قبل التعقيب على آخر التصريحات المشينة للهجري، أود التأكيد أن مسألة دروز سوريا والسويداء ليست لها أية مكانة عندي تختلف عن مكانة أية بقعة أخرى في سوريا.. أكتب عن السويداء بوصفها جزءا من وطني سوريا، وعن “الدروز” بوصفهم مواطنين سوريين من بلدي.
في الوقت الذي يسعى فيه عدد من أبناء السويداء الى إيجاد مخارج عملية من الأزمة، ومحاولة مداواة الجراح التي نجمت عن عمليات القتل على الهوية والانتهاكات الفظيعة التي طالت المدنيين من أبناء السويداء والتي أنتجت ذعرا واستقطابا وتصلبا وفقدانا للثقة عند عموم الناس هناك.. يخرج حكمت الهجري بتصريحات تذكي نار الكراهية ويعود لتكرار هذياناته الخرقاء.
الشيء الوحيد الإيجابي في هذه التصريحات أنه يقر بأن علاقته مع إسرائيل قديمة؛ لم تبدأ مع الأحداث الأخيرة، وإنما منذ أكثر من عقد.. فمنذ بدايات الثورة السورية، لم يتوقف إرسال المساعدات المالية إلى أهالي السويداء من أقاربهم في الجولان السوري المحتل ومن قرى الجليل والكرمل شمال فلسطين. تحت غطاء هذه المساعدات تم بناء ارتباطات ومجموعات موالية لإسرائيل في السويداء، وتم تعويم شخصيات تخدم الأجندات الإسرائيلية من طرفي خط وقف إطلاق النار.. لم يبق عميل في الجولان المحتل إلا وحشر أنفه في ملف المساعدات، الذي بادر اليه، بالأساس، جولانيون شرفاء، عملوا بنوايا صادقة وبنظافة يد وما زالوا، لمساعدة أهلهم في سوريا. من الطرف الثاني، كان جزء من المساعدات يصل الى المحتاجين فعلاً، وأجزاء لا يُعرف كيف توزع، ووفق أية معايير، لكن العناوين معروفة والهجري من أبرزها.
في الجانب السياسي، ومع بدايات الثورة، تم أيضاً تجنيد مجموعة من الدروز المتصهينين لنسج علاقات مع أطراف وشخصيات تابعة للمعارضة السورية آنذاك، واستقدام بعضهم لزيارة إسرائيل والتنسيق معها.. الجميع يتذكر، على سبيل المثال، زيارة المعتوه كمال اللبواني – من ضمن آخرين – ومشاركته في مؤتمر للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية في هرتسليا واستقباله في بيت أيوب القرى في دالية الكرمل في الجليل، والتي نشرت تسجيلات فيديو لها آنذاك..
يكذب الهجري عندما يقول إنه “.. خلال فترة حكم الأسد مُنع أي تواصل مع حاملي الجنسية الإسرائيلية، ومورست حملة تخويف منهجية ضد الصهيونية ودولة إسرائيل”.. الحقيقة أن التواصل بين أهالي الجذر الفلسطيني في مناطق الـ 48 مع سوريا عموماً كان مشروعاً عمل عليه مجموعة من الوطنيين الفلسطينيين ونجحوا في فتح الطريق وإتاحة الزيارات الى سوريا، ودفعوا أثماناً لهذا المسعى من ملاحقات وتضييقات واعتقال في سجون إسرائيل.
“حاملو الجنسية الإسرائيلية” تعبير مخاتل يهدف لتمييع الحقيقة.. لأن كل الفلسطينيين في مناطق الـ 48 يحملون الجنسية الإسرائيلية، ليس أمامهم خيارات أو بدائل، لكن هذه الجنسية “الرسميّة” لا تجعل منهم إسرائيليين بمعنى الانتماء الروحي والهوية السياسية والثقافية. للفلسطينيين في مناطق الـ 48، ومن كل الأديان والطوائف والإثنيات، امتدادات وتواصل مع كل المحيط العربي في بلاد الشام، من قبل قيام دولة إسرائيل وستبقى من بعدها.
أما في الجولان المحتل فالأمر يختلف. بقي في الجولان 6400 سوري لم تطلهم عمليات التطهير العرقي عشية احتلاله عام 67، وكانوا موزعين على خمس قرى في أقصى شماله، غالبيتهم من الدروز السوريين. في نفس الوقت تم تهجير 137 ألف سوري من 340 قرية ومزرعة ومدينتين، على امتداد الجولان. اليوم عدد السوريين المتبقين في الجولان المحتل حوالي 28 ألف، وعدد السوريين في الشتات الذين تم تهجيرهم من الجولان يتراوح بين 500 الى 700 ألف وفق التقديرات الوسطية.
