يبدو بنيامين نتنياهو كشخص يقف في مواجهة العالم كله، باستثناء الولايات المتحدة؛ وبضعة دول هامشية أو صغيرة، لا تتجاوز بعددها أصابع اليدين، هذا ما ظهر في التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤخرا، على قرار يتضمن حق الفلسطينيين بإقامة دولة لهم، مع توصيف إسرائيل، في ظل قيادته، كدولة إبادة جماعية، تقوم بتجويع الفلسطينيين، أيضا، مع قيامها، على مرأى ومسمع من العالم، بقتلهم وتدمير بيوتهم، وحرمانهم من مصادر العيش، من الماء والغذاء والدواء والوقود والأوى.
هكذا، فإن إسرائيل، في ظل نتنياهو، تظهر اليوم بأقصى وقاحتها وبشاعتها وتحديها، ليس فقط لقرارات المجتمع الدولي، وإنما حتى للقيم الإنسانية الأخلاقية، فهذا رجل يقود جيشه لإبادة، أو لإزاحة، شعب كامل بكل ما يمتلك من أدوات التدمير، في استعادة لممارسات آلة القتل النازية، الإبادية، ضد اليهود، وضد الشعوب الأوروبية، بدعوى التفوق العرقي، وروح الهيمنة والطغيان، إبان الحرب العالمية الثانية.
اللافت أن نتنياهو لا يتوقف عند حدود فلسطين، في شهوته للقتل، والإزاحة، والهيمنة، إذ هو يواصل ذلك، بين فترة وأخرى، في سوريا ولبنان، على وجه خاص، مستغلا في ذلك تغطية الإدارة الأمريكية، ودعمها اللامحدود له، عسكريا وسياسيا وماليا وتكنولوجيا واستخباراتيا، ما يفسر عنجهيته، ولا مبالاته بكل المواقف العربية والدولية، وضمنها مواقف الدول التي انفتحت على إقامة علاقات مع إسرائيل، إلى حد تصريحه علنا بأنه يحلم بـ”إسرائيل الكبرى”، وإن إسرائيل بوسعها فرض “السلام بالقوة”.
ما يفترض إدراكه هنا أن نتنياهو، وهو رئيس حكومة إسرائيل، التي باتت تعرف بأنها أكثر الحكومات تطرفا منذ إقامة إسرائيل (1948)، يتحمل المسؤولية الأساسية عن تقويض اتفاق أوسلو، الموقع في البيت الأبيض، مع الفلسطينيين (1993)، منذ جاء إلى سدة السلطة في إسرائيل، كرئيس للحكومة، لأول مرة (1996ـ1999)، وقد واصل ذلك النهج منذ العام 2009 حتى الآن، بحيث بات جهد إسرائيل اليوم، في ظل قيادته، يتركز في معاودة احتلال غزة، بل وحتى الضفة، أو أعادة السيادة الإسرائيلية عليهما، وتكريس واقع الاحتلال فيهما.
وفي ذلك فإن نتنياهو يسعى جهده للتخلص نهائيا من فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، بل وتهديد وجود الشعب الفلسطيني، بالعمل على إزاحة كتل كبيرة منه، بطريقة أو بأخرى، من غزة ومن الضفة، بالوسائل العسكرية أو السياسية، الخشنة أو الناعمة.
بيد إن إرث نتنياهو، في المنطقة العربية، لا يتوقف عند ذلك الحد، فهو يبدو كالشخص الذي عمل على تقويض أي أساس لقيام نوع من “سلام”، أو تطبيع، مع الدول العربية، وهو فعل ذلك في التسعينيات، إذ قوض مشروع “النظام الشرق أوسطي”، ما يعني أن لا مبالاته بالشروط العربية للسلام، من خلال إصراره على استمرار حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة، والإعلان عن مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، ومحاولة فرض مناطق عازلة بين حدود إسرائيل وحدود الدول العربية المجاورة يصب في ذات الاتجاه.
المعنى إنه في كل الحالات، أي إزاء الفلسطينيين، وإزاء العالم العربي، وإزاء العالم، فإن نتنياهو يعتقد بأن الولايات المتحدة هي العالم كله، بالنسبة لإسرائيل، وهي رؤية قاصرة، وخاطئة، ومضرة، ولابد أن اثارها السلبية ستظهر داخل المجتمع الإسرائيلي، كما ستظهر في تآكل صورة إسرائيل في العالم، وتدني مكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفي المحصلة فإن إسرائيل لم تعد تستطيع الادعاء بأنها دولة ضحية، أي تمثل ضحايا “الهولوكوست”، كما لم تعد تبدو كدولة علمانية وديمقراطية، بقدر ما باتت تظهر كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية، بخاصة مع التصدعات في الداخل الإسرائيلي، بين العلمانيين والمتدينين، والغربيين والشرقيين، والمعتدلين والمتطرفين، ومع محاولة نتنياهو كسر مبدأ فصل السلطات، بمحاولته الهيمنة على السلطة القضائية.
على ذلك، فإن نتنياهو في سيرته، ما بعد الفلسطينية والعربية، ستسجل بوصفه الشخص الذي عزز من مسار انكشاف إسرائيل، وعزلتها على الصعيد الدولي، وبوصفه الشخص الذي حفز التصدعات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي، إلى درجة تصاعد معها الحديث عن مخاوف نشوب حرب أهلية إسرائيل، بهذا المستوى أو ذاك.
أيضا، فإن نتنياهو سيعرف بأنه الرجل الذي خاضت إسرائيل في عهده، أطول وأقسى حرب في تاريخها (منذ عامين تقريبا حتى الآن)، ضد الشعب الفلسطيني (ثم ضد لبنان وسوريا وإيران والحوثيين في اليمن) وأن تلك الحرب كانت الأكثر كلفة من النواحي العسكرية والسياسية والمالية والأخلاقية على إسرائيل منذ قيامها.
النهار العربي




Comments are closed for this post.