على قادة البلاد اغتنام الفرصة لمواجهة حزب الله. وعلى إسرائيل ألا تفسد ذلك
غالبًا ما يُضرب بلبنان المثل التحذيري. فقد أدت الحوكمة السيئة، والتدخلات الخارجية، وسوء الإدارة الاقتصادية الكارثي إلى إفراغ الدولة من مضمونها. لكن أكثر القوى زعزعة للاستقرار في البلاد كان حزب الله، وهو ميليشيا يخشاها الكثيرون ومدعومة من إيران. تمتلك الحكومة اللبنانية الآن فرصة لإزاحته، لكنها تحتاج إلى التحرك بحزم وسرعة.
حزب الله، الذي يُعدّ أفضل فاعل غير حكومي تسليحًا في العالم وأقوى قوة عسكرية في لبنان، يبدو الآن أضعف من أي وقت مضى. فقد قتلت إسرائيل العديد من قادته ودمّرت عشرات الآلاف من الصواريخ التي كان قد وجهها نحو شمال إسرائيل. أما سيده، إيران، فهو الآن منشغل بالقتال من أجل بقائه حيّاً. وقد تصاعد الغضب بين أنصاره من الطائفة الشيعية في لبنان بسبب فشله في إعادة بناء ما دمرته إسرائيل في جنوب البلاد عام 2024.
منذ أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما الأخيرة في إيران، عاد حزب الله لمهاجمة إسرائيل. وردًا على ذلك، شنت إسرائيل سلسلة مدمرة من الضربات الجوية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 950 شخصًا وتشريد أكثر من مليون. تهدف إسرائيل إلى تحطيم حزب الله نهائيًا، لكنها بدلًا من ذلك قد تخاطر بإحيائه من جديد. وعلى عكس حملة إسرائيل في عام 2024، التي اعتبرها كثير من اللبنانيين هجومًا على حزب الله، فإن حجم هذا الهجوم يجعله يبدو وكأنه اعتداء على لبنان نفسه. وقد تكون الخطوة التالية اجتياحًا بريًا. وقد أدى الغزو الإسرائيلي عام 1982 إلى احتلال جنوب لبنان لمدة 18 عامًا وظهور حزب الله. إن مواجهة موجة جديدة من الاحتلال قد تساعد حزب الله على استعادة قبضته.
ينبغي على إسرائيل أن تتوقف مؤقتًا وتمنح الحكومة والجيش في لبنان فرصة للتحرك. فقبل سنوات، كان ذلك غير وارد. إذ تعاقبت أجيال من السياسيين والجنرالات اللبنانيين على تجنب مواجهة ميليشيا تفوقت عليهم في القوة وأخافتهم. ويختلف قادة إسرائيل حاليًا حول ما إذا كان ينبغي شن غزو بري واسع النطاق. وإذا لم ترتقِ الحكومة اللبنانية إلى مستوى اللحظة، فقد تستنتج إسرائيل أنها مضطرة لإعادة فرض الردع بنفسها، ربما من خلال احتلال طويل الأمد للجنوب.
إن قادة لبنان يطلقون الإشارات الصحيحة. فقد تعهد الرئيس جوزيف عون بنزع سلاح الجماعة. وفي 3 مارس، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن “أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية” غير قانونية، ودعاه إلى تسليم أسلحته للدولة. غير أن تفكيك قوة حزب الله لن يكون سهلًا ولا سريعًا. ومع ذلك، يمكن للحكومة أن تبدأ بطرد السفير الإيراني وقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران. فكثير من “الدبلوماسيين” الإيرانيين في لبنان هم في الواقع أعضاء في الحرس الثوري الإيراني. وينبغي للحكومة اعتقال القادة الإيرانيين الذين يقودون مقاتلي حزب الله على الأرض. كما يجب إغلاق القرض الحسن، شبكته المالية، والتأكيد على أن تمويل إعادة إعمار جنوب البلاد سيتم توفيره وإدارته من قبل الدولة.
كما ينبغي لها فرض حظرها على أنشطة حزب الله العسكرية. مؤخرًا، تم اعتقال مسلحين مؤيدين للحزب ثم أُفرج عنهم بكفالة مقدارها 21 دولار فقط. ينبغي للجيش السيطرة على الطرق والمنشآت التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمقاتلين. وعلى المدى الأبعد، يجب أن يتحرك إلى المناطق التي يهيمن عليها حزب الله منذ زمن.
