في مثل هذا الوقت من كل عام، كانت الرقة تصغي لذاكرتها كما يصغي الجريح لنبض ألمه، تستعيد الوجوه التي غابت، والهتافات التي انطفأت في الأزقة، وتمشي على أطلال ما انكسر فيها، كأنها تخشى أن تنسى أو تُنسى. كانت ذكرى انطلاقة الثورة تمرّ عليها مثقلة بما لم يُقال، ومشبعة بما فاض من الخسارات، حتى غدت الذاكرة عبئاً ينوء به القلب أكثر مما يُحييه.
أما اليوم، فشيء ما تبدّل. ليس في التواريخ ولا في الحكايات، بل في الطريقة التي تروى بها. كأن الرقة تعلّمت أخيراً كيف تنظر إلى جراحها دون أن تنزف، وكيف تُمسك بخيط الأمل دون أن يفلت منها. عاد في ذاكرتها متّسعٌ للفرح، ولو كان خافتاً، وصارت الذكرى باباً يُفتح على ما يمكن أن يكون، لا فقط على ما كان.
إنّ احتفال أهالي الرقة بذكرى انطلاقة الثورة السورية ليس طقسًا عابرًا، أو عادة تتكرر في كل سنة، ولا يختزل برفع أعلام وترديد شعارات، بل إنّ الاحتفالية تعبير عن استعادة الذات، ووقفة عنيدة نقول فيها: نحن هنا، ما زلنا هنا، رغم كل ما مرّ بنا.
فنحن نتحدث عن محافظة سُلبت منها ملامحها مرارًا، وتعاقبت عليها قوى فرضت سردياتها، وغيّرت أسماء مدارس الرقة وشوارعها ومعالمها، وقيّدت حياة أهلها، حتى كاد الرقّي يشعر بالغربة بين أزقة مدينته، في ظلّ هذا كلّه تصبح الاحتفالية فعلًا ذا رمزية عميقة، كأنّ الناس يستردّون فيها حقهم بالتعريف عن أنفسهم، كما هم على حقيقتهم وسجيتهم، لا كما يريد لهم الآخرون.
هذه الاحتفالية تمثل إصرارًا مع شيء مع العناد الجميل، عناد الذين جربوا طعم الهزيمة، لكنهم أبوا أن يُمحَوا، فعادوا ليثبتوا أنّ التضحيات لم تذهب عبثًا، ودماء الشهداء لم تضع هدرًا، إنّها لحظات تاريخية فريدة تنتصر فيها الشعلة التي خفت ضوؤها حينًا من الزمن، لتعود وتنير من جديد كما كانت، بل وأفضل إن شاء الله.
بهذه المعاني نستطيع تعريف الاحتفالية أنّها مساحة جديدة لإعادة بناء الرابط بين الرقّي والفرات، وبين ماضيه وحاضره، وبين الألم الذي عاشه والأمل الذي يحيا به وعليه، إنّها مناسبة يعيد فيها أهل الرقة ترتيب علاقتهم مع كل ما جرى، ويختارون ـ رغم كل شيء ـ أن يستمروا.
لم تكن الرقة يومًا محافظةً عاديةً يمكن أن تُختصر في سطرٍ عابر، لكنها ـ مع كل الأسف ـ عاشت طويلًا كأنها كذلك في عيون من كتبوا تاريخ البلاد من مركزه لا من أطرافه، حيث وُضعت على هامش الحكاية السورية، لا لأنّها هامشٌ حقًا، بل لأنّ من امتلكوا سلطة السرد أرادوا لها أن تكون كذلك، فقد أرادت سلطة النظام البائد أن تكون الرقة بما تحمله من ثقل جغرافي وتاريخ خارج النص، ولكنها لم تفلح بذلك، لأنّ الرقة وإن كانت نصًا مؤجلًا، لكنّ نصّ محوري في الرواية السورية.