أما “حاملو الجنسية الإسرائيلية” في أوساط السوريين في الجولان المحتل، فيقدّر اليوم، بعد 59 سنة، بحوالي 30 بالمئة. وما زال 70 بالمئة يحملون وثائق سفر، بوصفهم مقيمين دائمين حسب قوانين الاحتلال. هؤلاء ورغم قلة عددهم ونسيانهم من قبل نظام الأسد لعقود، رفضوا الجنسية الإسرائيلية عام 1982 عندما أقرت إسرائيل قانون ضم الجولان، وفرض الجنسية عليهم بالقوة..
وفي نفس الأيام التي كانت فيها مدفعية رفعت الأسد ترتكب مجزرة حماه وتهدم البيوت على ساكنيها، كان 13 ألف سوري أعزل في قرى الجولان المحتل يواجهون آلة القمع الإسرائيلية بصدور عارية ويدافعون عن انتمائهم لسوريا بالرغم من فقدان الأمل بتحرير الجولان في المدى المنظور. المضحك في الأمر أن بعض أصوات التيار الانفصالي في السويداء يستخدمون وقفة “سوريي الجولان المحتل” (الدروز) هذه، في معرض تراشقهم مع باقي السوريين، ليثبتوا عمق الوطنية السورية عند “الدروز”.. يستخدمون المثال الضد لما يفعلونه.. إذ لم يتطلب الأمر سوى بضعة أيام، بعد اجتياح إسرائيل للمنطقة العازلة، حتى بدأوا يطالبون بالانضمام الى إسرائيل على لسان أحد شيوخهم في قرية حضر.
يكذب الهجري عندما يصور خلافه مع حكومة دمشق الحالية على انه خلاف على طبيعة الدولة والحكم.. ببساطة لأنه كان تابعا وداعماً للمجرم بشار الأسد، وكان يدعو لانتخابه عام 2012 في أوج مذبحة الشعب السوري.. واليوم يلتحق بنظام أبرتهايد، ويكيل المدائح لكيان عنصري ارتكب أكبر عملية إبادة في العصر الحديث..
كذب الهجري ويكذب عندما يقول إنه “.. حتى مارس/آذار 2025 جرت محاولات لبناء دولة مدنية بدستور متساوٍ، لكنها انهارت”.. فقبل مذابح السويداء، وعندما كانت محافظة السويداء ما تزال المحافظة المدللة عند السلطة الجديدة في دمشق، وعندما كان السوريون يحجون الى ساحة الكرامة في السويداء، بدأ الهجري ببناء العداء بشكل ممنهج اتجاه دمشق، وفي نفس الوقت، مطلع آذار 2025، كان ابن اخته خلدون الهجري، المقيم في واشنطن، والذي يقدّم نفسه انه الممثل السياسي للشيخ حكمت الهجري، يجري اتصالات مع أعضاء كونغرس، ويعرض عليهم مشروعاً للتمرد والانقلاب على سلطة دمشق الجديدة، بالتعاون مع أطراف في الساحل وفي الجزيرة السورية، وبتنسيق وتحت إدارة اسرائيل.. لم يلق مشروع خلدون الهجري آذاناً صاغية آنذاك، ولم ينفٍ هذه المحاولة عندما وجه اليه معدّو التقرير، المنشور في موقع الجمهورية، سؤالا حول صحة هذه المزاعم.. أجاب.. في السياسة كل شيء ممكن..
أعرف أن من يده في الماء ليس كمن يده في النار، وأن الكلام بالنسبة لي سهل، وأنا بعيد وفي مكان آمن، مقارنة مع المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها الوطنيون السوريون في السويداء.. ولكن يبدو أنه لا يمكن الخروج من البؤس والاستعصاء في السويداء بدون التحييد النهائي والتام لتيار الهجري.. وإعادة السياسة الى الناس، كل الناس..
أما الهجري وأعوانه، وإذا ما انطلق مسار العدالة قبل أن يهّربهم مشغّلوهم خارج سوريا، فيجب أن نراهم يوماً ما يُحاكمون أمام القضاء السوري بتهمة الخيانة الوطنية العظمى.




Comments are closed for this post.