يمكن للدول الخارجية تقديم المساعدة. فقد تتشارك بريطانيا وفرنسا المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة اللبنانية، وكذلك الولايات المتحدة. ويمكن لجيوشها تدريب وتجهيز القوات المسلحة اللبنانية، وتقديم دعم مالي لرواتب الجنود. لكن في النهاية، يبقى الأمر بيد قادة لبنان. فإذا تحركوا بجدية ضد حزب الله، فقد يتمكنون أخيرًا من كسر قبضته على الدولة. أما إذا ترددوا مجددًا، فقد يواجه لبنان احتلالًا مدمرًا جديدًا.
المعركة من أجل لبنان
بيروت والقدس
تدرس إسرائيل شنّ غزو بري لإنهاء وجود حزب الله
بالنسبة إلى اللبنانيين، يبدو الأمر مألوفًا على نحو مُقلق؛ إذ تجد بلادهم نفسها مرة أخرى تحت هجوم من إسرائيل. وردًا على الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله، وهو ميليشيا شيعية مدعومة منذ زمن طويل من إيران، شنّت إسرائيل هجومًا واسع النطاق على جنوب لبنان وعلى العاصمة بيروت. ومنذ 2 آذار/مارس، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 950 شخصًا، بينهم أكثر من مئة طفل. كما تغطي أوامر الإخلاء الإسرائيلية أكثر من 14% من أراضي لبنان. وقد نزح أكثر من مليون لبناني، أي نحو خُمس السكان، وكثير منهم للمرة الثانية أو الثالثة خلال أقل من عامين. وعادت عائلات إلى أطلال الجنوب بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لتنام في سياراتها على كورنيش بيروت أو في شوارعها.
وقد تتفاقم الأمور أكثر. ففي 16 آذار/مارس، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز أن جيش الدفاع الإسرائيلي بدأ “مناورة برية” ضد حزب الله في لبنان بهدف إزالة التهديدات وحماية سكان الجليل. وخلال جولة على الحدود في أوائل آذار/مارس، نشر وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش مقطع فيديو تعهّد فيه بأن الضاحية، وهي الضاحية الجنوبية المكتظة في بيروت، ستبدو قريبًا “كخان يونس” في غزة. وفي 18 آذار/مارس، دمّر الجيش الإسرائيلي بعض الجسور فوق نهر الليطاني، ما يشير إلى أنه قد يستعد لاحتلال أطول.
لم تلتزم إسرائيل بعدُ بهجوم بري شامل. حتى الآن، يعمل الجيش الإسرائيلي على بعد أميال قليلة فقط شمال الحدود. وقد أنشأ مواقع متقدمة في شريط ضيق نسبيًا من الأراضي، ونفّذ غارات في قرى مهجورة للعثور على ما يقول إنها مخازن أسلحة مخفية لحزب الله وتدميرها، ولمنع الحزب من مهاجمة المجتمعات الحدودية الإسرائيلية.
غير أن توغّلًا إسرائيليًا أعمق واحتلالًا قد يدفعان لبنان إلى أزمة. فالنزوح الواسع، وغالبيته من الشيعة في الجنوب، يعيد فتح خطوط الانقسام الطائفي في البلاد. وفي بعض المناطق المسيحية، تطلب السلطات المحلية من الشيعة الابتعاد، ويرفض ملاك العقارات تأجيرهم. ومع تزايد أعداد النازحين، يزداد الضغط على نظام سياسي هشّ أصلًا.
كما ستدفع إسرائيل ثمنًا باهظًا لحرب جديدة في لبنان. إذ سيتعين استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط. وقد ظلت إسرائيل في حالة تعبئة عسكرية لما يقارب عامين ونصف. ويحرص الجيش على تجنّب صراع كبير آخر في وقتٍ تستمر فيه الحرب في إيران.