جغرافيًا ليست الرقة نقطةً معزولة، بل عقدة تلتقي فيها الطرق، وممرًّا يربط الشرق بالشمال، والبادية بالنهر، وتاريخيًا لم تكن الرقة صفحةً بيضاء، بل موضعًا تعاقبت عليه حضارات، وتركت فيه بصماتها، حتى غدت المحافظة طبقاتٍ من الذاكرة، لا يمكن قراءتها قراءةً واحدة.
ومع ذلك، كان التهميش سياسةً ممنهجةً من قبل كل من حكم المحافظة في التاريخ المعاصر، سواءً نظام الأسد البائد أو داعش أو قسد، وليس ذلك بمحض الصدفة، لأنّ كلّ من سبق أرادوا هدفًا واحدًا للرقة، أن تبقى مكانًا يُدار ولا يعبّر.
حين انطلقت الثورة السورية، بدا المشهد وكأنّ الرقة كانت تستعيد صوتًا مؤجلًا منذ زمن، فهي لم تتردد طويلًا، ولم تنتظر إشارات من أحد، خرج أبناؤها في الشوارع والجامعات والجوامع، لا بوصفهم امتدادًا لحراكٍ في محافظات أخرى فحسب، بل بوصفهم أصحاب قضية تخصّهم أيضًا.
تلك اللحظات الأولى حملت وعدًا كبيرًا، لكنها كانت أيضًا بداية اختبارٍ قاسٍ، فما إن انكسر جدار الخوف، حتى بدأت جدران أخرى ترتفع: صراع على المحافظة، وقوى متنازعة، وأجندة لا تشبهنا، فلم تهنأ المدينة بالتحريرالأول في عام 2013 بضعة أشهر حتى تحولت إلى ساحة مفتوحة، تصادمت فيها مصالح كثيرة، وغاب صوت أهلها تحت ضجيج البنادق، وغطى السواد ملامحها.
واستمرت بعد ذلك سلسلة من الانكسارات، من ملاحقة للثوار داخليًا على يد داعش، وهمز وغمز خارجيًا لأبناء الرقة كأنهم صُبغوا بصبغة داعشية، فكان الألم مزدوجًا، والقهر مضاعفًا.
ثم جاء التحول الثالث، لا كحدث عسكري فحسب، بل كزلزال دمّر كل شيء بحجة “مكافحة الإرهاب”، لتجد الرقة في عام 2017 وقد تهدمت فيها البيوت، وكثرت فيها المقابر الجماعية، وصارت مشاهد الركام والدمار والدماء والأشلاء جزءًا من المشهد اليومي المعتاد للرقة.
يومًا بعد يوم كانت الرقة تفقد الأمل تدريجيًا بالحرية، وتراكم عليها الدمار المادي مع النفسي، ثم عبثت قسد بكل مفاصل الحياة لتصبح المحافظة تكتلًا من المآسي المتراكمة، لتصبح فيها الحقوق أحلامًا، والأحلام جرائم.
وحتى بعد سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من كانون الأول 2024 بينما كان المفترض أن تفرح الرقة وجدت نفسها تزيد أحزانها حزنًا آخر، فصار رفع علم الثورة جريمة، ونشر منشور على فيسبوك جريمة، وحمل صورة شخصية من شخصيات التحرير على الهاتف الجوال جريمة، لتمتلئ السجون بالحالمين بالحرية، وتمتلئ الصدور غيظًا وقهرًا.
وبعد طول صبر استدار الزمان كيوم التحرير الأول وتحررت الرقة في الثامن عشر من كانون الثاني 2026، لتبدأ المحافظة فصلًا جديدًا تعبّر فيه عن كونها كيانًا له إرادته لا مجرد ساحة لصراع الآخرين، لذلك كانت رمزية الاحتفالية التي نتحدث عنها مميزة ومهمة، لأنّها رسالة إلى من أراد تذويب الرقة أنّها عصيّة على الذوبان، لا تغيب ولا تمحى من صفحات الرواية السورية الخالدة.
في مفارقة عجيبة، ليس من السهل أن نتحدث عن إصلاح وتغيير في محافظة خرجت لتوّها من تحت ركام كثيف ماديًا ومعنويًا، وكذلك ليس من السهل ألا نتحدث عن الإصلاح والتغيير، فهما حاجتان لا بد منهما ليكون التحرير نصرًا، وليكون النصر بناءً.
