لإعادة بناء لبنان ، يتعين على الحكومة إصلاح نظام سياسي متهالك.
في مكتبه بوسط مدينة بيروت، يسترجع عامر بساط الماضي ليرسم رؤية متفائلة للمستقبل؛ فقد كان لبنان في وقت ما مركزاً إقليمياً للخدمات المصرفية والسياحة والتجارة، وربما يمكنه أن يعود كذلك من جديد. يقول وزير الاقتصاد: «إذا بدأت عملية إعادة الإعمار في سوريا، على سبيل المثال، فقد تكون الموانئ اللبنانية جزءاً من ذلك». كما يأمل في استقطاب دول الخليج الراغبة في مد خطوط أنابيب وألياف ضوئية تتجاوز مضيق هرمز، مضيفاً: «تجري إعادة رسم المنطقة بطرق عديدة، ولبنان لديه دور ضخم ليلعبه».
على بُعد كيلومتر واحد فقط، يقف شاهدٌ مرعب يُذكّر بتاريخ لبنان الحديث. فقد دُمّر مرفأ بيروت عام 2020 جراء انفجار هائل. وخوفاً من كشف فسادهم وإهمالهم، عطل السياسيون لسنوات التحقيق في الانفجار الذي أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص. ولم يُعَد بناء المرفأ بالكامل بعد؛ إذ قدمت أسر الضحايا عريضة للإبقاء على صوامع القمح المتضررة قائمة كشاهد وصرح تذكاري، وهو بناء ذو طابع داليّ (نسبة للرسام سلفادور دالي) بدا وكأنه تجمّد في منتصف الانهيار.
وعندما التقى جوزيف عون، رئيس لبنان، بـ دونالد ترامب في واشنطن في 21 تموز/يوليو، كان اللقاء بمثابة جرس تحذير للمستثمرين المحتملين. فقد كانت الفترة الممتدة منذ الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2019 هي الأسوأ على البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية الطويلة عام 1990؛ حيث عانى لبنان من انفجار المرفأ، وأزمة مالية، ونحو ثلاث سنوات من الحرب مع إسرائيل.
وخلال معظم هذه الفترة، تخبطت البلاد وسط سلسلة من رؤساء الوزراء المكلفين بتصريف الأعمال، ولأكثر من عامين، لم يكن هناك رئيس للبلاد. وانتظر هذا الفراغ حتى كانون الثاني/يناير 2025 لكي ينتهي، حين أقر البرلمان إنتخاب السيد عون. وبعد أيام قليلة، سُمّي نواف سلام رئيساً للوزراء.
ويشكل الاثنان ثنائياً غريباً؛ فالسيد عون، الأصلع وعريض المنكبين، ضابط مهني، بينما السيد سلام، الأكاديمي والنظاراتي المهتم بالكتب، دبلوماسي قضى معظم حياته خارج البلاد.
وكلاهما غريبان عن الساحة السياسية في بلد يسيطر عليه جيل من أمراء الحرب السابقين. وفي كلمتيهما الافتتاحيتين، تعهدا بنزع سلاح حزب الله — الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران والتي طالما تحدت السلطة الحكومية — وبإجراء إصلاحات طال انتظارها. وكانت شعارهما هو «السيادة»: فلا ينبغي للبنان بعد اليوم أن يتحدد بالتدخلات الخارجية وضغوط الضعف الحكومي.
وبعد مرور ثمانية عشر شهراً، تظل حصيلتهما متباينة. فقد اتخذا بعض القرارات الجديرة بالثناء، بدءاً من حظر الجناح العسكري لحزب الله وصولاً إلى إقرار قوانين تساعد في المضي قدماً نحو اتفاق صندوق النقد الدولي. غير أن التنفيذ مسألة أخرى؛ فقد أصبحت أزمتا لبنان التوأمان عبارة عن عقدة غورديّة المستعصية. إذ سيصعب على البلاد جذب المانحين والمستثمرين ما لم تواجه حزب الله، إلا أن استراتيجيتها لتحقيق ذلك تعتمد على هؤلاء المانحين والمستثمرين أنفسهم. وسيتطلب حل هذه العقدة القيام بكل شيء دفعة واحدة: نزع السلاح، والإصلاح، وإعادة الإعمار — وهو أمر طالما عجز بلد كهذا عن تحقيقه.
