في 25 شباط 2025 أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع زيارة إلى المملكة الأردنية الهاشمية التقى خلالها بالعاهل الأردني، حيث عُدت الزيارة منعطفا هاما في تاريخ العلاقات بين البلدين.
أعرب الأردن حينها عن استعداده لدعم جهود إعادة الإعمار في سوريا، بما في ذلك تزويدها بالكهرباء والغاز، والمساهمة في تخفيف أزمة الطاقة التي كانت تواجهها البلاد، كما تم تشكيل لجنة أمنية مشتركة لتعزيز أمن الحدود.
وقد بدا واضحا موقف عمّان الإيجابي منذ اليوم الأول لسقوط النظام المخلوع، عندما أُعلن احترام إرادة الشعب السوري، لتستمر بعدها اللقاءات على كافة المستويات الأمنية والعسكرية والاقتصادية وصولا إلى اللقاءات على مستوى النقابات.
“علاقات الأردن وسوريا في أفضل حالاتها” هكذا وصف نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، في تصريح له لتلفزيون المملكة، بعد أن عقد مؤخرا برفقة رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير المخابرات العامة لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في إطار حوار استراتيجي في دمشق، جرى خلاله بحث سبل مواجهة خطر تهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود، إضافة إلى خطر تنظيم داعش والإرهاب.
وأضاف الوزير الصفدي أن المباحثات تناولت أيضا آليات تفعيل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بما ينعكس إيجابا على مختلف القطاعات، مشيرا إلى أن سوريا تمر في مرحلة إعادة تكوين مهمة جدا، وأن الأردن يقف معها بشكل كامل ويقدم لها الدعم والمساندة ضمن الإمكانات المتاحة، مؤكدا أن استقرار سوريا يمثل استقرارا للأردن والمنطقة، ومدينا الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
وجاء التصريح الأبرز على لسان وزير الاتصال الحكومي محمد المومني، الذي كشف عن مباحثات جارية للاستفادة من ميناء اللاذقية كخيار لوجستي بديل عند الحاجة، مقابل إمكانية استخدام السوريين لميناء العقبة، ما يعزز التكامل اللوجستي ويمنح البلدين مرونة إضافية في حركة التجارة.
في نيسان العام الماضي اتفقت سوريا والأردن على تشكيل مجلس تنسيق أعلى يشمل في عضويته قطاعات استراتيجية، من بينها الطاقة، الصحة، الصناعة، التجارة، النقل، الزراعة، المياه، تكنولوجيا المعلومات والاتصال، التعليم، والسياحة، على أن يعقد أولى اجتماعاته خلال الأسابيع المقبلة.
ويُعتبر إنشاء “مجلس التنسيق الأعلى” إنشاء أعلى سلطة مشتركة لتفعيل الشراكة الاستراتيجية وتعزيز التعاون وحل المعوقات بين البلدين برئاسة قيادات عليا لضمان سرعة التنفيذ وتحقيق المصالح المشتركة.
إن العلاقات الاستراتيجية بين سوريا والأردن، وما أظهرته من تنسيق سياسي وأمني لمواجهة الإرهاب والتهريب وحماية الحدود، والعمل على تذليل الصعوبات لتنمية التبادل التجاري وصولا إلى التكامل اللوجستي من خلال البنية التحتية المشتركة وتخفيف الضغط الإقليمي، تشير إلى المستوى الرفيع من التعاون بين البلدين.
وفي كانون الثاني الفائت قال رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان إن المملكة تضع استقرار سوريا في مقدمة أولوياتها الإقليمية، مشيرا إلى أن موضوع الأمن والحدود مع سوريا أساسي ومحوري.
واعتبر في مقابلة مع التلفزيون الأردني أن نجاح سوريا هو نجاح للأردن وللمنطقة العربية، مؤكدا دعم الأردن بناء مؤسساتها وبسط سيطرتها على كامل أراضيها.
