هناك توجه عام في غالبية الدول الغربية للتشدد في سياسات استقبال اللاجئين والمهاجرين، ومنح الإقامات الدائمة والجنسية. فقد كانت هذه الدول مقصداً لأولئك الناس الذين أجبرتهم ظروف بلادهم على مغادرتها، والبحث عن فرصة في بلاد تنقذهم من الملاحقات والقمع والقتل والتشرد، وتفسح المجال أمامهم لحياة جديدة، تضمن لهم ولأسرهم الحد الأدنى الممكن من شروط العيش الكريم، والتعليم، والصحة.

وهناك جملة أسباب تضافرت في ما بينها، وأدّت إلى هذا التحول، حتى لدى بعض القوى السياسية التي عُرفت بتساهلها في ملف اللاجئين، وتعاطفها الإنساني معهم؛ ويُشار هنا إلى الاشتراكيين الديمقراطيين والأحزاب الليبرالية، وحتى قسم من أحزاب الوسط. وفي مقدمة الأسباب المعنية هنا: تنامي التيارات العنصرية والقومية المتطرفة، والنزعات الوطنية المتشددة، بفعل تأثير واضح من جانب المشككين في سلامة سياسات العولمة التي اعتمدتها هذه الدول في العقود الأخيرة. فقد كانت تلك السياسات، وفق ما يذهب إليه هؤلاء، لمصلحة الصين التي تمكنت من الاستفادة من التكنولوجيا الغربية بصورة شبه مجانية؛ ووجدت الأسواق الغربية، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا، مفتوحة أمامها؛ الأمر الذي شجعها على العمل لمدّ نفوذها الاقتصادي نحو أفريقيا وآسيا، والتفكير في تعزيز مكانتها في منطقة جنوب شرق آسيا. وكل ذلك يمثّل تهديداً لمستقبل الحضارة الغربية وفق منظور القوى اليمينية المتطرفة الغربية، بل تهديداً لحضارة العرق الأبيض وفق أكثر تلك القوى تشدداً وعنصرية.

كما أن الثورة التكنولوجية المعاصرة، خاصة في مرحلة انتعاش الذكاء الاصطناعي، قد مكّنت تلك الدول من الاستغناء عن أعداد كبيرة من الأيدي العاملة في مختلف الميادين الاقتصادية، وحتى الإدارية الوظيفية. وهذا ما قلّص دائرة الحاجة إلى الأيدي العاملة الوافدة.

بالإضافة إلى ذلك، أدّت إخفاقات سياسات الاندماج، التي كان الهدف منها استيعاب اللاجئين ضمن المجتمع على الصعيدين المجتمعي والثقافي، وذلك لأسباب متعددة منها ما تخص الحكومات (الإخفاق في سياسات توزيع اللاجئين بين البلديات والمناطق السكنية ضمن المدن، والتقصير في ميدان التعليم والتدريب المهني، والاكتفاء بأرقام الإحصائيات المضللة التي تحجب الواقع الحقيقي)؛ وأسباب أخرى تخص اللاجئين (عدم بذل الجهود المطلوبة لإتقان اللغة والتحصيل العلمي، والانغلاق ضمن المجتمعات الموازية، وممارسة النشاطات الاقتصادية بعيداً عن القوانين المعتمدة، وفرض قيم وثقافة المجتمع الأم على الأطفال في المجتمع الجديد)؛ إلى تراكم الكثير من السلبيات من أهمها: التفكك الأسري، وهيمنة البطالة، وانتشار الجريمة في أوساط اللاجئين؛ وارتفاع منسوب النزعات العنصرية في مواجهة اللاجئين؛ وهذا ما يتمظهر في سياسات بعض الأحزاب والحركات اليمينية المتشددة.

وكل ذلك دفع بالحكومات الأوروبية، بعد أن تحولت قضية اللاجئين إلى مسألة تؤثر على نتائج الانتخابات، إلى التفكير في اعتماد جملة تدابير قانونية قاسية تثير الكثير من النقاش والجدل في أوساط الرأي العام، وذلك بهدف التضييق على اللاجئين والضغط على الذين ينتظرون منهم الحصول على الإقامة، ودفعهم نحو الخروج من البلد؛ واعطاء رسالة في الوقت ذاته لمن يفكرون في المجيء مفادها: انه من شبه المتعذر الحصول على الإقامة، والبقاء.

