تصاعدت وتيرة الاعتداءات “الإسرائيلية” على الأراضي السورية خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق، بدءا من الغارات الجوية المتكررة على مواقع عسكرية ومدنية، مرورا بالتوغلات البرية المباشرة في العديد من القرى والبلدات الجنوبية، وليس انتهاء بالمداهمات والاعتقالات التعسفية للمواطنين السوريين.
في المقابل، تطالب سوريا باستمرار بخروج قوات الاحتلال من أراضيها، مؤكدة أن جميع الإجراءات “الإسرائيلية” في الجنوب السوري باطلة ولاغية، ولا ترتب أي أثر قانوني وفقا للقانون الدولي، وأن على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته، والقيام بردع ممارسات الاحتلال وإلزامه بالانسحاب الكامل من الجنوب السوري.
وسجلت الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد توغل قوة للاحتلال “الإسرائيلي” في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، حيث أقدمت على مداهمة منزلين وتفتيشهما واعتقال شاب من أبناء البلدة، وفق ما نقلت وكالة “سانا”.
واقتادت القوة “الإسرائيلية” الشاب باتجاه نقطة عسكرية موجودة في حرش جباتا الخشب.
كما توغلت قوة أخرى، مؤلفة من ثلاث دبابات، في وقت لاحق، في تلة الدرعيات بريف المحافظة الجنوبي، وتمركزت لفترة قصيرة في محيط التلة، قبل أن تنسحب باتجاه داخل الجولان المحتل.
وكانت قوة للاحتلال، مؤلفة من خمس آليات عسكرية، توغلت أمس السبت في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، حيث قامت بنصب حاجز مؤقت على مفرق القرية، وعمدت إلى تفتيش المارة، قبل أن تنسحب من المنطقة.
وتواصل “إسرائيل” اعتداءاتها وخرقها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، عبر التوغل في الجنوب السوري، والاعتداء على المواطنين من خلال المداهمات والاعتقالات، وتجريف الأراضي وإطلاق القذائف.
ويقول الخبير بالتفاوض الدولي، المستشار وليد الحمود: تحاول “إسرائيل” تقديم توغلاتها ضمن سياقات أمنية وعسكرية خاصة بها، إلا أن الواقع القانوني والسيادي يؤكد أن ما يجري يمثل انتهاكا مباشرا لسيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشيرا إلى التحول في طبيعة السلوك “الإسرائيلي” داخل الأراضي السورية.
وأضاف الحمود، في حديث مع “الثورة السورية”، أن اللافت في المرحلة الحالية أن التحركات “الإسرائيلية” لم تعد تقتصر على الضربات الجوية التقليدية فقط، بل بدأت تتخذ طابعا أكثر اتساعا وخطورة، عبر التوغلات البرية المباشرة وفرض وقائع ميدانية جديدة، وتوسيع هامش عملها العسكري داخل الأراضي السورية، وتنفيذ مداهمات واعتقالات. وهذا التطور يعكس محاولة “إسرائيلية” لاستثمار التحولات الداخلية السورية والمرحلة الانتقالية الحساسة لفرض توازنات ميدانية وسياسية جديدة تخدم رؤيتها الأمنية والاستراتيجية.
وأشار الحمود إلى أن القراءة الأعمق للمشهد تكشف أن الدولة السورية، ورغم حجم التحديات، ما تزال تتمسك بثوابتها السيادية والقانونية، وتتعامل مع هذه الاعتداءات ضمن مقاربة تجمع بين ضبط النفس الاستراتيجي والحفاظ على الحقوق الوطنية، وعدم الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة قد تستنزف البلاد في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها.
وبيّن الحمود أن الموقف السوري يستند إلى شرعية قانونية واضحة، فسوريا، من منظور القانون الدولي، تمتلك أساسا قانونيا قويا في رفض جميع أشكال الوجود أو التدخل “الإسرائيلي” داخل أراضيها، وذلك بناء على المبادئ الراسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، وحماية المدنيين، ومنع الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني.