مأزق إسرائيل واضح. فحزب الله لا يزال ضعيفًا، وهو بعيد عن استعادة قوته العسكرية والسياسية والتنظيمية. أما راعيه الوحيد، إيران، فهو تحت وطأة هجمات مدمرة أميركية وإسرائيلية. وترى إسرائيل أن هذه هي أفضل فرصة لتدميره. لكن الضربات الجوية وهجومًا بريًا محدودًا لن يحققا ذلك. فمنذ وقف إطلاق النار قبل 15 شهرًا، سيطر مئات من عناصر الحرس الثوري الإيراني مباشرة على العمليات البرية لحزب الله، وساعدوا في إعادة بنائه. وقد خزّنوا مخازن أسلحة وأقاموا هياكل قيادة لامركزية. وللقضاء على قوات حزب الله في جنوب لبنان، حتى مؤقتًا، سيتطلب الأمر حملة برية طويلة تُقيّد جزءًا كبيرًا من قوات الجيش الإسرائيلي النظامية والاحتياطية لعدة أشهر على الأقل.
هل يزيد ذلك الأمور سوءًا؟
قد يؤدي الغزو أيضًا إلى تعزيز دعم حزب الله بين شيعة لبنان الذين بدأوا يبتعدون عنه. فقد تراجع التأييد بعد أن استجلب الحزب غضب إسرائيل في عام 2024 ثم فشل في إصلاح الأضرار الناجمة. ويقول الذين يعرفون حزب الله إنه يتوق لمواجهة الجنود الإسرائيليين على أرضه. لكن حربًا مطوّلة أو احتلالًا قد يسمحان له بإعادة تقديم نفسه كحركة مقاومة تقاتل نيابة عن جميع اللبنانيين.
يأتي ذلك في وقت بدأ فيه قادة لبنان أخيرًا مواجهة ميليشيا عملت كدولة داخل الدولة لسنوات طويلة. ولدى السياسيين والجيش أسباب وجيهة لتجنب هذا السيناريو. ويعزون ذلك إلى شحّ الموارد والقوة النارية، كما يشيرون إلى خطر الانقسام الداخلي—خاصة أن نحو ثلث تعداد الجيش من الشيعة. ويخشى كثيرون أن أي عمل من هذا النوع قد يدفع حزب الله إلى العودة إلى الاغتيالات والاختطاف وهي السياسات التي اتبعها حزب الله في الماضي.
ومع ذلك، يبدو أن الحكومة اللبنانية أصبحت أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمواجهة الحزب. ففي الأسبوع الذي تلا اندلاع الحرب، أعلنت الحكومة أن أنشطة الحزب العسكرية غير قانونية، واعتقلت عشرات من عناصره بتهمة حيازة أسلحة، وذلك عقب حظر أصدره رئيس البرلمان نبيه بري الذي هو بدوره شيعي، وذلك يظهر كيف تغيرت السياسة اللبنانية بحدة في الاتجاه الآخر. كما عرضت إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل—وهو تواصل كان يُعدّ سابقًا أمرًا غير قابل للتصور، إذ يُعدّ الاتصال بإسرائيل جريمة في لبنان.
ولا يزال قادة إسرائيل مترددين بشأن اللجوء إلى القوة بشكل أكبر، لكنهم قد لا يترددون إلى الأبد. ويحاول دبلوماسيون فرنسيون وأميركيون التوصل إلى اتفاق إسرائيلي-لبناني يمنح بيروت مزيدًا من الوقت لنزع سلاح حزب الله. غير أن جنرالات إسرائيل يشككون في قدرة الجيش اللبناني على القيام بذلك.
النجاح غير مضمون. لكن حتى عدم القيام بشيء قد يكون أسوأ بكثير، بحسب أرام نرجزيان، الخبير في الشؤون العسكرية، الذي يقول: “عدم القيام بأي شيء أسوأ بكثير؛ فكلما ترددت الدولة اللبنانية، اقتربت البلاد من الانهيار”.
الخيار واضح: إما أن يتولى الجيش اللبناني مواجهة حزب الله أو تفعل إسرائيل ذلك. ويقول سامي الجميل، رئيس حزب الكتائب المسيحي: “إنها نقطة تحوّل في صراع دام 50 عامًا. لن يسمح أحد لحزب الله بالخروج من هذا الصراع على قيد الحياة”. لكنه يضيف بلهجة قاتمة: “لكن، هل سيكون ذلك على حساب تدمير لبنان أم لا؟”




Comments are closed for this post.