انطلقت الثورة السورية في الثامن عشر من آذار 2011 ضمن سياق موجة “الربيع العربي”، وشرارتها الأولى عقب إضرام محمد البوعزيزي النار بجسده في تونس في كانون الأول 2010، وما تبعها من ثورات شعبية في مصر وليبيا واليمن ودول عربية أخرى بدرجات متفاوتة.
لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في مساندة هذا الحراك، عبر منصات رقمية أتاحت نشر الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، وتوثيق أحداث القمع، وتجاوز القيود المفروضة على وسائل الإعلام التقليدية. كما سمح التفاعل الفوري في الشبكة العنكبوتية، بتبادل الآراء والتعليق على الأحداث، ما أسهم في تعزيز التواصل بين الناشطين وتنسيق الدعوات للاحتجاج.
لفت الربيع العربي أنظار الباحثين والمحللين إلى دور التقنيات الرقمية في الحركات الاحتجاجية، وارتفع الاهتمام العالمي بالمنصات الاجتماعية خاصة الفيسبوك بسبب دوره في سقوط نظامي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، والزيادة الملحوظة في أعداد مشتركيه التي تضاعفت، خاصة في العالم العربي.
بالعودة إلى السياق السوري، كانت السلطات تحجب المنصات الرقمية منذ العام 2007، منها فيسبوك وتويتر ويوتيوب والمدونات وغيرها من المواقع. إلا أن الحجب ألغي في شباط 2011، أي بعد سقوط النظام المصري. كان تفسير رفع الحجب مثار النقاشات السورية، فرأى بعض الناشطين أن الهدف تسهيل المراقبة الأمنية، حيث يلجأ المستخدمون إلى برامج الكسر. في المقابل، ذهب الباحث محمد جمال باروت في كتابه “العقد الأخير في تاريخ سوريا” إلى تفسير مختلف، مفاده أن النظام أراد التعبير عن قوته وثقته بنفسه في تلك المرحلة الحرجة.
لم يمنع رفع الحجب الاحتجاجات من الاندلاع في سوريا، وبدأت مظاهرات محدودة في دمشق (سوق الحريقة في 17 شباط، والجامع الأموي وسوق الحميدية في 15 آذار) قبل أن تتوسع مع احتجاجات درعا في 18 آذار، ومنها تمتد إلى بقية المحافظات السورية. ومع تصاعد الأحداث، انتشرت روايات ساخرة بين الأوساط الطلابية في المدن الجامعية، خاصة جامعة حلب، تفيد بأن عناصر الأمن كانوا يبحثون عن الفيسبوك كما لو أنه شيء مادي يمكن العثور عليه ومصادرته.
بدورها، السلطات لجأت إلى مزيج من الإجراءات، شملت الرقابة الأمنية المباشرة للحسابات، وتقييد خدمة الإنترنت في مناطق الاحتجاجات عبر قطعها أو إبطاء سرعتها، ومحاولات اختراق مجموعات التنسيق للمظاهرات، إضافة إلى نشاط مجموعات موالية عُرفت إعلامياً باسم “الجيش الإلكتروني السوري”، بالتزامن، على أرض الواقع، مع تكثيف الأجهزة الأمنية إجراءات التفتيش والمراقبة في المدن، لا سيما دمشق وحلب، حيث جرى التدقيق في هوية القادمين بمحطات النقل العام، خاصة من الأرياف، والانتشار حول الساحات، وطرح أسئلة عن أسباب قدوم أو تواجد المارة في أماكن وأوقات محددة.
واجه النظام الاحتجاجات بقسوة أمنية شديدة، كنظام “يمنع الكلام”، تشكل خلال عقود على أساس منظومة أمنية مركزية تقوم على احتكار المجال العام ومنع التعبير السياسي المعارض. ونتيجة لهذه البنية الصلدة، اعتمد النظام على أدوات الضبط الأمني التقليدية لاستعادة السيطرة على الشارع، الذي يخرج عن سيطرته بمجرد أن يصرخ أحدهم “يسقط النظام”. لتصبح قسوته ذاتها مصدراً لهشاشته، ما زاد من توتره وساهم في إرباك منظومته الأمنية، الأمر الذي أدى إلى انهياره لاحقاً.
يمكن تفسير العلاقة الطردية بين القسوة والهشاشة بالعودة إلى أفكار سبينوزا في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة”، وتحديداً تركيزه على فكرة “منع الكلام”. حيث يرى أنها تعبر عن أشد حالات القمع والرقابة، وأنها لا تنجح في تغيير القناعات بل تدفع الناس لإخفائها، ما يراكم النقمة الخفية تجاه السلطة، ويتسبب لاحقاً في انفجارها، متى ما توفرت الفرصة.
يختزل هذا التفسير ما حدث في سوريا بعد أن كسرت الحناجر جدار الصمت، وواجهت الصدور العارية الرصاص، ولاحقاً رفض بعض الجنود والضباط توجيه السلاح إلى أبناء شعبها، لتتوالى الانشقاقات في صفوف الجيش، وتبدأ ظاهرة الثورة المسلحة مقابل بطش النظام، الذي استعان بالدعم المباشر من قوى خارجية، وما رافق تلك الفترة من تحولات معقدة في مسار الثورة، حتى إسقاطه في 8 كانون الأول، بعد أربعة عشر عاماً من المخاض العسير.
أخيراً، يمكن النظر إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي كعامل وسيط ساهم في تسريع تداول المعلومات وتعزيز التعبئة الاجتماعية، دون إغفال جذور الاحتجاج المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية وغياب التنمية والمشاركة في اتخاذ القرارات.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.