تنسيق سياسي – أمني – عسكري
تربط الأردن بسوريا حدود مشتركة يصل طولها إلى 375 كم، وهي مسافات تحتاج إلى تعاون مشترك بين البلدين، حيث شهد عام 2025 تزايدا ملحوظا في محاولات التسلل والتهريب، مما استدعى تفعيل التنسيق العسكري والأمني لحماية الحدود وتعزيز الاستقرار.
دمشق وعمّان، مع دول إقليمية أخرى، شكلوا لجانا وتحالفات للقضاء على عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود، من بينها لجنة أمنية مشتركة بين الأردن وسوريا تم الإعلان عنها في كانون الثاني العام الماضي، إضافة إلى التفاهمات التي أُبرمت خلال الاجتماع الخماسي الذي استضافته عمّان في آذار 2025، بمشاركة تركيا وسوريا والعراق ولبنان.
وفي تشرين الأول 2025 كشفت إدارتا مكافحة المخدرات في الأردن وسوريا، في بيان مشترك، أبرز أطر التعاون والتنسيق الميداني والاستخباراتي لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالمخدرات على الحدود المشتركة بين البلدين.
وأكد البيان أن الجهود المتبادلة أسفرت خلال الأسابيع الأخيرة عن نتائج ملموسة على أرض الواقع، حيث تمكنت الفرق المختصة، بفضل التنسيق الميداني المباشر وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الجانبين، من إحباط 7 محاولات تهريب عبر الحدود المشتركة خلال الفترة الأخيرة، وضبط ما يقارب مليون حبة مخدرة كانت معدة للتهريب والترويج في عدد من دول الإقليم.
كما أوضح البيان أن التعاون الثنائي أدى إلى تفكيك شبكات إجرامية منظمة تنشط في تهريب المخدرات وتصنيعها، وكانت تشكل تهديدا مباشرا لأمن الأردن وسوريا ودول الجوار، مضيفا أن السلطات في البلدين ألقت القبض على عدد من المتورطين في تلك الشبكات، وأحبطت محاولاتهم لتصنيع وترويج المواد المخدرة.
بدوره الجيش الأردني، في 24 كانون الأول 2025 أعلن عن تحييد تجار الأسلحة والمخدرات ومنظمي عمليات تهريب على الواجهة الشمالية للمملكة، ووفقا للبيان الرسمي حينها تم “استهداف عدد من المصانع والمعامل التي تتخذها هذه الجماعات أوكارا لانطلاق عملياتهم تجاه الأراضي الأردنية وتم تدمير المواقع المحددة بناء على معلومات استخبارية دقيقة، شملت عدة قرى في ريف السويداء جنوبي سوريا، وتمت بالتنسيق مع الجانب السوري والشركاء الإقليميين”.
مراكز بحثية عديدة، من بينها مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن، تحدثت عن أهمية التنسيق المشترك في قضايا الأمن وتعزيز الاستقرار للبلدين، حيث أكد رئيس مركز جسور للدراسات محمد سرميني أن التحول الذي شهدته سوريا وفر فرصة لإعادة توازن تأثير القوى الإقليمية على الأمن السوري ودول الجوار والمنطقة بعمومها، وتعزيز العمق الاستراتيجي الأردني من ناحية الجنوب السوري، وأتاح أمام الأردن فرصة ليكون الطرف الذي تتعامل من خلاله الأطراف العربية والإقليمية مع سوريا.
وكل ذلك يساهم في تحويل الدولة السورية من مصدر تهديد للأمن الأردني والمنطقة عبر تهريب المخدرات، وتواجد فصائل مسلحة تتبع لأطراف إقليمية ودولية، إلى فرصة للتعاون المشترك في مواجهة التهديدات والتحديات المشتركة.
وأشار رئيس حركة التجديد الوطني السورية عبيدة النحاس إلى أن سوريا الجديدة سعت إلى بناء واقع جديد تعيد من خلاله تموضعها في السياسة العربية، للانتقال بها من ممر استراتيجي لأطراف فاعلة إقليميا إلى فاعل إقليمي مهم ومؤثر.
