الحاضنة الشعبية الحقيقة ليست جمهوراً يصفق لكل إنجاز أو يعطي موافقته بالإجماع، أو يقبل بالوعود دون وجود تطبيق لها على أرض الواقع. الحاضنة الشعبية الحقيقة هي حالة من الانسجام بين الشعب والدولة.
هذا الانسجام لا يأتي عن عبث، بل يُبنى على الثقة وتراتبية المشاركة الشعبية وتوزيع الأدوار، لا على الخوف. ويبنى على تلبية التطلعات وتحقيق الاحتياجات، لا على فرض الأمر الواقع.
ولعل المشكلة الأبرز لأي سلطة تكمن في طريقة التعامل مع الحاضنة الشعبية وتصنيفها وتنميطها واختيارها من خلال الدعوات والتغطيات والتوظيف،
بينما تقتضي الضرورة بناء هذه القاعدة بصمت وثقة تنبع من فهم حياة الناس ومن سياق يجمع بين الحكومة والمجتمع ويمنحهم شعوراً بأن هذه الحكومة منهم وتشبههم وتمثل طموحاتهم وأهدافهم، لا أن تكون بعيدة أو منفصلة عنهم.
من خلال التجربة الحالية في سوريا وتتبع الواقع الراهن، تظهر صورة واضحة مفادها أن هناك مشكلة لم تعد تقف عند حدود سوء الفهم بل تجاوزتها إلى ممارسات غير مدروسة لدى البعض، وسّعت الفجوة بين المجتمع والدولة. الاعتماد على الولاء بدل الكفاءة يحول الدولة من مشروع وطني جامع إلى شبكة مصالح ضيقة تضم فئة لا تشبه المجتمع ولا تلامس آلامه ولا تعكس تطلعاته، ومن هنا يأتي خطر الأخطاء في التعيين والمشاركة.
كما أن سياسة تقريب بعض الأشخاص الذين لا يملكون ولاءً حقيقياً للوطن، ولا مواقف واضحة لهم من معاناة الشعب السوري، أو وربما كانت لهم مواقف مناهضة لثورته، إنما تم اختيارهم بناءً على حضورهم الإعلامي وعدد متابعيهم وقدرتهم على الترويج لأي حدث والتبرير له، لا يمكن أن تنتج سوى حاضنة هشة تسقط عند أول اختبار حقيقي.
وفي المقابل، يجري تهميش الحاضنة الحقيقية، تلك التي دفعت الثمن وكانت دائماً الأقرب إلى هموم الناس وأوجاعهم، وهو ما يخلق شعوراً متراكماً بالخذلان ويضعف إمكانية بناء ثقة طويلة الأمد بين الدولة والمجتمع. منذ أكثر من عام، ومع بداية عهد الدولة الجديدة، سُنت سنة جديدة في طريقة التعاطي مع الحاضنة الشعبية، حيث فُتح الباب على مصراعيه أمام صناع المحتوى وما يُسمى بالمؤثرين ليكونوا حاضرين في كل مناسبة سواء كان حضورهم ضرورياً أم لا.
هذا الحضور لم يبق ضمن حدود مدروسة، بل تحول مع الوقت إلى ما يشبه الحق المكتسب، حتى بات الغياب عن أي فعالية يولد شعوراً بالغبن لدى البعض يدفعهم للاعتراض وربما الهجوم، وقد شهدنا في حالات معينة انقلاباً كاملاً في المواقف التي كانوا يتبنونها، مما يدل على أن الاعتماد على هذه الفئات الهشة معرفيا غير موفق.
المشكلة هنا لا تتعلق بوجودهم بحد ذاته، بل في تضخيم دورهم ومنحهم مساحة أكبر بكثير من حجمهم الحقيقي وتأثيرهم الفعلي على الأرض، حيث لم ينعكس هذا الحضور المكثف بأي تغيير ملموس في حياة الناس. على العكس، تحولت العديد من هذه الفعاليات إلى مساحة للظهور وجمع التفاعل والمتاجرة بظروف البلد لتحقيق مكاسب شخصية، ما جعل معظمهم عبئاً إضافياً على كاهل المواطن المتعب بدل أن يكونوا سنداً له.
