على غير المتوقع، أدّت نتائج المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى مطلع 2026 إلى إعادة تشكيل بنية النفوذ الإقليمي، فقد فشلت استراتيجية “الضغط الأقصى” التي طبقت في الهجوم على إيران، وأثبت النظام الإيراني قدرة على الصمود أعلى مما توقعته الحسابات الأميركية-الإسرائيلية، وفشل الرهان على “الانهيار السريع”، أو التغيير السريع في بنية النظام.

وإذا كانت مسألة الأمن الإقليمي وإعادة التفكير فيها قد طرحت منذ الأيام الأولى للحرب، فإن بروز أهمية وجود بدائل لخطوط إمداد الطاقة عبر الطرق البرية نحو المتوسط من خلال سوريا جاء بعد مأزق مضيق هرمز، ودخوله كأداة في الحرب، وتعطل حركة نقل النفط، ولكن ما اتضح مؤخراً هو أن دور تركيا أصبح أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، لمواجهة عودة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ما دام النظام الإيراني بقي ولم يسقط أو يتغير، ولم تخرج الحرب بتبدلٍ في بنيته تجعله حليفاً للولايات المتحدة.

أخفقت واشنطن، وهو أمر فرض على واشنطن إعادة ترتيب أولوياتها، بما في ذلك تقييم دور تركيا (كحليف ناتو وحاجز جغرافي) وسوريا (كدولة انتقالية في قلب الممر البري). هذه التغيرات تفتح نوافذ استراتيجية قصيرة الأمد، لكنّها غير مضمونة. تمتلك تركيا التي تصنف كقوة عسكرية متوسطة، مزايا لا تمتلكها أي دولة في المنطقة، فهي عضو مؤسس في الناتو، وتمتلك موقعاً جيوسياسياً فريداً، كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وحدوداً مشتركة مع إيران والعراق وسوريا، وجيشاً قوياً منضبطاً، وصلات تاريخية وثقافية عميقة في المنطقة، وشبكة علاقات دولية واسعة ومتعددة الأطراف.

هذا الوضع يمنحها مكاسب تلقائية من فشل الحرب في إيران مع العلاقة الوثيقة التي تربط ترامب بتركيا. وبالرغم من التوترات المعروفة والمتراكمة مع واشنطن إلا أنَّ العلاقة الأميركية-التركية ظلت مستمرة، ولكنها “شراكة مشروطة” تخضع للتفاوض المستمر، والحاجة الأميركية الحالية إلى تركيا في سوريا والحد من النفوذ الإيراني المتبقي سيؤديان إلى تعاون كبير ويغيران من السياسات الأميركية التقليدية حيال تركيا، وهذا ستكون له تكاليف وتداعيات في الإقليم.

في ظلّ التوتر المتصاعد بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية الناشئ عن فشل الهجوم على إيران وتضارب المصالح الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، تزداد فرص تركيا للعب دور ملء الفراغ أو حاجز الصد، وهو دور يصطدم بالمصالح الإسرائيلية، حيث سيواجه نتنياهو معضلة: فالتخلص من إيران سيزيد من نفوذ تركيا، وعدم التخلص منها سيزيد من نفوذها، وفي الحالتين هذا يشكل خطراً على إسرائيل، وسيضطرها بكلّ حال إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الأمنية العسكرية بعد 7 أكتوبر المبنية على الأمن خارج الحدود.

لكن أيضاً دور تركيا من دون دور سوري لا يكتمل، فتحتاج تركيا للعب هذا الدور (فضلاً عن أنه حاجة للأمن القومي وسياسة أصيلة) إلى سوريا مستقرة وقوية وعلى علاقة ممتازة معها، بما يسمح بالتنسيق الاستراتيجي طويل الأمد،هذا مرة أخرى يقود إلى مصالح تنتهي جميعها في دمشق.

تطور المنظور الأميركي للدور التركي الجديد كحاجز صد، وازاه ظهور دور جديد لسوريا، فعدا عن كل ما هو معروف من أهمية استقرارها ولعب دور حاجز الصد ضد الإيرانيين، والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وتجارة المخدرات وشبكاتها، وكذلك دورها الاستراتيجي المستجد كمسار جغرافي بديل للإمداد بالطاقة عن مضيق هرمز، فإن إكمال دائرة الإغلاق على الإيرانيين في المنطقة يتطلب دوراً سورياً في لبنان، لمساعدة الحكومة اللبنانية على وقف تهديد حزب الله ونزع سلاحه، أو منعه من القدرة على استخدام سلاحه خارج قرار الدولة.