ويرى الباحث والكاتب الأردني عدنان الروسان، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن العلاقات السورية الأردنية هي العلاقات الأكثر ملاءمة للتقدم بها إلى مستويات استراتيجية بين كل الدول العربية، سواء على الصعيد اللوجستي أو السياسي والأمني، وصولا إلى آخر مصفوفة المصالح بين البلدين، وذلك عائد إلى طبيعة الحدود الجيوسياسية التي تبدو حاضنة طبيعية للتكامل والتعاون، ثم إلى المنظومة الاجتماعية التي تجمع بين الكثير من العشائر الأردنية والسورية، خاصة في الجنوب السوري، إضافة إلى أسباب أخرى كثيرة.
ويضيف أنه “بعد زوال النظام السياسي السابق، والذي ترك وراءه تركة كبيرة وحملا ثقيلا على كاهل الحكم الجديد، لا بد من أن يضع النظام السياسي الجديد ضمن أولوياته أسس علاقة قوية واستراتيجية بين سوريا والأردن، وهذا بكل تأكيد سيعود بالخير على الطرفين عبر تسهيل المصالح المشتركة”.
الشراكة الاقتصادية والتجارية
ثلاثة عوامل طبيعية ومتجذرة تحكم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دمشق وعمّان، أبرزها الجغرافيا وتشابك سلاسل التوريد وتكامل الأسواق، بحسب تعبير السفير الأردني في دمشق سفيان القضاة، والذي أشار إلى أن تنشيط التبادل التجاري ينعكس إيجابا على دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وقدم القضاة أرقاما مهمة خلال لقائه مع وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في شباط الماضي، أظهرت التطور الكبير في حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث بين أن إجمالي الصادرات الأردنية إلى سوريا كان خلال شهر تشرين الثاني من عام 2024 نحو 98 مليون دولار، ليرتفع في الشهر ذاته من عام 2025 إلى حوالي 554 مليون دولار، بنسبة زيادة تقارب 600 بالمئة.
وأوضح أن البيانات تشير إلى نمو في الصادرات السورية إلى الأردن، التي ارتفعت من نحو 79 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2024 إلى قرابة 110 ملايين دولار خلال تشرين الثاني 2025، وهو ما يعكس حيوية العلاقات الاقتصادية بين البلدين وآفاقها المستقبلية.
ويجمع محللو الاقتصاد أن التعاون الاقتصادي والتجاري ضروري لكلا البلدين، حيث تعتبر سوريا ممرا حيويا للأردن باتجاه تركيا وأوروبا وروسيا، كما يمثل الأردن ممرا استراتيجيا لسوريا باتجاه دول الخليج، بما يشكل تكاملا تجاريا ينشط حركة التجارة الإقليمية والسياحة، ويسهم بتدفق الاستثمارات وتعزيز التكامل الاقتصادي.
وأشاروا إلى أن معبر نصيب – جابر يشكل أحد أهم المعابر الحدودية بين البلدين على المستوى الإقليمي وحتى الدولي، حيث يساعد بشكل كبير في تخفيف تكاليف النقل وتسهيل حركة الترانزيت، ما يحقق مزايا هامة من سرعة النقل وصولا إلى اختصار المسافات.
وعزز التعاون بين الحكومتين السورية والأردنية التعاون على مستوى النقابات والاتحادات والجمعيات من خلال توقيع اتفاقيات التوأمة بين الغرف التجارية والصناعية، وإعادة تفعيل مذكرات التفاهم بين جمعيات رجال الأعمال.
واستضافت دمشق في 12 شباط الفائت ملتقى التعاون والاستثمار السوري الأردني، الذي نظمته جمعية رجال وسيدات الأعمال السورية بالتعاون مع جمعية رجال الأعمال الأردنيين، وسبقه في 2 شباط الفائت في عمّان انعقاد الملتقى الاقتصادي السوري الأردني، بهدف تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وإرساء شراكات استراتيجية تعود بالفائدة على الجانبين.
وهنا يشير الكاتب الأردني عدنان الروسان، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن القواسم المشتركة الكثيرة بين الشعبين الأردني والسوري تشجع على هذا التوجه، وهذا يساعد على إقامة علاقات تكاملية في الاقتصاد والنقل والأمن المشترك والسياحة والمشاريع المشتركة، فالعلاقات السورية الأردنية ذات مؤشرات جيدة جدا، خاصة أن التاريخ والجغرافيا كلها عوامل تيسر على الجانبين إمكانات التقدم بنجاحات جديدة تزيد من تكامل البلدين العربيين.