وبالتالي، فإن أي توغل أو عملية عسكرية “إسرائيلية” داخل الأراضي السورية تعد انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة الثانية المتعلقة بحظر المساس بسيادة الدول وسلامة أراضيها. وأكد الحمود أن الاعتقالات والمداهمات داخل الأراضي السورية تثير مسؤوليات قانونية إضافية مرتبطة باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، خصوصا في ما يتعلق بحماية السكان المدنيين ومنع النقل أو الاحتجاز غير المشروع.
وقال الخبير بالتفاوض الدولي: رغم الخلل الواضح في ميزان القوة العسكرية بين سوريا و”إسرائيل”، فإن المقاربة السورية الحالية تبدو قائمة على إدارة الصراع بعقل الدولة، لا بمنطق الانفعال. فسوريا تدرك أن المواجهة الحديثة لا تدار فقط بالسلاح، بل أيضا عبر القانون الدولي، والتحرك الدبلوماسي، وبناء الشرعية السياسية، وتوثيق الانتهاكات، وتعزيز الاستقرار الداخلي، إضافة إلى استعادة القوة المؤسساتية للدولة.
وهذا ما يفسر تركيز دمشق، بحسب الحمود، على التمسك بالخطاب القانوني الدولي، ومخاطبة المؤسسات الأممية، وتثبيت الحقوق السيادية، ورفض منح أي شرعية للإجراءات “الإسرائيلية”، وكذلك العمل على إعادة بناء موقع الدولة السورية إقليميا ودوليا. فالمرحلة الحالية بالنسبة إلى سوريا ليست فقط مرحلة مواجهة اعتداءات، بل هي أيضا مرحلة إعادة ترميم الدولة واستعادة حضورها السياسي والمؤسساتي بعد سنوات من الحرب والاستنزاف.
وفي ما يخص إمكانية لجوء سوريا إلى محكمة العدل الدولية لمواجهة الاعتداءات “الإسرائيلية”، قال الحمود: من حيث المبدأ القانوني، نعم تستطيع سوريا اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، باعتبارها الجهاز القضائي الرئيسي التابع للأمم المتحدة.
واستدرك أن الواقع القانوني أكثر تعقيدا، لأن اختصاص المحكمة في النزاعات بين الدول يتطلب قبول الطرفين لاختصاص المحكمة، أو وجود اتفاقيات أو أسس قانونية تمنح المحكمة ولاية النظر. وهنا تكمن الإشكالية، إذ إن “إسرائيل” لا تقبل تلقائيا بالاختصاص الإلزامي للمحكمة في جميع النزاعات. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني غياب الخيارات القانونية أمام دمشق.
وأشار الحمود إلى أهم الخيارات القانونية والدبلوماسية المتاحة لسوريا في مواجهة الصلف “الإسرائيلي”، والتي تبدأ ببناء ملف قانوني متكامل. وهذه من أهم المعارك التي يجب أن تخوضها الدولة السورية، إذ إن أي تحرك قانوني دولي يحتاج إلى توثيق دقيق للانتهاكات، وخرائط وصور وتقارير، وتوثيق الأضرار المدنية، وكذلك ملفات خاصة بالمعتقلين، إلى جانب الشهادات القانونية والميدانية، وأرشفة ذلك كله بشكل احترافي قابل للاستخدام الدولي. فالدول القوية قانونيا هي التي تحول الوقائع الميدانية إلى ملفات دولية يصعب تجاهلها مستقبلا.
وكانت محكمة العدل الدولية أمرت، في مطلع عام 2024، “إسرائيل” باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة الجماعية في غزة والتحريض المباشر عليها، وذلك في حكمها بالدعوى التي أقامتها جنوب إفريقيا لدى المحكمة ضد “إسرائيل”.
وصوتت أغلبية كبيرة من أعضاء لجنة المحكمة، المؤلفة من 17 قاضيا، لصالح اتخاذ إجراءات عاجلة تلبي معظم ما طلبته جنوب إفريقيا، باستثناء توجيه الأمر بوقف الحرب على غزة. وقالت المحكمة في النص الذي تلاه القضاة إن على “إسرائيل” أن تتخذ “كل الإجراءات التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأفعال ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية”.