هذا هو تفسير الحديث المستمر من ترامب عن الدور السوري في لبنان كبديل عن التخبط الإسرائيلي، وسياسات المناطق العازلة، بما سيقابله من إغراء أميركي بإجبار الإسرائيليين على الانسحاب من المناطق التي احتلوها في جنوب لبنان أو على الشريط الحدودي السوري في القنيطرة، وعقد اتفاقات أمنية.

تمتلك سوريا ثقلاً تاريخياً وجغرافياً في الملف اللبناني، وهذا الثقل واقعي، لكن سوريا الانتقالية تواجه توتراً بين خيارين: الانخراط العسكري وتقديم دور وسيط دبلوماسي أو سياسي، وهذا يعظّم النفوذ الإقليمي لكنه يحمل مخاطر استنزاف داخلي، واصطدام طائفي، وتكاليف اقتصادية في مرحلة هشة، أو “التدخل النسبي”، ولا أعلم إن كان هذا التعبير مناسباً تماماً لوصف هذا الخيار، والذي قد يتضمن عملاً هجيناً يجمع بين الوساطة الدبلوماسية والعمليات العسكرية المحدودة لتأمين الحدود وشمال لبنان، والعمل على تعزيز الحكومة اللبنانية واحتكارها قرار الحرب واستخدام السلاح.

التركيز على تفاهمات توجِد الاستقرار الداخلي، مع الدور اللوجستي/الدبلوماسي الهادئ، يحمي المكاسب المبكرة بما لا يفوّت الفرصة لتعزيز المكانة، ولا يهدد الاستقرار الداخلي، فهو بذلك يضمن عدم وجود ارتدادات داخلية في وقت تعاني فيه سوريا من هشاشة أمنية في طور مرحلة انتقالية بدأت لتوها.

الانخراط العسكري المباشر في لبنان “خط أحمر”، تسعى سوريا لتجنبه، ولكن أيضاً الدور الدبلوماسي العسكري الهجين والمحسوب يتطلب ضمانات أميركية مؤكدة، ومع العلاقة الممتازة بين الشرع وترامب يمكن أن تُمنح هذه الضمانات لسوريا، لكن يجب أن يكون التدخل تدريجياً، مدعوماً بمؤشرات استقرار. فالشرع ينطلق، كما يُفهم من حديثه، من مفاوضات من نموذج “رابح-رابح”، يكسب فيها الجميع ولا يشعر طرف بالغبن والإجحاف بما يعزز النزعة لعدم الالتزام وإفشال الاتفاق.

بينما تحاول دمشق كسب الوقت والاستفادة من التحول نحو الممرات البديلة لسلاسل توريد الطاقة، فإن استقرار لبنان مهم لسوريا، وضبط العلاقة مع لبنان من خلال دولة مركزية ومؤسسات قوية يساعد على استقرار سوريا، وسيعود بالنفع على لبنان أيضاً، أقله اقتصادياً.

الدوران الجديدان لتركيا وسوريا هما من الملفات السياسية عالية المخاطر، لكنهما أيضاً يشكلان فرصة قد لا تتكرر، وهما دوران متكاملان، فالجغرافيا السورية-التركية تقع في قلب التحولات الجديدة، وهما دوران يعارضهما نتنياهو بشدة؛ لأنهما سيعززان من نفوذ الدولتين ويقويان الدولة السورية التي يعتقد نتنياهو أنها تشكل تهديداً على المدى البعيد، ليس تهديداً أمنياً وحسب، بل تهديد اقتصادي أيضاً بعدما قوضت الحرب فرص أن تمر خطوط الإمداد من الأراضي الفلسطينية.

التحولات الكبرى تفتح نوافذ قصيرة تتطلب رؤية واضحة، موارد حقيقية، وإدارة للمخاطر، وسرعة في بناء مؤسسات الدولة، سوريا وتركيا في موقع يسمح بتحقيق مكاسب كبرى لم تكن متاحة من قبل، لكن هذا مشروط بعدم الوقوع في التفاؤل غير المدعوم أو تجاهل الضعف الداخلي. التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تمنح الدول وقتاً طويلاً للتردد، فالنوافذ الاستراتيجية تُفتح لفترات محدودة، ثم تُغلق عندما تستقر التوازنات الجديدة.

صحيفة الثورة السورية