يُظهر الاعتذار السريع للرئيس الشرع لأهالي دير الزور عن تصريحات والده، إلى جانب قراره برفع أسعار شراء القمح، حرص السلطة على احتواء الشارع ومراعاة تطلعاته، في حين يبدو جلياً تجاهلها آراء النخب الحقوقية وملاحظاتها على الصكوك التشريعية التي تصدرها.
غير أن هذا التجاهل لا يُعزى إلى تعنت السلطة وحده، بل يرتبط أيضاً بطبيعة الخطاب الحقوقي الموجّه إليها. إذ ينبع هذا الموقف النخبوي من تحفظات دستورية على تجاوز رئيس الجمهورية صلاحياته التنفيذية عبر إصدار صكوك تدخل في صلب اختصاص السلطة التشريعية، وظهر ذلك في اعتراضاتهم السابقة على صكوك عدة، كقانون الاستثمار، ومرسوم شركات الحراسة الخاصة، وتعليمات حق التظاهر، وأخيراً قانون الجمارك.
يُؤخذ على هذه المقاربات انفصالها عن الواقع، وميلها إلى التنظير، وجنوحها نحو نقاشات شكلية تكتسي طابع الجدل البيزنطي، وظهر ذلك في اعتراضاتها على قانون الجمارك الأخير الصادر عن الرئيس الشرع.
فبينما رأت هذه الفئة أن القانون عملٌ تشريعيٌ خالص ينفرد به المجلس التشريعي بموجب الإعلان الدستوري، عجزت عن تسويغ موقفها ضمن سياق القضاء والفقه الوطني أو المقارن، واكتفت بانتقاد قصور النص الدستوري عن منح الرئيس سلطة التشريع المؤقتة.
والأكثر غرابة، مناداتها بتعديل الإعلان الدستوري لشرعنة تفويض الرئيس مؤقتاً، من دون اعتبار كافٍ لمبدأ فصل السلطات، ومتناسيةً الآثار السلبية تاريخياً لتفويض السلطة التنفيذية بالتشريع، فضلاً عن تعذر تعديل الإعلان الدستوري في ظل عدم وجود مجلس شعب يملك هذه الصلاحية.
وغاب عن هذه النخب أن تنظيم مرفق الجمارك -لأهميته في هذه المرحلة- لا يُعدّ اعتداءً على اختصاص السلطة التشريعية، بقدر ما يعدُّ استجابة لفراغ دستوري ومؤسسي لا يحتمل التعطيل. فعلى سبيل المثال، كان سبب الارتفاع الباهظ بسعر سلعة مثل السيارات نتيجة إخضاعها لتعرفة ورسوم مرتفعة وغير منطقية، نصّ عليها قانون الجمارك وتشريعات أخرى ما تزال نافذة، غير أن السلطة الحالية خالفت التشريعات التي تفرض التعرفة والرسوم غير المنطقية، وسمحت باستيراد السيارات لقاء تعرفة ورسوم معقولة.
ولما كانت ضرورة السير بمرفق الجمارك تقضي بالتخلص من قانون الجمارك السابق القائم على فكرة الاقتصاد المغلق، أصدرت السلطة الحالية قانوناً جديداً يتضمن رؤيتها الاقتصادية المستحدثة.
ولهذا، نصّت المادة 262 منه على صحة الأعمال والتصرفات والإجراءات الإدارية والتنظيمية والمالية المتخذة منذ التحرير وإنتاجها لآثارها، بما يكفل إضفاء المشروعية على المخالفات القانونية التي ارتُكبت في ملف السيارات وغيرها.
وقد أكدت السلطة الطابع المؤقت لهذا الصك التشريعي، حينما أوردت في المادة 263 منه قاعدة غير مألوفة تشريعياً، كلّفت بموجبها إدارة الجمارك بإعداد الصك التشريعي اللازم، بما يكشف أن هذا التنظيم الاستثنائي لا يحلّ محل القانون الذي سيصدر عن المجلس التشريعي المرتقب، ولا ينتقص من اختصاصه الأصيل، بل يمهّد له ويؤمّن استمرارية المرفق إلى حين مباشرته صلاحياته.
لقد تجاهلت هذه النُخب أنه في فرنسا، مهد مجلس الدولة والقانون الإداري، لم تجد الإدارة حرجاً في خرق مبدأ المشروعية، وإصدار قرارات ذات صفة تشريعية لتسيير مرفق عام، حينما واجهت ظرفاً استثنائياً يقتضي هذا الخرق. وقد أقرَّ مجلس الدولة الفرنسي عمل الإدارة الذي يفتقر إلى المشروعية لمواجهة الظرف الاستثنائي، فنشأت “نظرية الظروف الاستثنائية” التي تخوّل الإدارة سلطة التحرر مؤقتاً من قواعد المشروعية العادية بقدر الضرورة.
كما تبنى الفقه الإداري العربي هذه النظرية، إذ يقول الدكتور “سليمان الطماوي”: “إن بعض القرارات الإدارية غير المشروعة في الظروف العادية، يعتبرها القضاء مشروعة إذا ما ثبت أنها ضرورية لحماية النظام العام أو لتأمين سير المرافق العامة بسبب حدوث ظروف استثنائية، وهكذا تتحلل الإدارة مؤقتاً من قيود المشروعية العادية لتتمتع باختصاص واسع لم يرد به نص” [النظرية العامة للقرارات الإدارية، ط 1957، ص85].
وقد تبنّى فقه القانون الإداري السوري هذا الاتجاه صراحة، حيث أصّل له الدكتور الراحل “عبد الإله الخاني” (رئيس مجلس الدولة والأستاذ بجامعة دمشق) نظرية (عامل البقاء الحقوقي)، ومؤداها حلول السلطة التنفيذية محل السلطة التشريعية حال غيابها، استناداً إلى أن مجموع سلطات الدولة تؤلف في تفاعلها المتبادل، كائناً نظامياً قانونياً.
وقياساً على الكائن الحي الذي ينزع دوماً نحو الحفاظ على وجوده، فإن هذا العامل يبرر نيابة سلطة حاضرة عن أخرى غائبة، تمكيناً للسلطة التنظيمية من ممارسة الاختصاص التشريعي طيلة فترة غياب السلطة التشريعية. [موسوعة القانون الإداري، المجلد 2، ط2، ص160].
وعلى ذلك، فإن الفراغ التشريعي القائم منذ 8 كانون الأول 2024، يُشكّلُ ظرفاً استثنائياً بالمعنى القانوني الدقيق، يبرّر للإدارةِ -على نحوٍ مؤقتٍ ومقيّدٍ بقدر الضرورة- التحررَ من قيود المشروعية المعتادة، بما يكفل استمرار المرفق العام.
لذلك، ينبغي على أصحاب هذا الاتجاه أن يتحلّوا بالواقعية، وأن يجترحوا حلولاً قانونية تحمي كيان الدولة وتراعي الظرف الاستثنائي، كي تصغي إليهم السلطة، بدل أطروحات نظرية قد تفضي إلى شلل الدولة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.