تقف الرقة اليوم أمام شبكة معقدة من الأزمات، بين جراح لم تلتئم بعد، وبنية تحتية متهالكة، ومجتمع أنهكته الانقسامات، وذاكرة مثقلة بصور الفقد والخسارة، لذلك فإنّ الإدراك العميق لحجم ما جرى هو الأساس الذي نستطيع أن نبني عليه أي حديث عن مستقبل الرقة.
الأمل الذي يظهر في وجوه الناس، خاصة في لحظات مميزة كإحياء ذكرى الثورة ليس وهمًا عابرًا، ولا ترفًا عاطفيًا، هو ثمرة تجربة قاسية مرت بها الرقة، وتعلم منها أهل الرقة دروسًا باهظة الثمن، تعلموا أنّ يعضوا على ثورتهم بالنواجذ، وأنّ الصمت يلا يحمي الضعيف، والغياب يفتح الباب لمن يفرض واقعه بالقوة، هذا الأمل يجعلنا جميعًا نصرّ على ألا تتكرر أخطاء الماضي ذاتها، وعلى أن يكون الجميع معنيون برسم ملامح المستقبل.
في هذا السياق، يمكن فهم الرقة اليوم بوصفها محافظة تعيش في تداخل ثلاثة أزمنة، لا تنفصل عن بعضها، بل تتصارع أحيانًا وتتقاطع أحيانًا أخرى: بين ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل.
الماضي الذي لم يعد ذاكرة فحسب بل هو تفصيل يومي في كل شارع مهدم، وفي كل اسم فقدته عائلته، فهو عبء ثقيل يضاعفه الإحساس بالتهميش، وتزيده المآسي والتحديات الجديدة.
أما الحاضر، فهو حالةٌ من السعي المستمر للملمة الذات، ليس استقرارًا مكتملًا، ولا فوضى مطلقة، بل منطقة رمادية يحاول فيها الناس إعادة بناء حياتهم بما توفر من إمكانيات، ببساطة هو حاضرٌ هش، لكنه يحمل في داخله بذور الاستمرار، وكأن المحافظة تتعلم من جديد كيف تعيش، خطوةً خطوة.
ويبقى المستقبل، وهو الزمن الأكثر غموضًا، لكنه أيضًا الأكثر جاذبيةً، فهو لم يُكتب بعد، ولم تتحدد ملامحه، وهذا ما يجعله مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، وبالنسبة لأهالي الرقة لا يبدو المستقبل وعدًا جاهزًا، بل مشروعًا يحتاج إلى جهدٍ وصبر، فهو مسار طويل من التغيير التدريجي، يبدأ بالوعي ويمر عبر التشاركية بين الجميع، ولا ينتهي حتى تستعيد الرقة قدرتها على التعافي، والتعبيرعن نفسها بنفسها.
في هذا التداخل المربك بين الأزمنة، لا تعود ذكرى الثورة مجرد موعدٍ في التقويم، بل لحظة تعبرها الرقة لتتأكد أنها ما زالت هنا، رغم كل ما مرّ بها. ليست التفاتة إلى ماضٍ يُستعاد، ولا مهرباً من حاضرٍ يثقل القلب، بل خيط خفيّ يربط ما كان بما هو كائن، ويفتح نافذةً لما يمكن أن يكون.
فيها تقول الرقة ما لا يُقال صراحة: أنها لم تكن يومًا حكاية عابرة، ولا سطراً يمكن طيّه والنسيان بعده. هي أثرٌ باقٍ، وصوتٌ يتجدّد، وحقٌّ في البقاء لا يُمنح بل يُنتزع، وحلمٌ لا يموت مهما طال عليه التعب. هكذا تبقى، لا كذكرى تُروى، بل كحكايةٍ تمضي، وتكتب فصولها بنفسها، فصلًا بعد فصل.




Comments are closed for this post.