محادثات عون مع ترامب ركزت بشكل أساسي على حزب الله، المليشيا التي جرت لبنان إلى حرب الثامن من أكتوبر عام 2023، عندما أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لحركة حماس، التي كانت قد قتلت للتو نحو 1,200 شخص. ورغم أن أمريكا فرضت وقفاً لإطلاق النار في نوفمبر 2024، استمرت إسرائيل في شن غارات جوية منتظمة في لبنان (حيث كان حزب الله متضرراً بشكل أضعفه عن الرد). واستؤنفت الحرب الشاملة في مارس هذا العام، عندما هاجمت المليشيا إسرائيل نيابة عن إيران.
كانت التكلفة باهظة؛ إذ تُقدّر الحكومة أن الجولة الأخيرة من القتال تسببت في أضرار مباشرة تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، يضاف إليها 8.5 مليار دولار من الجولة السابقة (نحو 40% من إجمالي الناتج المحلي إجمالاً). كما ستقتطع ما بين 7% و8% من ناتج لبنان هذا العام، فيما يتوقع السيد بساط حدوث ركود اقتصادي.
دمرت إسرائيل قرى في الجنوب واحتلت شريطاً من المنطقة. وتكبّد حزب الله خسائر بشرية فادحة. وفي سهل البقاع بشرق لبنان، أحصى مراسلنا عشرات الملصقات التي تعلن عن مقتل مقاتلين من حزب الله في قرية شيعية واحدة يقطنها نحو 1,500 نسمة. وتلك حصيلة جزئية فقط، إذ لم يتمكن الحزب بعد من استعادة جميع جثامين قتلاه والتعرف على هوياتهم.
لعقود طويلة، كان حزب الله بمثابة “دولة داخل الدولة”. فهو يدير شبكة واسعة من المدارس والمستشفيات والبرامج الشبابية، كما يشغّل نظاماً مصرفياً موازياً ساهم في حماية مؤيديه من الانهيار المالي. وقد خلقت هذه الأنشطة ولاءً عجزت الدولة عن مجاراته، غير أن الحرب الأخيرة وضعت هذا الولاء تحت وطأة ضغوط شديدة.
بات العديد من أبناء البيئة الحاضنة لحزب الله منهكين، ويشعر بعضهم بالقلق من نفوذ إيران المتزايد على الحزب. وفي مارس، حاولت الحكومة اللبنانية طرد السفير الإيراني متهمة إياه باستغلال منصبه لدعم حزب الله نيابة عن الحرس الثوري الإيراني (القوة الضاربة للنظام الإيراني)، لكنه رفض المغادرة. وفي يونيو، أشاد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بلبنان لتقديمه 4,000 “شهيد” دعماً لبلاده، وهي تصريحات أثارت غضب العديد من اللبنانيين.
ويرى المسؤولون المقربون من السيد عون في ذلك فرصة لقلب الطاولة؛ إذ يقول أحدهم: “نأمل أن ينكشف مشهدان واضحان: حزب الله يقتل أبناءكم في سبيل المصالح الإيرانية… ودولة لبنانية حريصة على حمايتهم وإعادة إعمار قراهم ومنازلهم”. إنه نهج مبتكر، لكنه يواجه ثلاث عقبات رئيسية.