وفي ظل هذا المشهد، خفت حضور بعض الأصوات الصادقة التي حملت وجع الناس الحقيقي في الأوقات الصعبة. بالتوازي مع هذا المسار يبرز ملف هو الأكثر حساسية وأهمية في تشكيل الحاضنة الشعبية الحقيقية. هذا المسار يتعلق بحقوق الناس التي لم يتم إنصاف أوجاعها حتى الآن.
حين يرى ذوو الشهداء والمعتقلين أن التأخير في محاسبة المتورطين بدمائهم وإطلاق سراح بعضهم دون تفسير واضح، لن يولد شعوراً باستياء عابر فقط، إنما قد يتحول إلى إحساس عميق عند البعض بأن ما جرى يمكن أن يمر بلا حساب، ويصبح يقيناً عند البعض الآخر.
هذه الحقيقة لا يمكن استثناؤها من المشهد العام، بل تزيده تعقيداً وإرباكاً، لأن أي خلل في هذا الملف ينعكس مباشرة على مسار المجتمع، ويؤثر على قدرة الدولة على بناء حاضنة شعبية حقيقية. وبالتالي، فإن النتيجة التي تتراكم بدون اهتمام من الحكومة هي فقدان الشعور بالأمان وتراجع الإحساس بأن هناك من يحمي الحقوق ويعيد الاعتبار لأصحابها.
لكي تنشأ حاضنة شعبية حقيقية، يجب أن تبدأ الدولة بخطوات عملية واضحة؛ أولها إعطاء الكفاءة المكانة التي تستحقها في اتخاذ القرارات دون النظر إلى الولاءات أو المصالح الشخصية.
ثانيها الإنصات لمن هم على تماس مباشر مع واقع الناس ومعاناتهم. ثالثها التوقف عن منح المساحات والتقدير لمن يركزون على المظهر أكثر من الجوهر على حساب مصالح المجتمع ومعاناة الناس. رابعها البدء الفوري بمسار واضح للعدالة يعيد الحقوق إلى أصحابها ويقطع الطريق أمام الشعور بالإهمال.
خامسها ربط السياسات بما يحتاجه الناس فعلياً في حياتهم اليومية وتقديم حلول ملموسة وخاصة فيما يتعلق بالوضع الداخلي بدل الشعارات أو الخطط النظرية. سادسها العمل على بناء شبكات محلية صغيرة مترابطة بدل السعي لتشكيل كتلة واسعة دفعة واحدة.
التركيز يجب أن يكون على الأحياء والبلدات والمجموعات القريبة من بعضها حيث يمكن خلق روابط حقيقية تقوم على المعرفة المباشرة والتفاعل اليومي. ومن خلال هذه المساحات تتشكل بيئة أكثر تماسكاً وقابلية للاستمرار بحيث تنمو تدريجياً وتتصل ببعضها لتكوّن قاعدة أوسع وأكثر ثباتاً.
وسابعها وليس آخرها التعامل مع النقد كأداة تحسين وبناء وليس كتهديد أو هجوم وأن تكون الأقلام الناقدة بدافع الحرص مرحباً بها بدل تجاهلها واستبعادها، لأن ذلك يعزز الثقة ويقرب المسافة بين الدولة والمجتمع
في الختام، لا يزال الوقت متاحاً والقلوب منفتحة لتصحيح هذا المسار واستعادة التوازن قبل أن تتسع الفجوة أكثر. المسألة لا تحتاج إلى تبرير بقدر ما تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة تعيد ترتيب الأولويات بما ينسجم مع ما ينتظره الناس وما يستحقونه. الحاضنة الشعبية الحقيقية إنما تُولد في حياة الناس من ملامسة أوجاعهم والسعي لتلبية احتياجاتهم، وليس في الترندات، ومن يخسرها لن تعوضه كل أشكال السلطة والنفوذ.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.