يقول الشاعر أبو العلاء المعري: خفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ. يختزل هذا البيت في كثافته المدهشة فلسفةً كاملةً عن الوجود الإنساني على هذه الأرض، إذ يذكّرنا بأن ما نطؤه بأقدامنا ليس مجرد ترابٍ جامدٍ، بل هو تاريخٌ متراكمٌ من الحياة والموت، وسجلٌّ ممتدٌّ لأجيالٍ لا نعرف عددها، تعاقبت ثم غابت، واندثر ذكر أكثرها من سجلّ التاريخ البشري.

في الحقيقة؛ ليست حياة الإنسان على سطح الأرض صفحةً واضحةَ المعالم، بل هي مزيجٌ من معلومٍ محدودٍ ومجهولٍ واسع، وما نعرفه من تاريخنا لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من قصةٍ أطول بكثيرٍ مما نستطيع الإحاطة به. فالأرض التي نحيا عليها لم تعرف السكون يومًا، بل كانت -ولا تزال- في حالة تحولٍ دائم؛ تؤكد ذلك المباحث الجيولوجية التي تكشف لنا أن ما نراه ثابتًا اليوم لم يكن كذلك في الأمس، ولن يبقى على حاله غدًا.

فالسطح الذي نعيش عليه اليوم؛ كان في عصورٍ سحيقةٍ قاعًا لبحارٍ عميقةٍ تموج فيها كائناتٌ لا نعرف عنها إلا آثارًا متناثرة. وما هو اليوم مدنٌ عامرةٌ تضج بالحياة والعمران، كان في زمنٍ قريبٍ نسبيًا غاباتٍ كثيفةً تؤوي ملايين الكائنات، وتنبض بأشكالٍ مختلفةٍ من الحياة. بل إن تلك الغابات نفسها قد تحوّل بعضها، عبر تقلباتٍ طبيعيةٍ، إلى طبقاتٍ من الفحم الحجري المدفون في باطن الأرض، لتكون بذلك شاهدةً على تحولاتٍ لا تكاد تُحصى.

وإذا تجاوزنا الجيولوجيا إلى التاريخ الإنساني، وجدنا الصورة لا تختلف كثيرًا؛ فالمدن التي نعرفها اليوم لم تكن على صورتها الحالية، بل تبدلت أسماؤها مراتٍ عديدة، وتعاقبت عليها دولٌ وممالكُ وشعوبٌ، لكلٍّ منها لغتُها وثقافتُها ونظامُها. وبذلك فإن المكان الواحد قد يحمل في طبقاته آثارَ حضاراتٍ متعددةٍ، نشأت ثم اندثرت، فكأنه مرآةٌ لزمنٍ متحركٍ لا يثبت على حال.

ولا يزال السؤال عن بداية وجود الإنسان على الأرض ليس له إجابة يقينية؛ إذ لا نملك يقينًا قاطعًا بشأنه، وإن كانت التقديرات العلمية ترجّح أنه قد يمتد إلى مئاتِ آلافِ السنين. ومع ذلك، فإن ما نسميه “التاريخ” -أي الفترة التي دوّن فيها الإنسان أحداثه ووعى ذاته كتابةً- لا يتجاوز بضعةَ آلافٍ من السنين. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من تجربة الإنسان على هذه الأرض يظل خارج نطاق التدوين، فيما يُعرف بما قبل التاريخ، وهو ما يشكّل الغالبية الساحقة من زمن الوجود الإنساني.

وفي هذا الجزء المحدود الذي وصلنا خبره، نرى بوضوح سنّةَ التحول والتداول؛ فقد قامت دولٌ وأقوامٌ وممالكُ، ثم انهارت، وقامت على أنقاضها كياناتٌ جديدةٌ لا تقل عنها قوةً أو طموحًا، قبل أن تلحق بسابقاتها في دورةٍ لا تنقطع. وهكذا تستمر حركة التاريخ، لا تعرف الثبات ولا السكون.

ومن هنا تبرز دلالةٌ مهمةٌ، وهي أن فكرة “الثبات الممتد” في حياة البشر فكرةٌ خاطئةٌ، وأن ما يظنه الإنسان رسوخًا ليس سوى طور عابر في سياقٍ أطول. فالأرض -في حدود إدراكنا- هي الثابت النسبي، أما من عليها فمتغيرون، يأتون ويذهبون، يتركون آثارهم أو لا يتركون، ثم يفسحون المجال لغيرهم.

ولا يقتصر هذا التحول على الأجساد والعمران، بل يمتد إلى ما هو أعمق، إلى اللغات والديانات والعرقيات أو القوميات؛ فكم من لغةٍ كانت يومًا سائدةً ثم انقرضت، وكم من ديانةٍ انتشرت بين الناس ثم تراجعت حتى اختفت، وكم من جماعةٍ بشريةٍ ذابت في غيرها أو تبدلت ملامحها عبر الزمن. وكل ذلك يشير إلى أن التجدد ليس طارئًا على الحياة، بل هو من صميم سننها.

ومن هذا المنظور، يمكن إعادة النظر في كثيرٍ من الادعاءات التي يبنيها البشر حول “الأصالة” و”الأسبقية” و”الانتماء الخالص”؛ فالتاريخ، في امتداده الطويل، يكشف أن الهويات ليست كياناتٍ صلبةً مغلقةً، بل هي نتاج تفاعلٍ مستمرٍّ وتداخلٍ بين عناصر متعددة. فثمة من تعرّب بعد أن لم يكن عربيًا، ومن تكرّد أو تترك أو تفرنج أو غير ذلك، حتى غدت الهويات الحديثة حصيلةَ تراكماتٍ وتحولاتٍ، لا امتدادًا مستقرًا لجوهرٍ ثابت.

ولو كانت هذه الانتماءات صلبةً لا تتغير؛ لاقتضى ذلك أن تكون البشرية قد انحدرت من أصولٍ متعددةٍ متباينةٍ لا تلتقي، بينما يشير الوعي الإنساني -في مجمله- إلى وحدة الأصل البشري، وإلى أن الاختلافات اللاحقة إنما نشأت في سياق التاريخ، لا في أصل الخلقة.

إن من يدّعي أنه يمثل “الأصل” في بلدٍ ما، مقابل “العابرين” أو “الوافدين”؛ يغفل حقيقةً أساسيةً تقول: إن الجميع -بلا استثناء- عابرون، وأن الأرض لم تكن يومًا حكرًا على أحد، ولا ملكًا خالصًا له.

ومن هنا، فإن الحكمة التي افتتح بها المعري بيته تعود لتفرض نفسها من جديد؛ فـ”خفف الوطء” ليست دعوةً إلى رقة الحس كما قد يتخيل البعض، بل دعوةٌ إلى التواضع الوجودي، وإدراك موقع الإنسان الحقيقي في هذا الكون. فما أديم الأرض إلا حصيلةُ من سبقونا، ولن تكون أجسادنا -مهما طال بقاؤها- إلا امتدادًا لهذه السلسلة.

نسوق هذا الكلام لغاية إعادة ترتيب نظرتنا لأنفسنا ولغيرنا؛ بحيث نتحرر من أوهام التفوق، ونتعامل مع الأرض بوصفها مجالًا مشتركًا للاستخلاف، لا ميدانًا للصراع القائم على دعاوى لا يثبتها التاريخ ولا يقرّها العقل.

صحيفة الثورة السورية