التكامل اللوجستي والبنية التحتية المشتركة
أعلنت السعودية في 27 آذار الجاري، خلال اجتماع استثنائي لوزراء النقل بدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، عن حزمة مبادرات لدعم التكامل اللوجستي الخليجي وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. كما أطلقت شركة الخطوط الحديدية السعودية ممرا لوجستيا دوليا جديدا عبر قطارات البضائع يربط المملكة بالدول الواقعة شمالها عن طريق الأردن.
هذه الخطوة، بحسب مراقبين، تشمل سوريا، خاصة أنها تهدف، بحسب الشركة، إلى تعزيز الربط التجاري مع الأردن والدول الواقعة شمال السعودية، ودعم حركة التجارة الإقليمية.
وفي 13 آذار الجاري بحث رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السوري قتيبة مع وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني يعرب القضاة، في دمشق، سبل تعزيز حركة التبادل التجاري بين الأردن وسوريا.
وأكد الجانبان الحرص على تسهيل دخول البضائع والمنتجات بين البلدين وضمان انسيابية عبورها بإجراءات مرنة تسهم في دعم النشاط التجاري بينهما. وجرى الاتفاق على تسهيل عبور الشاحنات الأردنية إلى الموانئ السورية لإجراء عمليات التحميل والتفريغ، وكذلك عبور الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة للقيام بالعمليات ذاتها، بما يسهم في تعزيز التكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ويفتح آفاقا أوسع أمام حركة التجارة الإقليمية.
وجرى خلال الاجتماع التأكيد على أهمية الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لكلا البلدين والعمل على تطوير آليات التعاون بما يسهم في تحويلهما إلى مركزين إقليميين لتجميع البضائع وإعادة تصديرها إلى أسواق الخليج وأوروبا، الأمر الذي من شأنه تعزيز حركة التجارة وتنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وللتأكيد على الأهمية الجغرافية المتميزة للبلدين، أعلن قبل أيام الناطق باسم محافظة الأنبار غربي العراق مؤيد الدليمي، لوكالة الأنباء الأردنية، أن المنافذ الحدودية جاهزة لتصدير نحو 200 ألف برميل نفط يوميا عبر السيارات الحوضية مع خطي العقبة مع الأردن وبانياس مع سوريا.
وقال إن هذه المنافذ ستكون معززة لخط كركوك – جيهان مع تركيا، حيث إن الخط النفطي العراقي مع الأردن، الذي يمتد من (البصرة – حديثة – العقبة)، والخط النفطي مع سوريا (كركوك – بانياس)، لهما دور مهم في معالجة الأزمة الاقتصادية المتمثلة بإغلاق مضيق هرمز، في حال تم تفعيل هذه الخطوط.
وفي هذا السياق يقول الكاتب الروسان: “الحكومتان الأردنية والسورية لديهما الإرادة الصادقة في تقوية العلاقات الثنائية على كل الصعد، باعتبار أن كلا البلدين يمكن أن يكون رديفا للآخر في حالات الشدائد التي عادة ما تفرض على هذه المنطقة ككل، والعمل على ترسيخ قاعدة التكامل بين الأردن وسوريا على صعيد استخدام الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، والربط الكهربائي، والتعاون في مجالات المياه، والتبادل المصلحي في مجالات أخرى كثيرة”.
ويضيف: “يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار فتح أبواب تعاون على الصعيد الفكري والبحثي والإعلامي، لأن من شأن ذلك حشد الطاقات في كلا البلدين لإنتاج مخرجات جديدة تكون مفيدة على الصعيد الاستراتيجي القريب والمتوسط المدى، مما يخلق مصالح مشتركة عميقة تقوض أي أبواب فتنة يحاول الأعداء التسلل من خلالها إلى النسيج الوطني العربي الذي يجمع البلدين”.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.