وذكرت المحكمة أنها تقر بحق الفلسطينيين في غزة في الحماية من أعمال الإبادة الجماعية، مؤكدة أن الشروط متوفرة لفرض تدابير مؤقتة على “إسرائيل”، وأن على “إسرائيل” الالتزام بتجنب كل ما يتعلق بالقتل والاعتداء والتدمير بحق سكان غزة، وأن تضمن توفير الاحتياجات الإنسانية الملحة في القطاع بشكل فوري.
كما يمثل التحرك داخل الأمم المتحدة، بتقديم شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، وتفعيلها أيضا داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمطالبة بشكل دائم بإدانة الانتهاكات “الإسرائيلية” بشكل واضح وعلني، وتثبيت هذه الوقائع كلها ضمن السجلات الأممية، مسارا مهما جدا للحفاظ على الشرعية القانونية السورية، ومنع تحويل الانتهاكات إلى أمر واقع مع مرور الزمن، رغم أن التوازنات السياسية الدولية قد تعرقل بعض النتائج العملية لهذا التحرك.
وأشار الخبير بالتفاوض الدولي إلى أنه يمكن لسوريا، عبر تحرك دبلوماسي داخل المؤسسات الأممية، الدفع باتجاه طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن شرعية التوغلات “الإسرائيلية”، والوضع القانوني للمناطق التي تم التوغل فيها، وقانونية الاعتقالات، والالتزامات “الإسرائيلية” كقوة احتلال، لافتا إلى أن الآراء الاستشارية، رغم أنها غير ملزمة تنفيذيا، تمتلك قيمة قانونية وأخلاقية وسياسية كبيرة، كما حدث في قضايا فلسطينية تتعلق بالجدار العازل والاستيطان والاحتلال.
وشدد الحمود على أن المعركة الحقيقية أمام سوريا اليوم هي بناء الدولة واستعادة التوازن الاستراتيجي بعد سنوات الحرب، وهو ما يتحقق عبر مشروع وطني طويل النفس يعيد للدولة قوتها ومكانتها وقدرتها على حماية سيادتها ومصالحها. ومن هنا، فإن تعزيز الاستقرار الداخلي ودعم مؤسسات الدولة وتطوير أدوات القانون والدبلوماسية والإعلام يمثل جزءا أساسيا من معركة السيادة الوطنية.
ومهما بلغت الضغوط والتحديات، بحسب الخبير الدولي، فإن الثابت في القانون والسياسة والتاريخ أن السيادة لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الدول لا تلغى بفرض الأمر الواقع، وأن سوريا التي صمدت في وجه واحدة من أعقد الأزمات في العصر الحديث تمتلك من العمق التاريخي والسياسي والمؤسساتي ما يؤهلها لاستعادة كامل حقوقها وترسيخ حضورها كدولة محورية في المنطقة.
وقال تقرير نشرته “فرانس 24 العربية”، الجمعة الماضي 22 أيار الحالي، إنه منذ أواخر عام 2024، أوقف الجيش “الإسرائيلي” ما لا يقل عن 197 رجلا في جنوب سوريا، 43 منهم لا يزالون رهن الاعتقال الذي يصفه المراقبون بالتعسفي داخل السجون “الإسرائيلية”.
وأوضح التقرير أن فريق “فرانس 24” تمكن من جمع شهادات عينية من سوريين اعتقلوا من قبل الجيش “الإسرائيلي” قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعد عدة أشهر من الاحتجاز، إضافة إلى شهادات عائلات لا يزال عدد من أفرادها رهن الاعتقال في سجون الاحتلال، مثل علياء “اسم مستعار”، وهي ابنة أحد الرجلين اللذين اعتقلهما جيش الاحتلال في مداهمته التي حصلت يوم 28 تشرين الثاني الماضي.
