تحالفات في الشرق الأوسط:
ثلاثةٌ أكثر من اللازم

إسطنبول والقدس
كيف ننظر إلى الاتفاق الدفاعي الجديد بقيادة السعودية

تفتخر إحداها بامتلاك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقطاع دفاعي مزدهر. والأخرى هي القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. والثالثة هي الثامنة عالميًا من حيث الإنفاق على السلاح. فلا عجب إذن أن تُحدث تركيا وباكستان والسعودية ضجة كبيرة عندما وقعت اتفاقية دفاع مشتركة، خاصة بعد أن صرح مسؤولون بأنها تضمنت بندًا للدفاع المتبادل يشبه المادة الخامسة من ميثاق الناتو؛ إذ قالت وزارة الخارجية الباكستانية: «أي هجوم مسلح ضد أي من الدول الثلاث يُعد هجومًا ضدها جميعًا».

تؤكد القوى الثلاث أن القوى الإقليمية الأخرى مرحب بها للانضمام إلى الاتفاق، معترضةً على التلميحات التي تصفه بأنه تكتل عسكري سنّي في طور التشكيل. لكن الطابع الديني كان حاضرًا بقوة في مراسم التوقيع، التي حضرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والمستضيف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. فبدلًا من الرياض، العاصمة السعودية، أقيمت المراسم في مكة. وبعد ذلك، أدى القادة الثلاثة الصلاة في المسجد الحرام.

أحد أهداف الاتفاق هو العمل ككفة ميزان مضادة للنفوذ الإسرائيلي. إذ أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتتالية في غزة ولبنان وسوريا وإيران، إلى جانب الهجوم الذي أسفر عن مقتل مفاوضي حماس في قطر، والشعور بأن شهية إسرائيل للهيمنة الإقليمية لم تُشبع بعد، إلى إثارة المخاوف في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وهذه المخاوف حادة بشكل خاص في تركيا، حيث وصف بعض السياسيين والمسؤولين الإسرائيليين تركيا بأنها تهديد يتساوى مع إيران.

كما يُعد مواجهة التهديد الإيراني هدفًا رئيسيًا آخر. فرغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بنظامها، أثبتت إيران قدرتها على إحداث دمار واسع عبر المنطقة عند تعرضها للهجوم، لا سيما في الخليج. كما أظهرت مقدار النفوذ الذي تمتلكه من خلال تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ويقول مراد يستاش، رئيس مركز دراسات «سيتا» المقرب من حكومة أردوغان: «لقد أصبح استخدام مضيق هرمز ضد دول المنطقة أحد أركان استراتيجية إيران الجديدة. الدول الثلاث لن تستهدف إيران، بل تريد إظهار ردع جماعي». وذكرت إيران أنها لا ترى سببًا للخوف من الاتفاق.
يعكس الاتفاق أيضًا المخاوف المتزايدة بشأن الأولويات الأمريكية ومدى مصداقية الضمانات الأمنية لواشنطن. فتركيا، مثلها مثل أعضاء آخرين في الناتو، قلقة بشأن خطر انسحاب أمريكي أوسع نطاقًا من أوروبا والشرق الأوسط. كما اهتزت ثقة السعودية في أمريكا بعد أن أحدثت إيران ثغرات كبيرة في مظلة الدفاع الجوي التي ساعدت أمريكا في نشرها عبر الخليج.

لم تستجب الحكومة الإسرائيلية علنًا للأنباء حول الاتفاق، لكن الإعلان قوبل بالاستياء هناك. إذ ترى إسرائيل أن تركيا وباكستان دولتان معاديتان، وتنزعج من العلاقات الودية التي نمّاها قادتها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما يسلط الاتفاق الضوء على مدى بعد آفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية؛ إذ قال دبلوماسي إسرائيلي: «سيتعين عليه الانتظار حتى تأتي حكومة جديدة في إسرائيل، وحتى ذلك الحين، سيستغرق الأمر وقتًا».

إن فرص قيام أي من أطراف الاتفاق بالتدخل العسكري فعليًا نيابة عن الأطراف الأخرى تبدو ضئيلة. فالسعودية وتركيا لن تهبا لنجدة باكستان إذا اندلعت حرب مع الهند، كما أن باكستان أو تركيا لن تردا بالمثل على الضربات الصاروخية الإيرانية ضد السعودية. وفي الوقت الحالي، وكما يقول السيد يستاش، فإن الاتفاق هو منصة للأمن والتنسيق الدفاعي أكثر منه تحالفًا عسكريًا صلبًا. فالسيولة المالية السعودية واحتياجاتها من المشتريات، إلى جانب القطاع الدفاعي التركي والقاعدة الصناعية العسكرية الباكستانية، تشكل مزيجًا قويًا. وتفرك شركات التكنولوجيا الدفاعية التركية أيديها حماسًا؛ حيث وقّعت شركة «بايكار» التركية لصناعة المسيّرات عقدًا بارزًا مع السعودية عام 2023، واستخدمت باكستان مسيّرات تركية خلال نزاعها مع الهند العام الماضي.

لكن تعطش تركيا يمتد للمزيد؛ فمشاريعها الدفاعية—بما في ذلك المقاتلة محلية الصنع «قاآن» (KAAN)، ونظام الدفاع الجوي الجديد «القبة الحديدية»، والصواريخ الباليستية طويلة المدى—من المتوقع أن تكلف عشرات الملايين من الدولارات. ولا يستطيع الاقتصاد التركي، الذي يعاني من تضخم مستمر يتجاوز 30%، تحمل هذه التكاليف بمفرده. وقد تساهم العقود والاستثمارات الدفاعية السعودية قطعًا في تمويل هذه الخطط، حيث يرى الباحث التركي جاغلار كورك أن “هذا قد يكون المجال الذي تؤتي فيه اتفاقية مكة أكلها أولًا”.