وبالتناغم مع هذه السياسات والتوجهات الأوروبية؛ تُناقش حالياً جملة تدابير بين مختلف الأحزاب في البرلمان السويدي منها: التفكير في إمكانية سحب الإقامات الدائمة (لا تمنح حالياً) من الذين قد حصلوا عليها في السابق؛ على أن يمنحوا بدلاً عنها إقامات مؤقتة، يمكن سحبها في أي وقت حينما تنتفي الأسباب. والإقامة المؤقتة لا تعطي صاحبها، وفق القوانين السويدية، الحق بالحصول على الجنسية مهما بلغت مدة إقامته في البلاد. والآن هناك مشروع ينص على رفع السقف الزمني المطلوب بالنسبة للحاصل على الإقامة الدائمة، حتى يتسنى له التقدم بطلب الجنسية (المدة الحالية خمسة أعوام أما المقترحة فهي ثمانية أعوام)؛ مع إضافة شروط أصعب تخص مستوى الدخل، والسجل العدلي، وغير ذلك.

وفي السياق ذاته، هناك مشروع مطروح من قبل الحكومة، يناقش من قبل مختلف الأحزاب السويدية ويدعو إلى سحب الجنسية من الذين يرتكبون جرائم أو مخالفات مالية كبيرة تصل عقوبتها إلى السجن أربع سنوات؛ وهناك توجسات من أن هذا المشروع قد يفسح المجال مستقبلاً، إذا ما أقره البرلمان وأصبح قانوناً، أمام التلاعب بتفسير هذا القانون، أو توسيع دائرة شموله.

ولكن النقاش الأكثر حدة بين مختلف الأحزاب في البرلمان السويدي هذه الأيام بخصوص قضايا اللاجئين، هو الذي يتركّز حول القرار الخاص بترحيل اليافعين الذين وصلوا إلى السويد برفقة ذويهم كلاجئين، وأكملوا عامهم الـ 18 في السويد، وذلك بحجة أنهم قد أصبحوا بالغين، ولم يعودوا مرافقين لوالديهم، وليست لديهم الأسباب الموجبة التي تبيح لهم التقدم بطلب اللجوء في السويد؛ لذلك عليهم الخروج من البلد. هذا مع العلم أن معظم هؤلاء قد اندمجوا في المجتمع وأتقنوا اللغة السويدية، وهم يتابعون تعليمهم في المدارس والمعاهد. ونتيجة الإحراجات الكثيرة التي رافقت عمليات تطبيق هذا القانون في حالات كثيرة، اعترف حزب ديمقراطي السويد اليميني المتشدد نفسه (صاحب الفكرة) بضرورة البحث عن مخرج، وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن؛ كما تراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن موقفه السابق الذي كان مؤيداً لهذا الإجراء.

وفي سياق تشجيع اللاجئين الحاصلين على الإقامات الخاصة بالحماية، تم رفع سقف المساعدة المالية التي من المفروض أن تمنح للشخص البالغ الراغب في العودة إلى بلاده أو السفر إلى بلد آخر إلى 35 ألف دولار تقريباً؛ وللأسرة إلى حدود 60 ألف دولار؛ وهو مبلغ كبير مقارنة بالمبالغ التي كانت تمنح سابقاً للراغبين في العودة. ولكن المشكلة أنه حتى الآن لم يسجل حصول أي من الذين تقدموا بطلبات العودة على المبلغ المذكور، رغم أنهم أجروا المقابلات، وأجابوا على أسئلة المسؤولين المعنيين في دائرة الهجرة؛ الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول مدى جدّية السلطات في مساعدتهم، وبشأن إمكانية استغلال إجاباتهم لصالح سياسات اليمين الحاكم الخاضع إلى حد بعيد لشروط وسياسات حزب ديمقراطي السويد المعروف برفضه المطلق لموضوع استقبال السويد اللاجئين، وسعيه المستمر لخفض عدد اللاجئين إلى أدنى حد ممكن. وقد تمكن من تحقيق ذلك بالفعل، إذ تبين أخر الإحصائيات أن عدد طالبي اللجوء في السويد قد انخفض خلال عام 2025 إلى ما دون 7 آلاف شخص، وهو المستوى الذي عرفته السويد قبل أربعين عاماً (عام 1985).

