تمر سوريا اليوم بمرحلة مفصلية، يبرز فيها ملف “مجلس الشعب المنتظر” كأحد أبرز التحديات التي تواجه الثورة السورية بعد انتصارها وسقوط نظام عصابة الأسد في كانون الأول 2024. الحديث عن البرلمان في سوريا الجديدة ليس ترفاً سياسياً، بل هو معركة حقيقية لاستعادة “السيادة الشعبية” التي غُيّبت لعقود تحت قبة مجلس كانت وظيفته الوحيدة هي “التصديق والتصفيق” على مراسيم القصر الجمهوري وتشريع القمع.

ولدت فكرة المجلس الجديد من رحم الحاجة إلى شرعية حقيقية تعبر عن جميع السوريين، وبدأت تتبلور مع الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في آذار 2025، والذي وضع حجر الأساس لمرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة بناء الدولة على أسس تشاركية.

اليوم، ونحن في منتصف عام 2026، نشهد تحول هذه الفكرة إلى واقع ملموس ينتظره ملايين السوريين في الداخل والشتات. سَلَكَ مسار ملف مجلس الشعب منذ سقوط النظام درباً مليئاً بالألغام السياسية والقانونية. بدأت الفكرة كضرورة لإنهاء “حكم المراسيم” الذي ميز المرحلة الأولى بعد التحرير، ولإيجاد جسم تشريعي قادر على مراقبة عمل الحكومة ومحاسبتها، ومنع أي محاولة لانفراد السلطة التنفيذية بالقرار.

كانت العملية الانتخابية التي جرت في الشهور الماضية، وشملت مناطق واسعة من سوريا، من إدلب ودمشق وحلب وصولاً إلى اتفاقات الاندماج في الحسكة وعين العرب، بمثابة اختبار حقيقي لقدرة السوريين على تنظيم شؤونهم السياسية بعيداً عن هيمنة الحزب الواحد.

وبالرغم من الصعوبات اللوجستية والأمنية، تمكن السوريون من الوصول إلى اختيار ممثليهم بوعي سياسي لافت. وصل هذا الملف اليوم إلى مرحلة متقدمة جداً مع إنهاء اللجنة العليا للانتخابات لفرز النتائج والمصادقة عليها، بانتظار الثُلث الذي من المفترض أن يتم تعيينه من قِبَل رئيس الجمهورية. الجلسة الافتتاحية التي ستكون لحظة تاريخية بإعلان ولادة أول برلمان سوري “حر” فعلياً منذ عقود، لينهي حقبة “مجلس التصديق والتصفيق” الذي حولته أجهزة المخابرات إلى فرع أمني ببدلات رسمية.

لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن المجلس الجديد لن يجد أمامه طريقاً مفروشاً بالورود، بل سيجد “تركة ثقيلة” وكارثية من القوانين التي خلفها نظام الأسد البائد. هذه القوانين، التي لا تزال حتى اليوم تُكبّل العديد من القضايا المهمة، هي العائق الأكبر أمام إعادة بناء سوريا وتطهير مؤسساتها.

نحن نتحدث عن منظومة تشريعية كاملة صُممت لحماية الفساد وتثبيت أركان الاستبداد، مثل قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 الذي استخدمه النظام لشرعنة قتل وتعذيب السوريين ومصادرة أملاكهم تحت غطاء قانوني هزيل، والقانون رقم 10 الذي كان أداة لسرقة بيوت المهجرين والنازحين وتغيير الديموغرافيا السورية تحت مسمى “التنظيم العمراني”.

هذه القوانين ليست “ظالمة” فحسب، بل هي عبارة عن “قيود” تمنع عجلة الاقتصاد من الدوران، لأنه لا يوجد مستثمر يقبل القدوم إلى بلد لا تزال قوانينه تسمح بمصادرة الأملاك بقرار أمني.

كما أنها تعرقل عودة اللاجئين الذين يخشون من ملاحقات قانونية كيدية، وتجعل عملية تطهير مؤسسات الدولة من “الفاسدين” و”الشبيحة” عملية معقدة وبطيئة لأنها تصطدم بنصوص قانونية لا تزال سارية المفعول من الناحية الإجرائية، مثل المراسيم التي تمنح حصانة لضباط الأمن من الملاحقة القضائية إلا بموافقة رؤسائهم.

