلاح من الداخل)، رفعت احتجاجات عام 2022 شعارات صريحة تطالب بإسقاط النظام برمته، ما يعكس فقدان الأمل في أي مسار إصلاحي تدريجي.

ويذكر الباحث النعيمي أنه على الصعيد الأمني يعني التغيير إنهاء سطوة الأجهزة المتعددة التي تراقب الحياة العامة والخاصة، وعلى رأسها “شرطة الأخلاق”، مشيرا إلى أن استحضار واقعة مهسا أميني (أيلول 2022) يوضح أن الأمان الشخصي أصبح المطلب الأول. فالتغيير يعني ألا تتعرض النساء للاعتقال أو القتل بسبب اللباس، وألا يسجن الناشطون في “سجن إيفين” بسبب آرائهم، أي أن الإيرانيين يسعون إلى استبدال العقيدة الأمنية التي تعتبر “المواطن تهديدا محتملا” بعقيدة تركز على حماية المجتمع وخصوصيته.

ويرى النعيمي أن “الحرس الثوري” يمثل اليوم العقبة العسكرية الأكبر في مسار التغيير، فهو ليس مجرد جيش بل إمبراطورية عسكرية واقتصادية. ويقول إن تغيير النظام يطرح تساؤلا جوهريا حول إمكانية دمج الحرس في جيش وطني كلاسيكي أو حله، لافتا إلى أن الوقائع السابقة، مثل احتجاجات تشرين الثاني 2019 (احتجاجات البنزين)، أظهرت أن النظام مستعد لاستخدام القوة المميتة (سقوط مئات القتلى في أيام قليلة) للحفاظ على بقائه، معربا عن اعتقاده أن “التحرر” عسكريا يعني تحييد هذه القوة أو انشقاق أجزاء منها لتنحاز إلى الشارع، وهو المسار الأكثر تعقيدا في الحالة الإيرانية.

ويوضح أن العامل الاقتصادي اليوم يبرز على الساحة، والذي يهدف من خلال الجهود المشتركة في المناخ الضاغط على نظام الحكم الإيراني إلى إنهاء “اقتصاد الظل” الذي تسيطر عليه المؤسسات التابعة لبيت المرشد و”الحرس الثوري”.

ويضيف أن الإيرانيين يعانون من فساد هيكلي وتضخم جامح، حيث توجه الموارد للتدخلات الإقليمية بدلا من التنمية الداخلية، واحتجاجات البنزين عام 2019 كانت الشرارة التي كشفت عمق الفجوة، حيث أدى رفع الأسعار فجأة إلى خروج الطبقات الفقيرة التي كانت تعتبر “خزان النظام”. ويتابع أن التغيير يعني استعادة الأصول الوطنية، ورفع العقوبات الدولية عبر سياسة خارجية متزنة، وتحويل الأموال من “تصدير الثورة” إلى تحسين معيشة المواطن.

وتشير المتغيرات في العمق الإيراني إلى أن الشعب ماض في طريق الحرية رغم سلوكيات الأجهزة الأمنية في مراقبة تسلسل الاحتجاجات. فمن مظاهرات البنزين (مطلبية اقتصادية) إلى مهسا أميني (حقوقية واجتماعية) وصولا إلى التحركات الحالية، ما يبرهن على حدوث تحول في الوعي الجمعي.

وشدد على أن الإيرانيين لم يعودوا يطالبون بخبز أرخص فحسب، بل بـ”حياة” كريمة (شعار: امرأة، حياة، حرية). ولذلك فإن التغيير اليوم يعني بالنسبة لهم إنهاء حالة “الدولة المنبوذة” والعودة إلى المجتمع الدولي كدولة طبيعية، حيث يرتبط التحرر المالي بالتحرر السياسي، معتبرين أن استمرار النظام الحالي يعني استمرار الاستنزاف المالي والقمع الجسدي.

التغيير القادم ضرورة
ويؤكد الباحث النعيمي أن تغيير النظام في إيران أصبح ضرورة إيرانية وإقليمية ودولية، وسيمثل التغيير القادم زلزالا جيوسياسيا، وسيعيد رسم خارطة الشرق الأوسط، وسينعكس إيجابا تجاه أدوات المحور الإيراني وفلول المرشد.

وقال إن سقوط الملالي سيمثل تفكيك ما يسمى “محور المقاومة” ونهاية الحروب بالوكالة، حيث إن هذا السقوط سيقطع “الشريان الأبهر” لما يعرف بالمحور جيوسياسيا، وسيؤدي ذلك إلى انهيار مالي ولوجستي للفصائل الموالية في العراق ولبنان واليمن وسوريا.