وتقول “علياء”، بحسب “فرانس 24”: “في تلك الليلة، في حدود الساعة الثالثة والنصف صباحا، سمعنا صوت شخص يحاول خلع الباب. اقترب أبي من المكان لمعرفة ما يحدث، وكان الجنود “الإسرائيليون” قد وصلوا إلى المكان، وقاموا في الحال بتثبيته على الأرض. بعد ذلك، صعدوا إلى الطابق الأول للمنزل وقاموا باعتقال عمي. ومن ثم قاموا بجمعنا في بهو البيت أنا وأمي، ووجهوا أسلحتهم إلينا، وأجبرونا على الجثو على ركبنا”. وأضافت: في تلك الليلة، قاموا بتفتيش كل شيء، وكسروا أغراض البيت وحطموا الباب.
وأضافت “علياء”: “منذ ليلة الاعتقال، لم تصلنا أي معلومة بشأنهما. وبعد مرور عدة أشهر، أخبرتنا منظمة بأنهما معتقلان في “إسرائيل”، أحدهما في سجن “سدي تيمان” والآخر في سجن “نافحا”، وبخلاف ذلك، لا نعلم أي شيء عنهما”.
كما نقل التقرير شهادات عائلات أخرى في مناطق مختلفة من سوريا، تتحدث عن التوقيفات الليلية ومداهمات البيوت وتهديد الأقارب أو عدم السماح لهم بالتحرك، وأقارب لأشخاص تم اعتقالهم ولم تكن لهم أنشطة معادية لـ”إسرائيل”.
وتتكرر الشهادات التي تذكر عمليات التخريب والتكسير والترهيب للأهالي، إضافة إلى استخدام الكلاب في عمليات المداهمة والاعتقال، وهو ما تم تأكيده من قبل المتحدث الرسمي باسم بعثة مراقبة فض الاشتباك بين سوريا و”إسرائيل” بعد حرب تشرين الأول 1973، “الأندوف”.
ووفق “فرانس 24″، فإن ما لا يقل عن 35 سوريا لا يزالون معتقلين حتى الآن في سجن “سديه تيمان” سيئ السمعة، الموجود في صحراء النقب.
وبحسب قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، فإن عمليات الاعتقال الليلية هذه يتم الإبلاغ عنها بانتظام من قبل السكان والمسؤولين المحليين، دون أن تتمكن الأمم المتحدة من مراقبتها بشكل مباشر، وفق “فرانس 24 العربية”، التي أكدت التواصل مع عدة هيئات دولية للتنديد بالاعتقالات العشوائية وظروف الاعتقال وتعرض المعتقلين للتعذيب، ومنها خصوصا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والهيئة الأممية المعنية بالاختفاء القسري، وأنها لا تزال في انتظار الرد.
ووفق مركز “سجل”، وهو منظمة توثق عمليات الجيش “الإسرائيلي” في سوريا، “تم اعتقال ما لا يقل عن 187 شخصا خلال عام ونصف العام، وتم إطلاق سراح معظمهم، إلا أن 43 سوريا لا يزالون محتجزين في سجون “إسرائيل”، ومنها خصوصا سجون عوفر ونافحا وسدي تيمان”.
وبحسب المراقبين، ما تزال دمشق تصر على أن أي اتفاق أمني جديد يعالج القلق الأمني لكلا الجانبين، يجب أن يكون أساسه اتفاقية فك الاشتباك الدولية التي ظلت حاكمة العلاقة السورية “الإسرائيلية” طيلة نصف قرن، قبل أن تتذرع “إسرائيل” بالتغييرات العميقة التي حدثت في البلاد من أجل إلغائها. وأكد المراقبون أنها لا تبدو بصدد تقديم تنازلات تمس سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، وهي تعول على ضغط أميركي من أجل وضع حد للاعتداءات “الإسرائيلية” التي لم تتوقف عند حدود التوغل في العمق وترهيب السكان، بل وصلت إلى حد التدخل مباشرة في ملفات سورية، منها ملف السويداء الذي بات ورقة تفاوض وضغط في يد الاحتلال.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.