أولاها، وهي الأكثر صعوبة، كيفية نزع سلاح حزب الله. إذ يرفض الحزب الامتثال، ويهدد بشن حرب أهلية جديدة إذا حاول أي طرف تجريده من سلاحه. ومع ذلك، وافقت الحكومة في أغسطس الماضي على خطة للقيام بذلك تدريجياً، وأعلنت في مارس حظر الجناح العسكري للحزب. ومنذ ذلك، اعتقل عشرات الأشخاص بتهمة نقل الأسلحة. وفي يونيو، وقعت إسرائيل ولبنان اتفاقاً يلتزم بموجبه الأخير بنشر جيشه في جنوب لبنان.
غير أن الجيش ليس في وضع يسمح له بفرض ذلك بالقوة، فحزب الله لا يزال أفضل تجهيزاً. ورغم أن ميزانية الدفاع زادت بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2021، إلا أن معظمها يذهب للرواتب وليس للسلاح. كما يُعتقد أن بعض الضباط يتعاطفون مع حزب الله. فضلاً عن أن المحاكم لا تشكل رادعاً؛ إذ انتهت إحدى قضايا الأسلحة غير القانونية في مارس بفرض غرامة على أعضاء في حزب الله بقيمة 900 ألف ليرة لبنانية فقط (أي ما يعادل 10 دولارات).
العقبة الثانية تتمثل في كيفية ضمان الانسحاب الإسرائيلي؛ إذ لن تبدو الدولة ذات مصداقية ما لم يتحقق ذلك. وقد بدأ الاتفاق مع إسرائيل بـ “منطقتين تجريبيتين” (انظر الخريطة) لإثبات قدرة الجيش اللبناني على الانتشار مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية. ويشتكي المسؤولون في بيروت من أن إحدى هاتين المنطقتين تضم قرى لم تحتلها إسرائيل أساساً. وفي غضون ذلك، تواصل إسرائيل شن غارات جوية دورية في الجنوب.
السؤال الأخير يتعلق بمن سيمول إعادة الإعمار. في آخر مرة نظم فيها أصدقاء لبنان مؤتمراً للمانحين عام 2018، تعهدوا بتقديم 11 مليار دولار، لكن لم تُصرف هذه الأموال قط لأن الحكومة فشلت في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. ولم تعد أمريكا تؤمن بالمساعدات الخارجية، بينما يأمل السيد عون في جذب الاستثمارات بدلاً من ذلك. ومع ذلك، فإن المخاوف ذاتها التي أبعدت المانحين في السابق قد تخيف المستثمرين المحتملين اليوم.
سلسلة من الكوارث
تتداخل أزمات لبنان. فالانهيار المالي كان نتاج عقود من التراكمات؛ إثر مخطط “بونزي” أدارته الدولة لتمويل عجز مالي ضخم والحفاظ على ربط العملة بسعر 1,500 ليرة مقابل الدولار. وعندما استقرت الودائع المصرفية عند مستويات متدنية في عام 2019، انهار المخطط. ونتيجة لذلك، أوقفت البنوك عملياً السحوبات بالعملات الأجنبية. وشهدت السنوات التالية تضخماً مفرطاً، وهبوطاً سريعاً في قيمة العملة، وشللاً سياسياً. ورغم أن لبنان توصل إلى اتفاق مؤقت لمدة أربع سنوات بقيمة 3 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي في أبريل 2022، إلا أن مجلس إدارة الصندوق لم يطرحه قط للتصويت النهائي. ومجدداً، كان غياب الإصلاح هو السبب، حيث تمتلك البنوك حلفاء نافذين في البرلمان والذين عطلوا أي محاولة لإعادة الهيكلة.
وإذا كانت الأوضاع تبدو أفضل حالياً، فذلك لمجرد أنها كانت سيئة للغاية من قبل. فقد استقرت العملة عند ما دون 90,000 ليرة للدولار بقليل، أي أدنى بنسبة 98% من سعر الربط السابق.
وتهوى نسبة التضخم السنوي بعد أن بلغت ذروتها عند 221% في عام 2023 لتصل إلى 15% العام الماضي، لكنها لا تزال ضمن أعلى المعدلات في العالم. كما حُرِم المودعون، في معظمهم، من الوصول إلى حساباتهم المصرفية.