وبين أن الوقائع تشير إلى أن تراجع النفوذ الإيراني في عام 2025 قد فتح الباب بالفعل أمام صراعات محلية لمحاولة ملء فراغ القوة، ولا سيما أن التغيير يعني تحول هذه الفصائل من “أذرع لدولة إقليمية” إلى مجموعات محلية معزولة، مما يسهل دمجها في جيوش وطنية أو تفكيكها، وهو ما يغير ميزان القوى لصالح الدول المركزية.

وأضاف أن سقوط النظام سينعكس على إنهاء التهديد الإيراني “الأيديولوجي” وعلى تحول جذري في العقيدة الأمنية لدول الخليج العربي، مشيرا إلى أنه بدلا من سباق التسلح والتحالفات الدفاعية الموجهة ضد طهران قد يتجه الإقليم نحو “نظام أمني جماعي” يضم إيران كشريك طبيعي وليس كعدو وجودي.

ويعتقد أن هذا التحول سيسحب الذرائع للتدخلات العسكرية المباشرة في مضيق هرمز وباب المندب، ويحول المنطقة من “ساحة صراع صفري” إلى “ساحة تفاهمات اقتصادية”، مما يعزز استقرار سوق الطاقة العالمي.

وشدد على أن سقوط نظام الملالي سيفقد القضية الفلسطينية أحد المتاجرين بها أيديولوجيا، كما أنه في الوقت نفسه سيسحب البساط من تحت أقدام اليمين الإسرائيلي الذي طالما استخدم “البعبع الإيراني” لتبرير سياساته الأمنية وتأخير الحلول السياسية.

وأشار إلى أنه بدون “فيلق القدس” ستضطر “إسرائيل” للتعامل مع واقع سياسي جديد لا يعتمد على التهديدات الوجودية العابرة للحدود، مما قد يدفع باتجاه مسارات سلام أكثر واقعية أو يغير شكل التحالفات الأمنية التي نشأت مؤخرا في المنطقة.

وعلى المستوى الاقتصادي، يقول النعيمي إن “التحرر من النظام المالي الحالي” لا يعني فقط تحسين معيشة الإيرانيين، بل يعني عودة أحد أكبر اقتصادات المنطقة إلى السوق الشرعي.

ويوضح أن إنهاء نظام “غسل الأموال” المرتبط بالالتفاف على العقوبات وتجارة السلاح سيعيد ربط المصارف الإيرانية بالنظام المالي الدولي (SWIFT)، وهذا سيوجد تدفقات استثمارية هائلة تقدر بمليارات الدولارات، ويحول إيران من “ثقب أسود” اقتصادي إلى محرك للنمو في غرب آسيا، مما يقلل من جاذبية التطرف الناتج عن الفقر والتهميش الاقتصادي.

استعادة الهوية الوطنية الحقيقية
وبالنسبة للمكاسب التي سيجنيها الشعب الإيراني أيضا، يقول الباحث السياسي النعيمي إن سقوط نظام الملالي اليوم سيعيد الكرامة الإنسانية، وسيعيد صياغة الحريات الشخصية (المكسب الأكثر إلحاحا)، وإنهاء عصر “الوصاية” على نمط الحياة. مضيفا أن التغيير يعني إلغاء القوانين القسرية الخاصة باللباس، ووقف تدخل “شرطة الأخلاق” في الخصوصيات، وضمان حرية التعبير والمعتقد.

وتابع أن الإيرانيين سيتحررون من العزلة الدولية، وسيجلب التغيير “الاندماج العالمي”، مما يتيح للطلاب والباحثين والفنانين الإيرانيين التواصل مع العالم دون قيود العقوبات، وسيجني الشعب القدرة على السفر والتبادل الثقافي واستعادة مكانة إيران كدولة حضارية منفتحة بدلا من كونها “دولة منبوذة” سياسيا.

وأشار النعيمي إلى المكسب المهم المتمثل في استعادة الهوية الوطنية “إيران أولا”، والتي لم تتح للشعب الإيراني التغيير منذ عام 1979، حيث حاول النظام صبغ إيران بهوية أيديولوجية عابرة للحدود. لافتا إلى أن التغيير اليوم سيعيد للشعب هويته الوطنية الإيرانية متعددة الأعراق، وسيجني المواطنون شعورا بالفخر الوطني القائم على الإنجاز الحضاري وليس على “الشعارات الثورية”.

ويختم عقبائي بالتأكيد على أنه رغم وحشية القمع وإطلاق النار على المتظاهرين، تواصل انتفاضة الشعب الإيراني طريقها بفضل وجود شبكة منظمة من “وحدات المقاومة” والكفاءة الميدانية للكفاح الشعبي، وهي عوامل تجعل هذا الحراك مصمما على الاستمرار حتى إسقاط نظام الملالي وقيام إيران حرة ديمقراطية.

صحيفة الثورة السورية