بدأ نشوء الأحزاب والعمل الحزبي في سوريا في وقت مبكر من القرن العشرين، حيث تحولت الجمعيات والحركات السياسية إلى أحزاب وكان لها دور في بداية ما يسمى النهضة السياسية في سوريا. وخلال فترة النضال السياسي في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات شهدت الحركة السياسية انتعاشاً واضحاً، على الرغم من الصراع الذي شهدته الأحزاب ضد السلطات أو بين بعضها البعض. هذا الصراع أضعف الكثير منها خاصة تلك التي تعرض أعضاؤها للاعتقال والسجن لسنوات طويلة.

ما بعد سيطرة نظام الأسد على الحكم تحولت هذه الأحزاب إلى مجرد ديكور سياسي ممثل بالجبهة الوطنية التقدمية، فيما تحول جزء منها إلى العمل السري. وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا فشلت الأحزاب في سوريا بأن تكون منافساً على السلطة؟

يعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها عدم وجود بيئة سياسية حقيقية تدعم عمل الأحزاب وتنوعها، مما أدى إلى ضعف الثقافة الحزبية في المجتمع. فسوريا لم تعرف لفترات طويلة حياة سياسية مستقرة تسمح بتجذر العمل الحزبي. وغالبية السوريين تعاملوا مع الأحزاب بوصفها أدوات للوصول إلى السلطة أو شعارات أيديولوجية، وليس باعتبارها مؤسسات تمثل المصالح الاجتماعية والاقتصادية للناس.

ولم يكن ضعف الأحزاب مرتبطاً بالعوامل السياسية فقط، فالعوامل الاجتماعية أيضاً كان لها دورها، كتراجع الطبقة الوسطى السورية خلال العقود الماضية نتيجة السياسات الاقتصادية والفساد والهجرة. هذه العوامل أفقدت الحياة السياسية أحد أهم دعائمها.

فالأحزاب تنمو عادة داخل مجتمع يضم فئات مستقلة اقتصادياً وقادرة على تنظيم مصالحها والدفاع عنها. وهو ما أصبح أكثر صعوبة مع اتساع الفقر واعتماد شرائح واسعة من المجتمع على الدولة أو على شبكات النفوذ.

ومن أسباب فشل الأحزاب وضعفها سيطرة العسكر على الحكم، وبالتالي تراجع الحياة السياسية، وسيطرة الحكم الفردي والعسكري الذي لا يؤمن بالأحزاب والحياة السياسية. وكذلك انتهاء مفهوم الأحزاب العابرة للحدود، وبالتالي تراجع حضور هذه الأحزاب مثل الحزب الشيوعي.

هذا الأمر ساعد على هيمنة الأيديولوجيا على البرامج، خاصة أن كثيراً من الأحزاب السورية انشغلت بالنظريات الكبرى مثل القومية العربية أو الاشتراكية أو الأممية الشيوعية أكثر من انشغالها بقضايا المواطن اليومية كالتعليم والاقتصاد والخدمات، ما خلق فجوة بينها وبين المجتمع.

ومن ذلك انتهاء مفهوم الأحزاب المرتبطة بالأشخاص بوفاة هؤلاء، وبالتالي تراجع زخم حضورهم في الحياة السياسية مثل الأحزاب الناصرية.

كما عانت الأحزاب السورية من ظاهرة الانقسامات والانشقاقات المتكررة حتى بات من النادر العثور على حزب لم يشهد أكثر من انشقاق خلال مسيرته. وفي كثير من الأحيان تحولت الخلافات السياسية والتنظيمية إلى صراعات على القيادة والنفوذ، الأمر الذي أدى إلى إضعاف هذه الأحزاب وتشتيت قواعدها الشعبية وتقليص قدرتها على التأثير.

ولم تقتصر المشكلة على الانشقاقات فقط، فقد امتدت إلى طبيعة إدارة هذه الأحزاب نفسها، فالكثير من الأحزاب التي رفعت شعارات الديمقراطية لم تنجح في تطبيقها داخل مؤسساتها، إذ بقيت القيادات ذاتها في مواقعها لعقود طويلة، وتحولت بعض التنظيمات إلى ما يشبه الملكيات السياسية الصغيرة.

وأدى ذلك إلى إضعاف حيويتها وفقدان قدرتها على استقطاب الأجيال الشابة، حيث فشلت معظم الأحزاب في تجديد خطابها وأدواتها وبقيت تتحدث بلغة سياسية تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بينما تغير المجتمع وتغيرت أولويات الشباب بشكل جذري، إضافة إلى حضور الحزب الواحد وسيطرته على الحياة السياسية ومن ثم استغلاله من قبل السلطة نفسها كما حدث مع حزب البعث.

ولم تتوقف أزمة الأحزاب السورية عند حدود الحقبة السابقة لعام 2011، بل اتخذت أشكالاً جديدة بعد اندلاع الثورة السورية، فقد أدى الشتات وتوزع القوى السياسية في دول متعددة إلى زيادة حالة التشرذم والانقسام، كما أصبحت بعض الأحزاب والقوى السياسية أكثر ارتباطاً بظروف المنفى أو بأجندات الجهات الداعمة من ارتباطها بالواقع اليومي للسوريين داخل البلاد. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بينها وبين الشارع السوري وإضعاف قدرتها على تمثيل مختلف الفئات الاجتماعية.

وبالتالي، فإن الأحزاب السورية فشلت في أن تصبح منافساً حقيقياً على السلطة لأن البيئة السياسية لم تسمح لها بالنمو، ولأنها نفسها لم تنجح دائماً في بناء قاعدة اجتماعية، ولم تكن معبرة بشكل كبير عن واقع المجتمع خاصة تلك التي تستورد أفكارها من الخارج كأفكار معلبة وجاهزة.

والأدق أن نقول إن سوريا لم تعرف عملاً سياسياً ديمقراطياً مستقراً يسمح للأحزاب بأن تنضج وتتنافس، لأنها عاشت بين انقلابات وأمن وحزب مهيمن ومجال عام مغلق. خلاصة القول أن الحاجة للأحزاب ضرورة، لكن يجب تهيئة المجتمع بشكل صحيح لتتكون الأرضية الصحيحة لممارسة العمل السياسي.

صحيفة الثورة السورية