من الظَّواهر الخنفشارية في حياتنا الاجتماعية المبالغة في الكلام، وطش الحكي ببلاش من اللي يسوى، واللي ما يسواش. اي نعم نجد كثيرين في البلاد العربية من أهل النَّفخ، والفَشْخَرة، وتكبيرِ الحكي، وتصغير الحقائق
يا لها من حالة شائعة أو بلوى تترك آثاراً كبيرة في المسار الاجتماعي! فبدلَ الحقيقة التي نحتاجها يحيا الناس في أوهام، صنعتها فقاعاتُ اللغة، تصير الحبةُ قُبة، والبطةُ دبة! والبعوضة طائرة رافال!
مع هذه الحالة تصغر الأخطاء، وتكبر المنجزات، ويقف المتخلف بجانب المتقدم أو يصبح أحسنَ منه، يمشي أمامه كالمصباح المنير، والآخَر يتعلَّق بأذيال ضيائه! يصبح الكسول مجتهداً، ويتفوَّقُ الجميع دونَ جهد!
في مجتمعات النسوة مثلاً نسمع العجب العجاب، تقول سناء: نجحَ ابني الأول على صفه، وتقول خالدية: ابني نجح الأول، وتعلنُ بهيجة أن عندها بنتين وولداً، وكلُّهم نجحوا في أول الأوائل، والسامع لابدَّ أن يسألَ نفسه: ومن تُراه في بلدنا ينجح ثانياً وثالثاً؟!
وفي مجتمعات الرجال في المقاهي تبتسمُ الحيطان، والسقوف من مبالغاتهم وهم يتفاخرون بقدراتهم الذكورية، وعنترياتهم الغرامية، وكبار السن هم الأكثر تباهياً وفشخرةً في هذا الميدان، مع أن ظُهُورَهم محنية، وبعضهم عاجزٌ عن النهوض من سريره دون مساعدة!
مع هذه الحالة تفسد الثقة، ويسود جوٌّ من الشك، فإذا اكتشف الناس أن المسؤول أو الإعلامي أو الكاتب يبالغ باستمرار، يفقدون الثقة بتصريحاته وكلامه حتى عندما يقول الحقيقة! مبالغات هذه الفئة خطيرة جداً، فقد تصنع أوهاماً جماعية، فيقتنع شعب بأنه أعظم من غيره، أو أنَّ مشكلاته خفيفة وعادية، مع أنها في الواقع بخلاف ذلك! أو يرى أنه يمتلك قوةً عسكرية ساحقة ماحقة يستطيع بها السيطرةَ على كوكب الأرض، وبلوغَ كواكب أخرى!
قبل حرب 67 في القرن الماضي كان الزعماءُ العرب يطنطون بجبروتهم، وأنهم سيرمون عدوَّنا التاريخي في البحر ليكون طعاماً للسمك، والحيتان، لكنَّ الذي جرى يشبه ما قاله جرير في الفرزدق: زَعَمَ الفرزدق أنْ سيقتل مِربَعَاً/ أبشر بطول سلامةٍ يا مِربَعُ
بل إنَّ الوضع كان أسوأ من حالة الفرزدق إذ خسرَ العرب في معركة النكسة ثلاثةَ أضعاف مساحة فلسطين التي سعوا لاستردادها! وأسهمَ حافظ الأسد بدور بارز في النكسة عندما أمرَ الجيش بالانسحاب من الجولان دونَ إطلاقِ خرطوشٍ واحد على العدو أو تخويفِهِ بصوت دبابة تفكّر في الاتجاه إليه!
مع هذه الحالة ينتشر الخوف، ويكثر الطَّاخ والطيخ، فأيُّ خلاف صغير يجري تضخيمه فيتحوَّل إلى صدام وعراك. مع هذه الحالة يتعثَّر الإصلاح أو يتعذَّر ويعصلج، لأنَّ إدارة هذه المؤسسة أو تلك لا ترى الحقيقة، وإنما الهالةَ المرسومةَ من حولها!
عموماً.. عندما تكبر الكلمات، والحقائقُ صغيرة، يشبه المجتمع رجلاً يلبس ثوباً مُبَهْبَطاً أكبرَ من حجمه، حين يمشي يدوس على أطرافه، فيتعثر، وقد يترنَّح ويسقط. لكنَّ الأملَ يبقى حاضراً من خلال النقد المتزايد لهذه المبالغات، وازدرائها، والسخريةِ من أصحابها.
ويهمسُ لي صديقي المَرِح فلفل: أنَّ المكانس لا بدَّ أن تتقدَّمَ لتقشَّ الأكاذيب، وتتفتَّحَ وردةُ الصدق، فالديكُ يصيح ولا يبيض، والتيس لا يعطي حليباً.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.