المتوقع من مجلس الشعب الجديد، وهو الملف الأكثر سخونة اليوم، أن يقوم بعملية “جراحة تشريعية” شاملة وفورية. ينتظر السوريون من ممثليهم أن يبدأوا فوراً بإلغاء هذه القوانين الكارثية واستبدالها بتشريعات عصرية تحمي حقوق الملكية، وتضمن الحريات العامة، وتفتح الباب أمام الاستثمارات لإعادة الإعمار.

لن يكون المجلس مجرد سلطة تشريعية، بل هو “المُطهِّر” الذي يجب أن ينظف القضاء والشرطة والجيش وباقي مؤسسات الدولة السورية من بقايا الفكر البعثي ومنظومة “الولاء للأشخاص” بدلاً من “الولاء للوطن”.

يتطلب هذا التحدي جرأة سياسية وقدرة على التوافق بين مختلف الكتل السياسية التي ستكون موجودة تحت القبة، من ممثلي الحراك الثوري إلى القوى السياسية الناشئة وممثلي المناطق التي انضمت مؤخراً للدولة المركزية، لأن أي تأخير في هذا الملف يعني استمرار معاناة السوريين الذين يطالبون بالعدالة الانتقالية ومحاسبة كل من تورط في دمائهم أو سرق أرزاقهم خلال السنوات الماضية.

يقع على عاتق مجلس الشعب المنتظر مسؤولية كبيرة في رسم ملامح سوريا المستقبلية من خلال صياغة الدستور الدائم للبلاد، وهي المهمة الأصعب التي ستحدد شكل الدولة لعقود قادمة. يجب أن يضمن هذا الدستور أن سوريا لن تعود أبداً إلى حكم الفرد، وأن التداول السلمي للسلطة هو القاعدة وليس الاستثناء، مع التأكيد على فصل السلطات بشكل حقيقي ومقدس.

التوقعات كبيرة، والآمال معلقة على هذا الجسم الذي يجب أن يثبت أن “صوت الشعب” أقوى من “رصاص المستبد”. وفي ظل التعديلات الحكومية الأخيرة والتحركات الدبلوماسية لدمشق، يبقى البرلمان هو الضمانة الوحيدة لعدم انحراف مسار بناء الدولة، وللتأكد من أن كل قرار يتخذه الرئيس أو الحكومة، خاصة في ملفات السيادة والعلاقات الخارجية والتحالفات الدولية الجديدة، هو لمصلحة السوريين أولاً وأخيراً.

يجب على المجلس أيضاً أن يواجه ملف “تطهير المؤسسات” بشكل قانوني ومؤسساتي، ليس من خلال الانتقام العشوائي، بل عبر قوانين “العزل السياسي” لكل من تلطخت يداه بالدم أو الفساد الممنهج. وهذا يتطلب مجلساً قوياً قادراً على مواجهة كل القوى التي لا تزال تحاول عرقلة مسيرة البناء.

السوريون اليوم، وهم يراقبون تحضيرات انعقاد الجلسة الأولى، يبعثون رسالة واضحة لجميع السياسيين: “لم نُضحِ بكل شيء لكي نعود إلى مجلس صوري أو لبرلمان يمرر صفقات تحت الطاولة، بل نريد برلماناً يبني وطناً، ويحمي مواطناً، ويطهر بلادنا من كل رجس الماضي الاستبدادي”.

في المحصلة، ملف مجلس الشعب هو المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة الحالية في سوريا. إذا تمكن المجلس من إنجاز مهامه بتفكيك المنظومة القانونية للأسد وتأسيس تشريعات عادلة وشفافة، نكون قد وضعنا أقدامنا فعلاً على أول طريق التعافي الحقيقي وبناء “سوريا الجديدة” التي تستوعب الجميع وتحمي الجميع.

أما إذا غرق المجلس في المناكفات السياسية الضيقة أو عجز عن مواجهة القيود القانونية الموروثة، فسنكون أمام خطر كبير بإعادة إنتاج الاستبداد بصور جديدة أو الوقوع في فخ الفوضى المؤسساتية.

صحيفة الثورة السورية