اتخذت حكومة السيد سلام بعض الخطوات الملموسة؛ ففي أبريل 2025 خففت من قانون السرية المصرفية، وهو مطلب قديم لصندوق النقد الدولي. وبعد ذلك بثلاثة أشهر، أقرّت قانوناً آخر يتيح للدولة إعادة هيكلة البنوك غير المليئة أو تصفيتها. لكن يتبقى عليها إقرار التشريع الأهم (والأكثر إثارة للجدل): ما يُعرف بـ “قانون الفجوة”، والذي من شأنه توزيع خسائر تُقدّر بـ 80 مليار دولار بين البنوك والمودعين والدولة، إلا أنه يبدو مكلفاً للغاية بحيث يصعب تطبيقه.
إن إصلاح البنوك ليس سوى الخطوة الأولى؛ إذ يحتاج لبنان أيضاً إلى مصادر جديدة للنمو. ويقول السيد بساط إن الشركات الناشئة بدأت في تصنيع المعدات التقنية للروبوتات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وبفضل جامعاته القوية، وعمالته الرخيصة، وثقافة ريادة الأعمال لديه، يمتلك لبنان بعض المزايا التنافسية.
غير أنه رغم وجود أصحاب أعمال موهوبين، فإن لبنان يعاني من مناخ أعمال سيئ للغاية. فالحرب تشكل إحدى المشكلات، والبنوك “الميتة حية” (الزومبي) تشكل مشكلة أخرى، إذ فقد الاقتصاد بنيته التحتية المالية وانهار الإقراض؛ حيث هبط الائتمان الممنوح للقطاع الخاص من 107% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 إلى أقل من 20% اليوم.
كما أن البنية التحتية في لبنان في حالة يرثى لها. فشركة الكهرباء الحكومية لا تستطيع توفير سوى بضع ساعات من التغذية يومياً، وتدفع الشركات لقاء كهرباء المولدات الخاصة نحو 0.48 دولار لكل كيلوواط/ساعة، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي تقريباً. أما الشركات، التي تثقل كاهلها سرعات إنترنت أبطأ من نظيرتها في الصومال، فتترقب بفارغ الصبر إطلاق خدمة “ستارلينك” لتتمكن من التخلص من احتكار قطاع الاتصالات المتردي الذي تديره الدولة.
تتوفر شحّة من الأموال لإصلاح أي من هذا. فقد حققت الحكومة فائضاً مالياً بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، ورغم الحرب، تتوقع تحقيق فائض آخر في عام 2026. ومع ذلك، يُنفق أكثر من نصف الإيرادات على الرواتب وجرايات التقاعد. ويُقدّر فؤاد مخزومي، النائب والشيخ السياسي الطامح لرئاسة الوزراء، وجود 340,000 شخص يعملون في القطاع العام، أي ما يقارب 10% من إجمالي السكان اللبنانيين.
يحرص الوزراء على التمييز بين أنفسهم وبين “النظام”. ويبدو هذا تمييزاً غريباً؛ إذ من المفترض أن الحكومة هي جوهر النظام البرلماني، لكنه تمييز دقيق. فحزب الله لا يزال يسيطر على السلاح، وبإمكان المصرفيين وحلفائهم تعطيل أي إصلاح مالي، فيما يقتسم الزعماء الطائفيون غنائم الدولة؛ فالنظام مصمم ليعمر أطول من الإصلاحيين.
ليست السيادة مجرد طائرات إسرائيلية مسيّرة تحلّق في السماء أو سفير إيراني يرفض المغادرة؛ بل تتعلق أيضاً بتحرير الدولة من منظومة سلطوية تتغذى على ضعفها. وفي الوقت الراهن، تبدو صومعة القمح المحطمة في المرفأ رمزاً للبنان نفسه: لم يسقط تماماً ولم يُعد إعماؤه، بل هو عالق في منتصف الانهيار.





Comments are closed for this post.