وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة يوم الأحد 21 سبتمبر/أيلول لحضور الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مسجلاً بذلك أول زيارة لرئيس سوري إلى المنتدى منذ ستة عقود.

وأفاد المكتب الإعلامي للرئاسة السورية بأن مشاركة الشرع تأتي ضمن جلسات الأمم المتحدة رفيعة المستوى التي تُعقد في نيويورك في الفترة من 22 إلى 30 سبتمبر/أيلول، والتي ستتناول قضايا عالمية رئيسية تتراوح بين السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتكتسب مشاركة الشرع أهمية خاصة، كونه أول رئيس سوري يلقي كلمة أمام الجمعية العامة منذ الرئيس الراحل نور الدين الأتاسي عام 1967.

كما أنه أول زعيم سوري ينضم إلى الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة، حيث يجتمع قادة العالم لمناقشة أبرز القضايا التي تواجه المجتمع الدولي.

تناقش الجمعية العامة، بصفتها الهيئة التمثيلية الرئيسية للأمم المتحدة، القضايا العالمية وتُصدر توصيات غير مُلزمة، وتعتمد ميزانية المنظمة، وتنتخب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، وتلعب دورًا في تعيين الأمين العام بناءً على توصية المجلس.

تأتي زيارة الشرع إلى نيويورك بعد أشهر من لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 مايو/أيار، وهو أول لقاء على المستوى الرئاسي منذ 25 عامًا. في ذلك الوقت، أعلن الرئيس ترامب رفع العقوبات عن سوريا، واصفًا الشرع بأنه “قائد حقيقي قاد الثورة”، ومشيرًا إلى أن لديه “فرصة حقيقية للحفاظ على وحدة سوريا”.

تنبع أهمية مشاركة الشرع في نيويورك أيضًا من ماضيه، إذ كان يُعرف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، وكان قد تصدّر قائمة المطلوبين الأمريكية بمكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار.

أدرجته وزارة الخارجية الأمريكية على قوائم الإرهاب في سنوات سابقة بصفته زعيمًا لتنظيم جبهة النصرة في سوريا. مثّل صعوده إلى الرئاسة تحولًا جذريًا في مسيرته السياسية والعسكرية، مما أثار تساؤلات حول كيفية استجابة المجتمع الدولي – وخاصة واشنطن، التي تستضيفه رسميًا الآن في أعلى محفل للأمم المتحدة – لهذا التغيير.

يتضمن التاريخ الحديث للعلاقات بين دمشق وواشنطن سلسلة من الاجتماعات النادرة على مستوى القمة. في 26 مارس/آذار 2000، التقى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنيف، فيما وُصف بأنه “فرصة ضائعة” لدفع السلام مع إسرائيل. كان ذلك آخر لقاء بين رئيس سوري ونظيره الأمريكي قبل وفاة الأسد في يونيو/حزيران من العام نفسه.

في وقت سابق، عُقد اجتماع آخر في الفندق نفسه عام 1994، عندما تعهد الأسد لكلينتون بالاعتراف بإسرائيل مقابل انسحاب كامل من مرتفعات الجولان وانسحاب من لبنان كجزء من تسوية شاملة. التقى الأسد أيضًا بالرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في نوفمبر/تشرين الثاني 1990، على خلفية حرب الخليج الثانية، التي انضمت خلالها سوريا إلى التحالف الدولي لطرد الجيش العراقي من الكويت.

كان أول لقاء مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1977، والذي فشل في تحقيق تقدم ملموس في محادثات السلام مع إسرائيل، وهي نتيجة اعتبرها كثير من السوريين تسويفًا متعمدًا من الأسد.

وفي سابقة أخرى، استضافت دمشق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في يونيو/حزيران 1974، مما جعله أول رئيس أمريكي يزور سوريا رسميًا.

جاءت الزيارة عقب توقيع اتفاقية فك الارتباط مع إسرائيل، التي مهدت الطريق لاستعادة العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين واشنطن ودمشق.

ال المحلل السياسي اللبناني عمر عثمان لصحيفة ميديا ​​لاين إن مشاركة الشرع في الجمعية العامة “تعيد سوريا إلى الخريطة الدولية بعد سنوات من العزلة”، مشيرًا إلى أن وجوده في نيويورك بمثابة اختبار لمدى إمكانية بناء جسور جديدة مع الغرب، خاصة بعد الانفتاح المحدود في العلاقات مع واشنطن عقب لقائه ترامب.

في المقابل، قال الصحفي السوري نهاد حسن لصحيفة ميديا ​​لاين إن هذه الزيارة “أكثر من مجرد حدث بروتوكولي”، واصفًا إياها بأنها “رسالة للشعب السوري بأن البلاد تدخل مرحلة جديدة من الشرعية السياسية”. وأكد أن الشرع، من خلال وجوده، يحاول تقديم نفسه للعالم كرئيس انتقالي قادر على إدارة التحولات الكبرى بعد سنوات من ارتباطه بالحركات المسلحة.

تتمتع مشاركة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الجمعية العامة بثقل سياسي ودبلوماسي، مما يعكس سعي سوريا للعودة إلى الساحة الدولية بعد سنوات من العزلة والصراع الداخلي. كما يُتيح فرصةً لتقديم رؤية سورية جديدة لمستقبل البلاد في مرحلة انتقالية حساسة تسعى فيها دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية واستعادة دورها الإقليمي والدولي.

من المتوقع أن تتناول خطابات قادة العالم قضايا مثل الأمن الدولي، وتغير المناخ، والأزمات الإنسانية، وشؤون الشرق الأوسط. ويُعتبر حضور الشرع ذا أهمية خاصة في الأوساط السياسية والإعلامية، إذ يُمثل ما يراه الكثيرون بداية فصل جديد في علاقات سوريا مع المجتمع الدولي.

وفي حين يترقب السوريون والرأي العام الدولي نتائج هذه المشاركة، يعتبرها المراقبون اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة الانتقالية على التفاعل مع النظام الدولي وصياغة التسوية السياسية للأزمة السورية، التي مضى عليها أكثر من عقد.