ومن الملاحظ أن سياسات الهجرة الخاصة بموضوع اللاجئين قد باتت موضوعاً حيوياً يشغل الرأي العام في السويد هذه الأيام، وذلك في أجواء تصاعد الحملات الانتخابية البرلمانية التي ستجرى في منتصف شهر أيلول/سبتمبر القادم. وهي انتخابات مفصلية بالنسبة لليمين الحاكم، وكذلك بالنسبة للتحالف الاشتراكي الليبرالي اليساري المعارض. ونظراً لحساسية هذه القضية، يلاحظ أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (أكبر الأحزاب السويدية) يقترب هو الآخر من سياسات حزب ديمقراطي السويد (ترتيبه هو الثاني حالياً). أما الهدف فهو التنافس على الجمهور المشترك بينهما الذي يتأثر كثيرا بالدعاية الانتخابية التي يمارسها هذا الأخير بخصوص موضوع اللاجئين.

من جهة أخرى، يثير هذا الموضوع في الوقت ذاته انتقادات حادة من جانب اليساريين والليبراليين والحقوقيين والمثقفين والصحافيين. وهناك من يربط بين هذا الموضوع وظاهرة الإسلاموفوبيا التي تسبّبت في تكريسها العمليات الإرهابية التي تعرضت لها العديد من الدول الأوروبية، وهي العمليات التي تبنتها جماعات إسلاموية متطرفة؛ هذا إلى جانب نشاطات وتصريحات بعض المنظمات والقوى الإسلاموية المتشددة سواء في السويد أم غيرها من الدول الأوروبية. وهي مسائل تُستغل من قبل اليمين السويدي المتطرف، والقوى اليمينية المتطرفة في مجمل دول الاتحاد الأوروبي بأشكال مختلفة، وهي القوى التي ترى في المهاجرين القادمين من الدول الإسلامية تهديداً مستقبلياً لهويتها، وهي تتوافق بذلك مع وجهة نظر ترامب في هذا المجال.
وضمن إطار الاحتجاجات على سياسات الحكومة السويدية اليمينية الخاصة بترحيل اليافعين، قدّم لودفيغ بيكمان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستوكهولم، استقالته من مجلس القيم الأخلاقية التابع لدائرة الهجرة الذي كان عضوا فيه منذ عام 2019؛ وذلك احتجاجاً على التجاوزات غير المقبولة من جانب دائرة الهجرة مع ملفات اليافعين.

والجدير بالذكر في هذا السياق أن سياسات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلبية العلنية بشأن مسألة اللاجئين والمهاجرين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى انتقاداته الحادة لسياسات الدول الأوروبية، ومن بينها السويد، في ميدان اللجوء والهجرة، وإشادته بجهود القوى اليمينية الرامية إلى الحد من أعداد اللاجئن؛ قد أعطت دفعا قويا لسياسات الأحزاب اليمينية المتطرفة على مستوى القارة. هذه الأحزاب التي لم تعد تعاني من أي حرج أخلاقي أو إنساني في الإفصاح عن عدم ترحيبها باللاجئين، وتعمل على إخراجهم من البلاد بمختلف الأساليب، وهي تتفاخر بذلك.

بقي أن نقول: إن الحل الأمثل المستدام لمعالجة قضية اللجوء هو تشجيع الاستقرار والتنمية، في البلدان التي تعاني من الاستبداد والفساد والفقر في آسيا وأفريقيا وأمريكيا اللاتينية، ومساعدة شعوب تلك البلدان في بناء أنظمة سياسية توجهاتها ديمقراطية، تمتلك خططاً واضحة مقنعة لمناهضة الفساد والاستبداد، وضمان مقومات العيش الكريم للمواطنين. أما أن تظل تلك الشعوب محكومة بأنظمة مستبدة فاسدة، تحظى بدعم القوى الإقليمية والدولية التي توجهها مصالحها العارية، فهذا مؤداه استمرارية الأزمات الإنسانية في تلك المناطق، والمزيد من اللاجئين.

القدس العربي